د. حيدر إبراهيم .. حين يرحل الوعي ويبقى الضجيج.

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وفي بلاد جرت العادة فيها أنها لا تعرف للفضل قيمة إلا بعد أن يمضي صاحبه، وقع على رؤوسنا نعي الناعي رحيل الدكتور المفكر وأحد أعلام حركة الوعي والتنوير في السودان، د. حيدر إبراهيم، فتساوى إشفاقنا على وطننا من وطأة ومآلات الحرب وغياب أحد حُرّاس بوابات الحقيقة والوعي والتنوير في زمن سادت فيه ثقافة “الوجبات السريعة” في مطاعم السياسة و”كافيهات” الفضاء التفاعلي، فصار المحتوى الرقمي المتعلق بحاضر السودان ومستقبله يخص من تسوّروا حائط العام في السودان بكل ما يخصهم من فقر خاص في المعاني.
فداحة خبر نعي الدكتور / حيدر إبراهيم تتعاظم بالانتباه إلى توقيتها الوطني، فهي تجيء وحالة السودان في عز “الهجير”، والأكثر احتياجاً إلى خطاب العقلانية والتنوير واستخدامات اللغة النظيفة من أي وقت مضى.
حوجتنا الوطنية الآن تختلف تماماً عن حالة كونها مجموع “مرثيات” نتباكى فيها على ما حدث أو ما سيحدث بعد فراغ وإفراغ الفضاء العام من مطلوبات الوعي والتنوير لصالح احتشاده الآن بما أصاب الخاطر الوطني بكسور مركبة أعجزته عن تقديم “الجبيرة” اللازمة وخطاب الوعي المستقيم كبصير لعرجتنا التي صنعتها الحرب وغيرها من أسباب التخلف والرجعية.
بالأمس الأول أسكت الموت صوت الدكتور / حيدر إبراهيم، وبالتالي لم يعد صوته متاحاً لمواليد برج الحرب أن يستمعوا إليه وهو يتلو عليهم ويذكرهم بخطاب العقل وآذانهم المأخوذة الآن بلغة “الفتك والمتك” و”ابنصات” الكراهية، ليأتي السؤال عن هل ما زال متاحاً في أسرة الوطن ورثة لما تركه الراحل في مكتبة الوعي الوطني؟ إذ لم يكن فقيدنا يكتب عن السودان فقط ويفكك المعقد من أزماته ومشكلاته، بقدر ما أنه كان يسعى إلى أن يغيّر الطريقة التي يفكر بها السودانيون للتعامل مع عثراتهم الوطنية منذ ميلاد الدولة السودانية وحتى لحظات “الاحتضار الوطني” التي نعيشها الآن بسبب الحرب وبسبب طرق التفكير العقيمة والمقترحة لعلاج مهددات بقاء السودان أرضاً وشعباً.
(*) مات الدكتور .. فهل مات السؤال؟
شمول “البصيرة” التي كان يفكر ويكتب بها الدكتور حيدر إبراهيم كانت واضحة جداً في مفاتيح الموضوعات التي نشرت في مكتبة الوعي والتنوير التي تركها خلفه، فهو الذي تحلى قلمه بالشجاعة حينما كتب عن “أزمة الإسلام السياسي” وعن “سقوط المشروع الحضاري” و«الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان» دون وجل أو خوف من أن تطاله أيادي القمع والتنكيل، وكانت ليده وقلمه مواقف فكرية ومواقف مشهودة عرفها المجتمع المدني في السودان.
ففي زمن تموت فيه المدن تحت القصف، وتموت فيه اللغة تحت سيطرة خطاب الكراهية، ويموت فيه العقل تحت ركام الحرب، رحل الدكتور حيدر إبراهيم وهو واحد من الذين ظلوا يحاولون إنقاذ السودان بالكلمة والفكرة والدراسات.
مات أستاذ الوعي والتنوير ونحن هنا لا نكتب مجرد النعي لأستاذ علم الاجتماع والكاتب الناقد للإسلام السياسي وصاحب مركز الدراسات السودانية، بقدر ما أننا ننظر إليه كصاحب مشروع فكري يحتاجه السودان والسودانيون في أدق لحظات يمر بها الوطن، والتي تضعه الحرب أمام محك وسؤال أن يكون أو لا يكون.
فقيدنا هو من كتب عن “السودان الوطن المُضيّع”، ووقتها كان قلمه يقرأ في كف الأيام والمستقبل ما يحدث الآن لتراب وشعب السودان، وهو يتناول موضوعات الدين والدولة والحرية والديمقراطية ومشروع الوعي والتنوير وإدارة ذلك بمناهج العقلانية وتنظيم المجتمع المدني وتحسين قراءته لموضوعات الهوية والتنمية في السودان وامتلاك أدوات النضال ضد الفساد والاستبداد في السودان وإصلاح مناهج التعليم وحقوق الإنسان وضوابط علاقة المثقف بالسلطة، ولم تكن هذه الموضوعات في ذهن الراحل موضوعات في منهج منفصل، بل هي عبارة عن خيط متصل يبحث عن إجابة للسؤال عن كيف يمكن أن ينتقل السودان من مجتمع تحكمه العصبيات القبلية وسلطة العادات والتقاليد إلى مجتمع تحكمه روافع العقل والمواطنة والحريات؟
لافتة الحرية التي أصبحت لدى الكثير من الكتاب والسياسيين جزءاً من السيرة الذاتية التي يتم تقديمها للقبول في وظيفة من وظائف العمل العام في السودان، عمل الدكتور / حيدر إبراهيم على تفكيكها في كتابه “مواقف فكرية” ليتسع الأفق لما هو أشمل من مجرد “صندوق انتخابات” وتداول للسلطة، بالبحث عن إجابات لسؤال أيهما أحق في ترتيب الأولويات .. هل هو بناء النظام الديمقراطي في السودان أولاً أم بناء الإنسان السوداني المؤمن بالتنوع والاختلاف؟ فإننا لو قرأنا في صفحات المشهد العام الآن بضفتيه، سنجد بأننا أمام “مسخ” الفوضى العارمة يرفع شعارات الكرامة والديمقراطية، بينما هو في واقع الحال يمارس رذيلة التخوين والعنصرية والإقصاء والكراهية وقمط الآخرين حقهم في أن يكونوا آخرين، ومن هذه الزاوية يمكننا أن نرى وبكل وضوح حجم الفراغ الذي سيعيشه السودان برحيل عقل يفكر بطريقة الدكتور حيدر إبراهيم.
(*) عبقرية قلم ..
وعلى كثرة ما كتب في تحليل المشهد السوداني وتعقيداته، وما تم اختياره من عناوين لهذه الكتابة، إلا أن اختيار فقيدنا الراحل لعنوان “ختان العقول” لأحد مقالاته التي كتبها يفسر انتقاده المبكر لمسألة غياب العقل والمنطق والمعرفة العلمية لمشكلات المشهد السوداني، وكان بذلك أن قلمه كان يرى ما يحدث الآن من سيطرة الشائعات على الحقيقة وسيطرة عضل الشتائم على الحجة في النقاش العام وتفشي التحريض والكراهية، خصماً على الوعي والتنوير، ليقول بأن الحرب الحالية لا تقتل السودانيين وتفرقهم إلى نازحين ولاجئين بقوة السلاح، بل هي تجردهم وتقتل فيهم أدوات التفكير.
بعد التسليم بقضاء الله وقدره، فإن نعي الدكتور / حيدر إبراهيم يجب أن نتجاوز به فكرة الرثاء لراحل سيبقى بما تركه من وعي وإرث للتنوير، إلى الانتباه إلى أن ما سنفتقده حقيقة برحيله بغياب لغة العقل والتفكير والتي كان الفقيد يحلل بها واقع مشكلات السودان والسودانيين، في مقابل لغة التعبئة التي يحتشد بها الفضاء العام والقائمة على التحشيد والتجييش والتعميم القائم بالأساس على عدم المعرفة والتقييد الأخلاقي للأحكام، لتتحول اللغة السودانية من أداة للتفكير لواحدة من أدوات القتال وسلاح من الأسلحة المقبولة أخلاقياً في صراع الوجود.
برحيل الدكتور / حيدر إبراهيم يفقد السودان أحد أهم مؤسساته الوطنية، وهي مؤسسة “التفكير العقلاني”، ليضعنا هذا الفقد أمام سؤال إجابته تبدو مخيفة للغاية عن ما الذي يمكن أن يحل بالمجتمع السوداني في حالة فقدانه لمثل هذه المؤسسة التي كان من شأنها أن تكون أحد أهم “أوتاد” الوطن الذي تكاثرت زعازعه.
رحل ورحل معه مشروع النقد الفكري والسياسي القائم على إمكانية نقد الفكرة دون توليد الكراهية للأشخاص، وأن الاختلاف ليس بالضرورة أن يؤسس للعداء، وأن التفكير ليس فيه مدعاة للتخوين، وهو من شدد على قيمة الحرية والنقد، وهو الذي كان على الدوام رافضاً للابتزاز والإرهاب الفكري وتهم الخيانة والعمالة المجانية في وجه كل من فكر في الانتقاد والخروج من الصندوق.
(*) عبقرية الفعل …
النظر إلى واقع السودان الحالي قبل الحرب وأثناءها يفتح بصيرتنا ناحية وحقيقة أن ما حدث لم يكن نتاجاً لخبط العشواء أو المصادفة، بقدر ما أنه كان أمراً مقصوداً وفعل مع سبق الإصرار والترصد، كان الهدف منه أن يصير السودان والسودانيين إلى ما صاروا إليه الآن، وفي وقت سابق عندما أسس الفقيد حيدر إبراهيم مركزاً للدراسات السودانية كان فعله هذا فعل احترازي تجلت فيه وبوضوح إحدى عبقرياته الكثيرة، فالمركز لا يمكن وبأي حال من الأحوال أن نحبس فكرته في حدود أنه كان داراً للنشر، بل كان تعبيراً عن موقف بديل لانتظار المؤسسات الرسمية لتنتج المعرفة بإنشاء فضاء مستقل للبحث والنقاش والنشر، وكانت تهم الإضرار بالأمن العام وتلقي المساعدات التي أغلق بها مركز الدراسات السودانية في العام ٢٠١٢م هي شهادة بأنه يقوم بالفعل الذي يوازي مرحلة “الغيبوبة” الوطنية التي أسس لها مشروع النظام آنذاك، والذي كان يرى ويعرف بأن مشروع الوعي والتنوير الذي أسس له الراحل عبر مركز الدراسات السودانية هو الأخطر عليه من العمل العسكري الذي يمكن شراؤه في لحظة تسوية و”محاصصة” يتم فيها اقتسام السلطة والثروة.
لم يكن الراحل في كتابة “السودان الوطن المضيع” يبحث عن متهمين بعينهم، بقدر ما أنه حاول لفت الانتباه لقضايا نعتقد جازمين بأننا الآن وفي سودان الحرب الشاملة ندفع كلفتها لأربعة سنوات تضاف لسنواتنا العجاف منذ تأسيس الدولة السودانية.
العبقرية تتمثل في أن الراحل أراد منذها أن يقول إن الحرب ليست ذروة سنام فشل السياسة والسياسيين في السودان، بل هي نتاج لتراكم طويل أدى لفشل بناء الدولة السودانية على أسس تضمن لها البقاء والاستقرار.
الآن لا يجوز لنا الاندهاش من القيمة المصنوعة للمؤثرين ومشروعات “العبث” العام في السياسة والثقافة وروافع التجهيل التي تسود الآن، وذلك لأن الأدوار المطلوبة من المثقف السوداني لم تعد هي السؤال والبحث والتحليل كما ظل الراحل يحرص عليها، بل تم النزول بها إلى “حضيض” التفاعل والانتشار وحشد الجمهور بالابتذال وساقط القول والفعل ومخاطبة الغرائز ومخالفة ثوابت الأخلاق، وكان السودان بحالته هذه بحاجة إلى المزيد من “النقيق” والأصوات بدلاً عن المزيد من الأفكار التي تنتشله من “جُب” ألقاه فيه إخوة الحرب وجاءوا على قميصه بدم كذب وما من سيارة يلتقطوه إلى قصر العزيز.
إن مشروع الوعي والتنوير الذي أسس له الراحل الدكتور / حيدر إبراهيم ليس ضرباً من ترف المثقفين في زمن يعيش فيه السودان جحيم الحرب، بل هو بوابة الحل ومشروع المقاومة الفعلي لنتائج الحرب ومآلاتها على السودان والسودانيين، والمقابل الموضوعي لخطابات الكراهية والتطرف العنيف، والتي يجب أن تتجاوز المرثيات وسواد الصحف بالبكائيات والنعي بعبارات “رحم الله الدكتور حيدر إبراهيم” إلى مشروع “الصدقة الوطنية الجارية” بإعادة طباعة كتبه ودراساته وجمع الوعي والتنوير الموجود في مقالاته وجعلها مادة للمناهج ونقاشات طلاب الجامعات لتصبح مادة للنقاش وليس التقديس، لأننا نعلم بأن الراحل لم يكن عشمه في إطلاق وتخليد اسمه على قاعة من قاعات الدراسة أو شارع من شوارع المدينة، بل بالبحث والتفكير في إجابات الأسئلة المفتوحة التي طرحها كمثقف مهموم بالهم الوطني.
رحل الدكتور في التوقيت والظرف الزماني الأسوأ من تاريخ الأمة السودانية، وهذا ما يجعل رحيله أكثر وجعاً لعارفي فضله وقيمته، حيث رحل في اللحظة الأشد قسوة يعيش فيها السودان والسودانيون ويلات الحرب والنزوح وخطاب الاستقطاب الحاد والكراهية وحالة انهيار المؤسسات الوطنية والتراجع الكبير في مساحات النقاش العقلاني وتضخم خطاب التعبئة.
الراحل الدكتور / حيدر إبراهيم قضى عقوداً في محاولة إضاءة عتمة العقل السوداني بالتفكير والأسئلة، ويجب علينا ألا نكتفي بإطفاء هذه الشمعة بعد رحيله، فهو لم يكن مهتماً بتوفير إجابات نهائية وملزمة بقدر ما أنه كان مشغولاً ببقاء باب الأسئلة “متاكا” والقول بعدم توقفنا عن طرحها: أي سودان وسوداني نريد؟



