توأمان سودانيان يطلقان تطبيقًا لتنظيم رحلة طلب العلم الشرعي

في حديثهما لـصحيفة (العودة).. أحمد ودفع الله يرويان كيف انتقلا من دراسة الهندسة بجامعة الجزيرة إلى بناء (المحجة البيضاء)
“لاحظنا صعوبة في متابعة الدروس.. فقررنا إنشاء تطبيق”
“جمعنا الدروس والملاحظات والاختبارات في مكان واحد”
“تولينا بناء التطبيق وتطويره بأنفسنا”
العودة: نشوة أحمد الطيب

في وقت أثقلت فيه الحرب حياة السودانيين ودفعت كثيرًا من الشباب إلى الانشغال بما تفرضه عليهم الظروف، اختار الشقيقان التوأم أحمد قسم الله حسن ودفع الله قسم الله حسن أن يواصلا طريقًا آخر أن يتعلما، ويعملا، ويحاولا أن يصنعا شيئًا يجد طريقه إلى الناس.
من دراستهما في كلية الهندسة والتكنولوجيا بجامعة الجزيرة، بدأت الحكاية. كان اهتمامهما بالتقنية يتجاوز تعلّم الأدوات والبرمجيات إلى جانباً أكثر ارتباطًا بالحياة اليومية .. كيف يمكن استخدام ما نتعلمه في حل مشكلة نراها حولنا؟
بعد سنوات من التعلم والتجربة وتنفيذ المشاريع، جاء مشروع (المحجة البيضاء) تطبيق أراد له أحمد ودفع الله أن يكون رفيقًا هادئًا لطالب العلم الشرعي يساعده على الوصول إلى الدروس، وتنظيمها، ومراجعتها ومتابعة ما أنجزه دون أن تتحول رحلة التعلم إلى عبء جديد.
حكاية بدأت من ملاحظة
لم تبدأ (المحجة البيضاء) بخطة تجارية كبيرة وإنما من ملاحظة ظل الشقيقان يتحدثان عنها.
المحتوى العلمي موجود، والدروس والمحاضرات متاحة، لكن طالب العلم قد يجد صعوبة في بناء رحلة منتظمة بينها. يبدأ سلسلة ثم ينقطع، يسمع فائدة ثم تضيع بين الملفات والمقاطع، وقد يستمع إلى دروس كثيرة دون أن يعرف ما الذي استوعبه وما الذي يحتاج إلى مراجعته.
يقول أحمد ودفع الله إنهما تحدثا عن هذه المشكلة كثيرًا، ثم قررا أن يتوقفا عن الحديث وينقلا الفكرة إلى التطبيق.
هكذا بدأت (المحجة البيضاء) من حاجة لاحظاها ومن رغبة في أن تكون التقنية وسيلة تعين طالب العلم بدل أن تكتفي بإتاحة محتوى جديد له.
من الاستماع إلى المداومة
لا يقوم التطبيق على الاستماع إلى المحاضرات فحسب بل يستطيع المستخدم الوصول إلى دروس مرتبة، والعودة إلى الموضع الذي توقف عنده، وحفظ المحاضرات للاستماع إليها دون اتصال بالإنترنت، وكتابة ملاحظاته الخاصة لكل درس، إلى جانب الأسئلة والاختبارات ومتابعة التقدم.
الفكرة التي يريدها أحمد ودفع الله أبسط من كثرة الخصائص: أن ينتقل طالب العلم من الاستماع المتفرق إلى التعلم المنتظم.
فالمشكلة، من وجهة نظرهما، ليست في نقص المحتوى، وإنما في أن يجد الإنسان طريقة تساعده على الاستمرار فيما بدأه.
رفيق الدراسة.. شخص يمشي معك
من هذه الفكرة جاءت إحدى خصائص التطبيق التي يعتزان بها: (رفيق الدراسة).
حيث يمكن للمستخدم أن يدعو شخصًا آخر ليشاركه رحلة التعلم فيتعاونان على الاستمرار ويتابع كل منهما تقدمه.
يقول التوأم إن الحماس قد يكون كبيرًا في البداية، لكن الاستمرار يحتاج إلى ما يعين عليه. وأحيانًا يكون وجود شخص له الهدف نفسه، يذكّرك بلطف ويشاركك ما أنجزته، سببًا في أن تكمل الطريق بدل أن تتوقف.
ولم يريدا أن تتحول الفكرة إلى منافسة أو ضغط؛ لذلك صمماها لتكون وسيلة للتشجيع والمتابعة، مع الحفاظ على خصوصية المستخدم، من دون فتح مساحة للمحادثات الخاصة داخل التطبيق.
حين يعمل التوأم معًا..
كون أحمد ودفع الله توأمًا انعكس أيضًا على طريقة عملهما.
عملا معًا في التفكير في المنتج وبنائه وتطويره، وتوزعت المهام بينهما بحسب ما تحتاج إليه كل مرحلة. وقربهما من بعضهما جعل النقاش مباشرًا، لكنه لم يمنع الاختلاف.
أحيانًا اختلفا حول أولوية إحدى الميزات أو أفضل طريقة لتقديمها، ثم يعودان إلى السؤال الذي يضعانه أمامهما عند اتخاذ القرار: ماذا يحتاج طالب العلم فعلًا؟ وكيف نجعل استخدام التطبيق أبسط وأنفع؟
بهذه الطريقة، لم تكن كل فكرة تصل إلى التطبيق لمجرد أنها ممكنة تقنيًا؛ كان عليها أولًا أن تجد سببًا يجعل وجودها مفيدًا للمستخدم.

صنعاه بأنفسهما..
تولى أحمد ودفع الله بناء التطبيق وتطويره بأنفسهما.
ولم تظهر (المحجة البيضاء) بصورتها الحالية دفعة واحدة. بدأت بفكرة، ثم جاءت نسخة أولى، وبعدها توالت التحسينات والإضافات مع الاستخدام والملاحظات التي تصلهما من الطلاب.
ولهذا لا ينظر الشقيقان إلى التطبيق باعتباره مشروعًا انتهى العمل عليه بمجرد إطلاقه. فهناك دائمًا ما يمكن تحسينه؛ من تشغيل الصوت وتنظيم المحتوى إلى معالجة المشكلات والاستجابة لملاحظات المستخدمين.
بالنسبة إليهما، إطلاق التطبيق كان بداية مرحلة جديدة من العمل، وليس نقطة النهاية.

لماذا العلم الشرعي؟
اختيار طلب العلم الشرعي لم يكن قرارًا تقنيًا بحتًا.
يقول أحمد ودفع الله إنهما يدركان قيمة العلم الشرعي وأثره، ويريان أن التقنية يمكن أن تساعد الطالب على الوصول إلى الدروس وتنظيم دراسته ومراجعتها.
ولهذا أرادا أن يستخدما المهارات التي تعلماها في مجال يؤمنان بأهميته، وأن يصنعا شيئًا يرجوان أن يستمر نفعه للناس.
وفي التعامل مع المحتوى، يحرصان على أن تكون الدروس من مصادر معروفة وواضحة، وأن تنسب المحاضرات إلى أصحابها، وأن تنظم السلاسل بما يسهل الرجوع إليها.
ويؤكدان أن دور التطبيق هو تيسير الوصول إلى العلم ومتابعته، بينما تبقى المسائل التي تحتاج إلى سؤال أو فتوى من اختصاص أهل العلم.
سودانيان في زمن الحرب
يحمل المشروع بالنسبة إلى أحمد ودفع الله معنى يتجاوز الجانب التقني فهما شابان سودانيان اختارا أن يواصلا العمل في وقت أصبحت فيه الظروف المحيطة بالسودانيين أكثر صعوبة.
ويقولان إن بناء تجربة بسيطة ومستقرة تخدم طالب العلم كان من أبرز التحديات، إلى جانب الوقت والجهد والموارد. لكنهما كانا أمام تحدٍ آخر لا يقل أهمية: أن يواصلا البناء رغم الظروف، وأن يقدما عملًا يليق بثقة من يستخدمه.
ولا يقدمان (المحجة البيضاء) بوصفها مشروعًا مكتملًا فالتطبيق ما زال يتطور وما يصل إليهما من ملاحظات المستخدمين يدخل في عملية التحسين المستمرة.
من السودان إلى طلاب العلم.
يطمح أحمد ودفع الله إلى أن يتوسع التطبيق تدريجيًا ليصبح بيئة تساعد طالب العلم في مراحل مختلفة من رحلته من وضع خطة واضحة، إلى متابعة الدروس، وحفظ الفوائد، ومراجعة ما تعلمه، ومعرفة تقدمه، والاستعانة بمن يشجعه على الاستمرار.
لكن الطموح، كما يقولان، لا يتعلق بمجرد زيادة الخصائص، وإنما بتقديم ما يحتاج إليه الطلاب، خطوة بعد أخرى، وبالجودة التي يستطيعان الحفاظ عليها.
وفي نهاية حديثهما، يوجّه أحمد ودفع الله رسالة إلى كل شاب سوداني يحمل فكرة ويتردد في تنفيذها: ابدأ بما تستطيع. لا تنتظر أن تصبح الظروف مثالية، ولا تنتظر أن تكتمل فكرتك تمامًا. ابحث عن مشكلة حقيقية، وابنِ لها حلًا بسيطًا، ثم استمع إلى الناس وطوّر ما صنعت.
هكذا بدأت (المحجة البيضاء) بفكرة ونقاش بين توأمين سودانيين، ثم قرار بأن تتحول الفكرة إلى شيء يمكن للناس أن يستخدموه.
وفي بلد يحتاج شبابه إلى أسباب جديدة للتمسك بالتعلم والعمل، تبدو قصة أحمد ودفع الله تذكيرًا بسيطًا بأن الحرب، مهما أثقلت الحياة، لم تستطع أن توقف كل الأفكار، ولا كل محاولات الشباب لصناعة شيء نافع من المساحة التي بقيت لهم.




