بلاغ عاجل في بريد رئيس الوزراء د. كامل إدريس
"وقيع الله" تستغيث ...

سبع سنوات من الجفاف تعصف بولاية الجزيرة وتوقف الزراعة يهدد حياة القرى
العودة: نشوة أحمد الطيب
في نداءٍ مباشر إلى السيد رئيس الوزراء د. كامل إدريس، نقل مواطنون من قرية “وقيع الله” ومناطق جنوب المناقل بولاية الجزيرة إلى «صحيفة العودة» صورة إنسانية بالغة القسوة تتداخل فيها معاناة توقف الزراعة مع شح المياه وتدهور سبل العيش في ظل تعطل طلمبات الري لسنوات طويلة، ما جعل الحياة اليومية في تلك القرى تواجه حالة من الانكماش والمعاناة المتصاعدة.
وتكشف شهادات ميدانية أدلى بها مواطنون من مناطق جنوب المناقل بولاية الجزيرة للصحيفة عن ملامح أزمة معيشية خانقة، يتصدرها توقف الزراعة وشح المياه نتيجة تعطل منظومات الري وغياب حلول مستدامة، الأمر الذي انعكس بشكل مباشر على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان، ودفع باتجاه تدهور متسارع في سبل العيش داخل القرى المتأثرة.
تعطل الطلمبات
يقول الأهالي في منطقة “وقيع الله”، التي تعتمد على طلمبات ري رئيسية، تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أرض شبه مهجورة بعد أن توقفت الطلمبات بشكل متكرر نتيجة الأعطال وارتفاع تكلفة تشغيلها بالديزل. ويؤكدون أن الزراعة متوقفة منذ أكثر من سبع سنوات في مساحة تقدر بنحو (5700) فدان، كانت تمثل مصدر رزق لآلاف الأسر.
امتداد الأزمة
ويضيف المواطنون أن هذه المساحات لا تخص الإنتاج الزراعي وحده، بل ترتبط بحياة ثلاث قرى كبيرة يتجاوز عدد سكانها (20) ألف نسمة، إضافة إلى خمس قرى أخرى تعتمد على نفس المصدر في مياه الشرب، في منطقة لا تتوفر فيها آبار جوفية. ومع تعطل الطلمبات، انقطع الري وتوقفت معه المياه عن الإنسان والحيوان، في منطقة تضم أكثر من (20) ألف رأس من الماشية.
معيشة قاسية
ويصف السكان واقعهم اليومي بأنه بالغ القسوة، إذ اضطروا إلى شراء مياه الشرب بأسعار مرتفعة تصل إلى نحو (30) ألف جنيه للبرميل، في وقت تتزايد فيه الأمراض المرتبطة بتلوث المياه، وعلى رأسها حصوات الكلى، وفق إفاداتهم.
بنية متدهورة
ولا تتوقف المعاناة عند المياه والزراعة، إذ يشير المواطنون إلى تدهور حاد في البنية التحتية والطرق، خاصة خلال فصل الخريف، حيث تتحول الحركة بين القرى والأسواق إلى رحلة شاقة قد تستغرق ساعات طويلة سيرًا على الأقدام، في ظل ضعف خدمات الكهرباء وانقطاعها المتكرر.
وعود غائبة
ويؤكد الأهالي أنهم ظلوا يرفعون شكاواهم ويقصدون الجهات الرسمية في ود مدني لسنوات، لكنهم بحسب تعبيرهم لم يجدوا سوى الوعود دون أي تغيير ملموس على الأرض، ما عمّق شعورهم بالإحباط وفقدان الثقة.
هجرة الشباب
ويشير عدد من المزارعين إلى أن توقف الزراعة دفع كثيرًا من الشباب إلى الهجرة خارج البلاد، بعد أن فقدوا مصدر دخلهم الأساسي، بينما يعيش من تبقى حالة من الضيق الاقتصادي وتراجع القدرة على الصمود.
موارد غائبة
كما يعبّر المواطنون عن غضبهم من ما وصفوه بضعف إدارة الموارد، خاصة ما يتعلق بعائدات مشروع الجزيرة، متسائلين عن مصير هذه الأموال في ظل تدهور الخدمات الأساسية داخل القرى المنتجة.
قراءة الواقع
وتجمع هذه الإفادات على أن الأزمة لم تعد مجرد خلل في تشغيل طلمبات أو نقص في الخدمات، بل تحولت إلى انهيار متكامل في منظومة الإنتاج الزراعي والمعيشي. فغياب المياه، وارتفاع تكاليف التشغيل، وعدم وجود بدائل مثل الطاقة الشمسية، كلها عوامل أدت إلى شلل اقتصادي كامل في واحدة من أهم مناطق الزراعة.
كما أن تداخل آثار الحرب مع ضعف البنية التحتية والخدمات خلق وضعًا أكثر هشاشة، دفع المجتمعات الريفية إلى دائرة الفقر والهجرة، وأضعف قدرتها على الاستمرار في النشاط الزراعي الذي شكل تاريخيًا أساس الحياة في المنطقة.
إنذار أخير
وفي ظل استمرار هذا الواقع دون تدخل فعلي، يحذر المواطنون من أن القرى ماضية نحو مزيد من التدهور، حيث تتقلص فرص البقاء يومًا بعد يوم، في مشهد يصفه الأهالي بأنه “انطفاء بطيء للحياة الزراعية” في جنوب المناقل.
تقارير ميدانية
استناداً إلى ما ورد حديثاً في التقارير الميدانية والتصريحات الرسمية تُقدَّر خسائر مشروع الجزيرة بنحو 6 مليارات دولار نتيجة التدمير والنهب الواسع للبنية التحتية خلال الحرب، إلى جانب توقف أجزاء كبيرة من منظومة الري وإخلاء مساحات واسعة من التشغيل. وقد انعكس ذلك على الواقع الزراعي بانخفاض حاد في الإنتاج، حيث تراجعت بعض المساحات المزروعة إلى ما يقارب النصف مقارنة بما قبل الحرب، في حين هبطت كفاءة التشغيل في عدد من الأقسام إلى نحو 45% فقط، وفق تقديرات مزارعين وبيانات ميدانية، مع تقلص المساحات المزروعة في مواسم معينة من أكثر من 500 ألف فدان إلى نحو 150 ألف فدان في بعض التقديرات.
هذه الأرقام لا تُترجم فقط إلى خسائر مالية، بل إلى انهيار فعلي في دورة الإنتاج الزراعي، وتراجع القدرة التشغيلية لشبكات الري، ما جعل المشروع الذي يُعد من أكبر المشاريع المروية في المنطقة يدخل مرحلة اضطراب عميق انعكس مباشرة على معيشة مئات الآلاف من المزارعين والأسر الريفية المرتبطة به.
وعود مارس لكامل إدريس
في مارس 2026 كان رئيس الوزراء د. كامل إدريس قد جدّد خلال لقاء رسمي بالخرطوم مع محافظ مشروع الجزيرة المهندس إبراهيم مصطفى التزام حكومته بدعم وتطوير المشروع باعتباره عماد الزراعة في السودان، وذلك في إطار ما وصفه آنذاك بـ«حكومة الأمل».
وبحسب ما ورد في حينه، استعرض اللقاء مجمل أداء المشروع خلال الموسم الصيفي المنصرم والموسم الشتوي، إلى جانب احتياجات الموسم الزراعي المقبل، في وقت طُرحت فيه قضايا تتعلق بتسعير القمح، وضرورة التوصل إلى أسعار مجزية للمزارعين عبر مشاورات مع الجهات التمويلية.
كما تضمن النقاش، وفق الإفادات الرسمية، الترتيبات الخاصة بالموسم الزراعي الجديد، وسبل توفير المعينات الفنية والتشغيلية التي تضمن تحسين كفاءة الإنتاج واستعادة استقرار الدورة الزراعية داخل مشروع الجزيرة.



