الخرطوم وموسكو.. خطوط الاستواء وزوايا الاختلاف

ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

والقضية، بأي حال من الأحوال، ليست في حدود تقييم زيارة السيد/ عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، إلى روسيا الأخيرة للمشاركة في القمة الروسية الأفريقية، وليست مجرد قراءة للتقارب السياسي أو التعاون العسكري، ولكن الأمور تتعلق بالسؤال الأكبر: هل تتعامل روسيا مع السودان بوصفه شريكًا استراتيجيًا في القارة الأفريقية، وبوصفه ورقة جيوسياسية في مشروعها لإعادة تثبيت نفوذها في البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟ وهل يمتلك السودان رؤية استراتيجية متماسكة لإدارة علاقاته الخارجية؟ وهل ذهب القائد العام للقوات المسلحة إلى موسكو حاملًا ملفاته واحتياجاته العسكرية، بينما تقابله موسكو حاملة حساباتها الجيوسياسية؟ وهل يدرس السودان، طوال علاقاته الممتدة لفترة سبعين عامًا، كلفة الرهان السوداني على موسكو، وحدود ما يمكن أن تقدمه روسيا للسودان، وما الذي يحصل عليه الطرف الآخر في المقابل؟

يجب أن يكون مفهومًا لدى الكل بأن موسكو لا تتعامل مع السودان وفق معادلة ومتلازمة الحليف والعدو، وإنما وفق معادلة المصالح والنفوذ، في مقابل أن السودان يتعامل مع روسيا وفق معادلة الحاجة والرهان. وبين المعادلتين تتسع مساحة الاختلاف، وتتقاطع خطوط الاستواء، وتتداخل زوايا الاختلاف، وتتراجع قدرة السودان على حماية مصالحه الاستراتيجية. وتظهر هنا صيغة أن السودان يبحث عن السلاح والدعم السياسي، بينما لم يعد خافيًا أن روسيا تبحث عن موطئ قدم عسكري على البحر الأحمر، وفي ذات الوقت يفرض هذا البحث على روسيا أن تواصل بناء علاقاتها العسكرية مع أطراف إقليمية تتعارض مصالحها مع المصالح السودانية.

وهذا الحديث ليس بالضرورة ازدواجية روسية غير مفهومة، بل هي سياسة مصالح واضحة تنتهجها موسكو. حان الوقت لأن يقابل السودان هذه السياسة بواقعية مماثلة.

(*) موسكو لا تمنح السودان تحالفًا.. بل تفاوضه على موقعه الجغرافي..

ولقراءة ذلك، لا بد لنا من معرفة أن السودان في سوق العلاقات الدولية يمتلك الجغرافيا، بينما تمتلك موسكو في المقابل السلاح والقدرة على المناورة الدولية، ولكن بضاعة الجغرافيا ليست سلعة رخيصة تُمنح مقابل وعود، ولا ينبغي أن تتحول الحاجة العسكرية الآنية إلى تنازل استراتيجي طويل الأمد.

يجب أن تعطي الخرطوم قيمة أكبر لسواحلها على البحر الأحمر، وأن يكون مفهومًا لدى دبلوماسيتها أن أي شراكة اقتصادية أو عسكرية أو موطئ قدم استراتيجي يجب أن يتم بحسابات دقيقة، وأن منح تسهيلات عسكرية لدولة كبرى لا يمثل مجرد اتفاق ثنائي، وإنما قد يعيد وضع السودان في معادلات التنافس الدولي والإقليمي. ويجب أن تكون لغة الخرطوم في مثل هذه الملفات هي لغة الضمانات التي يحصل عليها السودان مقابل هذا الامتياز الاستراتيجي، وما تقدمه موسكو من التزامات محددة ومعلنة بشأن التسليح والدعم العسكري.

كان من الممكن جدًا أن يكون الخبر المعلن من قبل رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد عن تسلم بلاده 12 مقاتلة روسية من طراز Su-35، مع إعلان أن إثيوبيا ستحصل لاحقًا على أربع بطاريات من منظومة S-400، وشكر أديس أبابا لموسكو على تسريع تسليم الطائرات عامًا عن الموعد المتفق عليه، لولا الربط المنطقي للأحداث في العالم ومنطقة القرن الأفريقي، وعلى مستوى العلاقات السودانية الإثيوبية؛ لأنه بالمقابل وبالتزامن كان البرهان في موسكو يتحدث عن تطور العلاقات السودانية الروسية والشراكة والتعاون.

فالأسئلة التي تفرض نفسها: كيف يمكن لموسكو أن تتحدث عن شراكة استراتيجية مع السودان، بينما تعزز القدرات العسكرية لدولة تقع معها الخرطوم في قلب خلافات استراتيجية تتعلق بمياه النيل وسد النهضة والحدود، والاتهام الصريح بالتدخل في الحرب السودانية بتقديم المساندة لقوات الدعم السريع؟ وأين يقع هذا في جدول اهتمامات الوفد السوداني الحاضر في موسكو؟ وهل تمت مناقشة الأمور الأمنية وانعكاسات تعزيز القدرات الجوية الإثيوبية على التوازن العسكري في المنطقة؟ وهل تمتلك الخرطوم تصورًا لما تعنيه هذه الصفقة بالنسبة إلى مستقبل التوازنات العسكرية في القرن الأفريقي؟

منطقيًا، لا ينبغي الادعاء بأن صفقة الطائرات الروسية للحكومة الإثيوبية موجهة ضد السودان؛ لأنه لا يوجد ما يثبت ذلك فعليًا، إضافة إلى أن إثيوبيا تواجه تحديات أمنية داخلية وإقليمية متعددة، آخرها ما حدث في إقليم تيغراي. لكن هذا لا يمنع الخرطوم من حق السؤال عن أثر هذا التطور على أمنها القومي، وأن تطالب بتوضيح طبيعة الشراكة العسكرية الروسية معها. ومن واجب الدبلوماسية السودانية العمل على ضمان ألا تكون مصالح السودان هي الحلقة الأضعف في الحسابات الروسية؛ وذلك لأن السودان ليس مجرد دولة مجاورة لإثيوبيا، بل هو دولة ترتبط معها جغرافيًا ومائيًا وأمنيًا بمصالح شديدة الحساسية. والموقف السوداني من تشغيل سد النهضة، والتنسيق بشأن سلامة السد وتبادل البيانات والمخاطر المحتملة على المنشآت المائية السودانية، خصوصًا سد الروصيرص، في ظل غياب ترتيبات ملزمة لتبادل المعلومات والتنسيق، والتداخل بين الأمن المائي والأمن العسكري، ومدى استعداد السودان للتعامل مع التحولات العسكرية الإثيوبية؛ وهذه كلها ملفات تستلزم قراءة دبلوماسية أعمق عند النقاش، وأن تعرف الخرطوم موقف موسكو من كل ملف.

ولا يمكن للسودان أن يتعامل مع علاقاته الخارجية باعتبارها ملفات منفصلة؛ فالسلاح ليس ملفًا مستقلًا عن المياه، والبحر الأحمر ليس منفصلًا عن الأمن القومي، والتحالفات العسكرية لا يمكن فصلها عن مصالح دول الجوار. ويجب عليه أن يعرف: هل موسكو تتعامل معه كشريك يمكن أن يساعد في حماية المصالح السودانية، أم باعتباره موردًا للسلاح يمكن التغاضي أمامه عن بقية الملفات؟

مشهد القمة الروسية الأفريقية ينقل صورة الرئيس الروسي بوتين والرئيس المصري عبد الفتاح من جهة، ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، وهذا ينقل قراءة جيوسياسية أوسع، وهي أن موسكو لا تحصر علاقاتها في معسكر واحد، ولا ترى تناقضًا في التعامل مع أطراف تتباين مصالحها الإقليمية، وأن لها قدرة على المحافظة على قنوات اتصال مع أطراف متنافسة وتحويل ذلك إلى أوراق تفاوض ونفوذ.

وفي هذا، وبطبيعة الحال، موسكو ليست مطالبة بأن تتبنى الموقف السوداني بكامله في كل خلافاته مع إثيوبيا أو مصر، لكنها أيضًا ليست حليفًا يمكن للسودان أن يركن إلى وعوده دون حسابات ومراجعة. فالتعامل مع القاهرة باعتبارها قوة إقليمية مهمة، ومع أديس أبابا باعتبارها دولة ذات ثقل جغرافي وسكاني وعسكري، ومع الخرطوم باعتبارها بوابة استراتيجية إلى البحر الأحمر، يحتاج إلى ميزان دقيق يضبط بوصلة العلاقات والمصالح بشكل دقيق.

موسكو لا تحتاج إلى الاختيار بين القاهرة وأديس أبابا والخرطوم؛ لأنها تعرف كيف تفاوض كل واحدة من العواصم على حدة. أما السودان فيحتاج إلى أن يعلم كيف يفاوض موسكو من موقع الدولة صاحبة المصالح، لا من موقع الدولة التي تنتظر الدعم.

الاستواء الدبلوماسي لموسكو بخصوص الحالة السودانية يبدو جليًا في استخدامها حق «الفيتو» في نوفمبر 2024م ضد مشروع قرار بمجلس الأمن بشأن الحرب في السودان، كما عارضت مؤخرًا توسيع حظر السلاح ليشمل كامل السودان بدلًا من اقتصاره على دارفور. أما زوايا الاختلاف فتأتي في اختبار مدى تطابق الموقف الروسي في مجلس الأمن مع المصالح السودانية في كل تفاصيله، وإلى أي مدى هناك تقاطع في المصالح جعل موسكو تتبنى موقفًا يخدم الخرطوم في بعض الملفات.

من الواضح أن ليس كل موقف لموسكو مؤيد للخرطوم دليلًا على تحالف استراتيجي بينها والخرطوم، وليس كل موقف يخدم السودان بالضرورة موقفًا مجانيًا؛ فالسياسة الدولية لا تُقاس بعدد التصريحات والبيانات، بل بحجم المصالح المتبادلة والنتائج الملموسة.

ولكن هذه ليست المشكلة.. المشكلة هي أن الخرطوم تتقارب مع موسكو في ظل غياب مشروع وطني سوداني معلن يحدد ما الذي يريده السودان من روسيا، وما الذي تستطيع تقديمه، وما الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها.

السودان يعيش حربًا استنزفت موارده وأضعفت مؤسساته وأدخلته في حالة اعتماد متزايد على الخارج. وفي هذه الظروف تصبح الحاجة إلى السلاح والدعم العسكري مفهومة وطبيعية، لكنها لا تبرر التفريط في المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى. والسودان لا يحتاج إلى مجرد شحنات أسلحة تنتهي فائدتها بانتهاء المعركة، بل يحتاج إلى بناء قدرات دفاعية وطنية وصناعة عسكرية وعلاقات متوازنة ودولة قادرة على اتخاذ قراراتها دون الارتهان لطرف خارجي. فالخرطوم قد تكسب معركة عسكرية من خلال الدعم الخارجي، لكنها قد تخسر مساحة من استقلال قرارها الاستراتيجي إذا لم تحسن إدارة المقابل الذي تدفعه.

من ذلك نخرج بجملة رسائل للعقل الدبلوماسي السوداني، تبدأ بالقول بأن روسيا ليست جمعية تحالفات استراتيجية، وإنما هي دولة تتحرك وفق مصالحها، ولا مانع لديها من التعامل مع أطراف متعارضة في الإقليم، وأن الموقع الجغرافي للسودان وثرواته وسواحله تمنحه أوراق تفاوض قوية مع موسكو أو غيرها، وأن سوء إدارة هذه الأوراق قد يحولها إلى تنازلات استراتيجية، ولا يجوز أن تكون الحاجة إلى السلاح في زمن الحرب مبررًا لاتخاذ قرارات استراتيجية قد يدفع ثمنها السودان لعقود قادمة.

تحتاج الخرطوم إلى أن تعرف: إذا كانت موسكو قد حصلت على ما تريده من السودان، فماذا حصل السودان حتى الآن؟ وإذا كان البرهان قد ذهب إلى موسكو بحثًا عن شراكة استراتيجية، فهل عاد باتفاق يحمي المصالح السودانية، أم أن السودان أصبح يقدم أوراقه الاستراتيجية على طاولة التفاوض دون أن يعرف القيمة الحقيقية لما يأخذه في المقابل؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى