المخرج سيف الدين حسن، صانع الوثائقيات في ضيافة «قيلولة» على «منصة العودة» (٣/٣)

ما حدث في السودان لا يمكن فعله بواسطة البشر !
لم يتم التوثيق للابطال لأن الدولة غائبة تماما
«لو قال السودانيون الذين عاشوا لحظات الحرب المفزعة كل ما عندهم سيكون ذلك صعبا على الناس»
«الطرف الذي بدأ هذه الحرب وانخرط في الانتهاكات لم تكن لديه قيم ولا منظومة أخلاقية توقفه»
يجب أن يكون هناك معرض دائم يحدّث عن غزو المليشيا للعاصمة الخرطوم
التوثيق بشكل علمي ومهني كان ينبغي أن يتم بواسطة مؤسسات الدولة على أعلى مستوياتها
عندما قمت بتصوير «ارض السمر» كنت أخشى على السودان الذي كان موجودا قبل الحرب من النسيان
الكثير من الانتهاكات تم توثيقها بواسطة المليشيا التي قدمت اكبر شهادة
«مشروع توثيق الحرب بدأته قبل عام.. انجزت فيه أعلى من المتوقع.. اهم ما عملناه أن حفظنا الوقائع كما هي»
رصد: العودة
جاءت حرب ابريل، فتغيرت الصورة، وصارت شاهدة على اكثر مراحل السودان قساوة، قبل هذه الحرب، وبعدها تبدو تجربة صانع الوثائقيات المبدع الأستاذ سيف الدين حسن، جديرة بالتوقف عندها، ما بين السودان الذي وثق له عبر مشروعه الشهير (ارض السمر) وغيره من الأعمال الوثائقية، والسودان الذي وجد نفسه يوثق له بعدها، لتمتد الحكاية عبر ذاكرة المكان، وتاريخ الصورة، فمرحبا بك استاذ سيف الدين حسن في برنامج (قيلولة) على (منصة العودة) الذي تعده وتقدمه الزميلة الاستاذة (منى ابوزيد)..
# هل يراعي الموثق لمدى تقبل المجتمع للصورة الحقيقية التي ينقلها كما هي ام هنالك نظرة أخرى ؟
لو قال السودانيون، وكل الذين عاشوا لحظات الحرب المفزعة، كل ما عندهم، سيكون صعبا على الناس أن يستقبلوا ذلك ويتقبلوه، لانه ابشع من كل إدراك، لأن الطرف الذي بدأ هذه الحرب وانخرط في الانتهاكات لم تكن لديه قيم ولا منظومة أخلاقية توقفه عن فعل ذلك، والكثير من الانتهاكات تم توثيقها بواسطتهم وهذا شيء عجيب، مافي شهادة اكبر من كده، انت الذي شهد على نفسه بإطلاق الرصاص على الشيوخ والأطفال بطريقة غريبة جدا، وانتقامية وتوثق لهذه اللحظة، وسجلوا حتى ساعات الاغتصاب واهانوا شيوخا في التسعين من العمر، اكبر جهة وثقت للانتهاكات هي ذات الجهة التي ارتكبتها، لكن بعد ذلك يظل التحدي في ارسال صوت لوم للدولة ومؤسساتها المعنية بالفعل الإعلامي، وهي غائبة غيابا تاما، مع كامل التقدير والاحترام لهم، وهم اصدقاء لنا، ولكن أرى أن الإعلام غاب عن هذه المعركة التي قادها إعلاميا أشخاص خارج السياق الحكومي وخارج منظومة الدولة.. ويبقى السؤال الى متى سوف تتفرج الدولة على هذا ؟ يكفي الذي حدث خلال هذه السنوات الثلاث، هذا غير مسبوق وتخيلوا أن كان هذا الذي حدث في السودان، أن كان في أي دولة أخرى، ونأخذ مثلا بدول الجوار مثل مصر لاخرجت مئات الافلام الروائية والوثائقية والدرامية والحكايات والمسلسلات والمواد الإعلامية التي تشرف عليها الحكومة مثل وزارة الإعلام وغيرها، هذه صناعة وصحيح القطاع الخاص موجود، ولكن القضية تهم الدولة من الدرجة الأولى، وكان ينبغي أن تتصدى لهذه القصة، وفي الجانب الآخر أيضا حدث ثبات وجسارة وبطولة ورجال وشهداء وأسرى قدموا أروع الأمثلة في البطولة، ولم يتم التوثيق لهم، من أجل أن تبقى هذه الأجيال على خط النار، وتدرك ماذا حدث وتعرف ماذا قدم هؤلاء الرجال الابطال.. أما على المستوى الخاص كمخرج وصانع وثائقيات مع فريقي الخاص، بدأنا من السريحة وذهبنا إلى ود النور وبعض قرى أخرى في الجزيرة وسنار وروينا روايات مفزعة عن الانتهاكات التي قامت بها مليشيا الدعم السريع، وحتى الآن هذه الانتهاكات لم تخرج إلى الناس، ويأتي غيرنا من الفنانين والمخرجين والمتنجين لإخراج مئات الافلام عن الذي حدث للسودانيين في قراهم ونجوعهم.
# ماذا نفعل حتى نحافظ على هذه المواد وحتى لا تتحول أو تتبدل الحقائق في يوم ما ؟
هذا مشروع وطني ومهني، الأرشفة الرقمية تقوم على مبادئ حفظ النسخ الأصلية للصور والتسجيلات مع تحديد تاريخ التصوير والمصدر، والتحقق من المواد المتداولة قبل أن يتم اعتمادها وحفظ نسخ متعددة في مؤسسات مستقلة وآمنة، ونرى أن استخدام تقنيات التحقق الرقمي لحفظ المواد من التزوير والتزييف والذي يمكن أن يحدث وفق ضوابط تحمي خصوصية الضحايا في الارشيف، كذلك الارشيف ليس له سياقات محددة، لذلك لابد من الحماية بالشكل الذي يبعد المادة عن التضليل، ما حدث أعلى من الخيال، لذلك يمكن أن يأتي البعض في يوم ما للقول بأن ما حدث لا يمكن فعله بواسطة البشر، لذلك التوثيق بشكل علمي ومهني كان ينبغي أن يتم بواسطة مؤسسات الدولة على أعلى مستوياتها، مثل المجلس السيادي ومجلس الوزراء والمؤسسات الإعلامية وغيرها، وهذه بمثابة مناشدة لتبني مثل هذه الاعمال.. اي شخص زار دولة إريتريا سوف يرى داخل أسمرا عشرات المركبات العسكرية المدمرة من الدبابات وحاملات الجنود والأسلحة، وهي تعبر عن معركة التحرير التي قادتها دولة إريتريا في مواجهة إثيوبيا، وظل هذا كمعرض دائم ومزار لكل قادم للدولة ليتعرف على آثار البطولة والدفاع الذي قام به الشعب الارتري، اما نحن في الخرطوم فقد تم تجميع المركبات المدمرة والحطام الموجود في أكثر من موقع، واتمنى ألا يكون ذلك مقدمة لإزالتها والتخلص منها، إذ يجب أن يكون هناك معرض دائم يحدث عن غزو المليشيا للعاصمة الخرطوم التي عاثت فيها فسادا وأحرقت الحرث والنسل والدمار، وهذه قصة طويلة.
# انت صورت السودان كما ينبغي في (ارض السمر)، ثم عدت لتصوير (حريق الخرطوم) وبعض الدمار في السودان، اي الصورتين تخشى عليهما من النسيان ؟
عندما قمت بتصوير وإنتاج مشروع ارض السمر، المشروع الكبير، كنت أخشى على السودان الذي كان موجودا قبل الحرب من النسيان، وأخشى الان أن تتحول صور الحرب إلى الذاكرة الوحيدة، لذلك الحديث عن مشروع ارض السمر ربما لا يسعه هذا اللقاء لكن استطيع أن أقول أنه تقريبا حوالي ٨٠ تيرة من الصور مع فريق تجاوز ٨٦ شخصا لمدة خمس سنوات منذ ٢٠١٦ وتمت الاستعانة بجيل من المصورين والمخرجين وبقية الأعمال الفنية، مع توفر أجهزة ومعدات على اخر مستوى من التقنية مع أفكار واضحة جدا ورؤية استشرافية استطعنا أن ندرك السودان قبل أن يحل به ما حل به، فالسودان الذي كان قبل ١٥ ابريل والسودان الآن قطع شك الوضع مختلف، ونحن نحتفظ للأجيال القادمة بصورة السودان الزاهية الجميلة كما هو، واي انسان الان يدخل اليوتيوب سوف يجد ١٠٤ افلام وثائقية عن السودان وهذه ليست دعاية لأرض السمر لكنها الحقيقة.. ونحن وثقنا للاثنين، والخراب الذي حدث في الحرب يشكل جزءا من الحقيقة ولكنه ليس كلها، لابد أن نحفظ دور المدن والقرى والتقاليد والأعراف والاغاني وطرائق الحياة، هذه التفاصيل هي التي تمنح الوطن الملامح وإذا لم نوثق لذلك قد يأتي جيل لا يعرف السودان الا من خلال صور الحرب، وهذه نقطة مهمة جدا، لذلك يجب أن نزاوج بين الصورتين بأن نحتفظ بالسودان الجميل، كما هو، وان نوثق لجرائم الحرب التي ارتكبت ضد السودانيين، انا ذهبت إلى السودان وصورت كل شيء، الصور مفزعة، واي مجموعة من الناس تنادوا لمشاهدة هذه الأفلام استمعنا لبكائهم ونواحهم بطريقة تكاد لا تجعلك تستبين الاشياء، شيء صعب، دمروا البنية التحتية، أضروا بالخدمات الأساسية والطرق والمدارس والمستشفيات والكهرباء، والمشاكل مازالت موجودة في جميع الخدمات لذلك يجب أن نسأل ما الذي جعلنا الان في هذا الوضع ؟ غير الخراب والتدمير الممنهج الذي تم خلال هذه الحرب، حتى لا ننسى، نحن ربما نحاكم هذا الواقع السياسي القائم، ولكن علينا أن ندرك ما الذي حدث وان نعرف قيمة الانتصار الذي حققه الجيش وقيمة كيف عادت الخرطوم.. بل كيف عاد السودان وعادت سنجة والجزيرة وماشين على نظافة ما تبقى من كردفان واستعادة دارفور وهي في الطريق، ولكن هنالك سؤال مركزي، الذاكرة البصرية هل تم حفظها بشكل مهني، ام سنواصل الاعتماد على صحافة الموبايل واجتهادات المحاربين الذين يسجلوا لحظات المعارك والانتصارات ؟ والتحرير والبطولة.
# هل هناك مشروع يوثق بالصورة لما يحدث في المعارك، خصوصا وأن الجيش مازال يقاتل بعيدا عن التوثيق ؟
في الحقيقة تحدي التوثيق كبير جدا، ولا يستطيع فردا واحدا القيام به ولا حتى مؤسسة واحدة، وقبل الإجابة اتمنى من المعنين بالأمر النظر لمشروع ارض السمر بكل أبعاده وان ينتبهوا لأمر الإعلام وارشفة هذا التاريخ، وحفظه لأجيال قادمة وتوظيفه في مشروعات جديدة، يعني وزارة الخارجية تستطيع أن تستفيد منه، وزارة المالية وأهل الاقتصاد والمعنيون بصورة السودان في أذهان الآخرين، لذلك حرام أن تكون هذه المادة الضخمة في الاضابير دون توظيف لها، هذا نداء وهناك مسؤولين من القصة دي، ولديهم وعي بيها، ما وثقناه في ارض السمر من الصعب إعادة إنتاجه، لأن الظروف تغيرت والامكانيات التي كانت متاحة لم تعد الان متوفرة، مشروع توثيق الحرب بدأته قبل سنة وانجزت فيه أعلى من المتوقع، واهم ما عملناه هو أننا حفظنا الوقائع كما هي.
# كيف ترى المستقبل بعد كل هذا الدمار والخراب وماذا سنفعل حيال ذلك ؟
يجب أن نحمل هذا التساؤل لنضعه أمام المسؤولين، انا جاهز تماما ولكن المجهود الكبير يحتاج لدعم الدولة ووسائلها وان تتبنى مثل هذه المشاريع، ما الذي يمنع توثيق تداعيات الحرب وآثارها ونحن الآن في مرحلة بناء وعودة الناس بالملايين من النزوح وبدأ دولاب الحياة يتحرك حيث هناك تنمية قادمة ومن أجل تنفيذ هذا المشروع نحتاج للجلوس للتخطيط وتنفيذ الأعمال.




