اثر قرار البنك المركزى بالغاء القيد السعري على الاقتصاد الكلي في السودان 

بقلم/ محمد نور كرم الله

 

إلغاء القيد السعري على الاستيراد في السودان يعنب إلغاء القيود الإدارية على أسعار أو تمويل السلع المستوردة، والسماح للمستورد بالاستيراد وفق السعر التجاري الحقيقي المعلن، فالأثر سيكون مزدوجا إيجابي على المدى المتوسط إذا صاحبه تنظيم للنقد الأجنبي، لكنه قد يكون تضخميا وضاغطا على الجنيه في المدى القصير وهذا ما يحدث حاليا، فالبنك المركزي يواجه شحا شديدا في الاحتياطيات الاجنبية مع استمرار الطلب القوي على هذه العملات الحرة.. وتشير بيانات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن احتياطيات النقد الأجنبي لا تغطي سوى نحو 1.1 شهر من قيمة الواردات.

* اول أثر متوقع هو زيادة حجم الاستيراد عندما ترفع القيود السعرية أو الإدارية يصبح المستورد قادرا على إدخال سلع أكثر خصوصا إذا استطاع الحصول على الدولار من المصارف أو السوق.

لكن هناك ملاحظة مهمة هي إذا كانت الزيادة في استيراد السلع الاساسية مثل القمح، الدواء، المدخلات الزراعية، الوقود، الآلات وقطع الغيار فان الأثر سيكون إيجابي على الاقتصاد.

اما إذا ذهبت الزيادة إلى السلع الكمالية والاستهلاكية فستزيد فاتورة الواردات وتستنزف النقد الأجنبي دون زيادة مقابلة في الإنتاج ، لذلك لا أنصح بـ إلغاء القيد بصورة مطلقة ، وإنما بتحويله من قيد كمي/سعري إلى نظام أولويات للاستيراد .

* ثاني أثر سيكون على إيرادات البنك المركزي هنا توجد نقطة مهمة جدا، إذا أصبح الاستيراد عبر الجهاز المصرفي الرسمي فإن البنك المركزي والمصارف التجارية سيستفيدان من الاتى:

أ. زيادة عمولات ورسوم التحويل والاعتمادات ، كلما زاد حجم التجارة الرسمية زادت إيرادات المصارف.

ب. زيادة حصيلة النقد الأجنبي التي تمر عبر النظام المصرفي وهذا سيكون أهم من الرسوم نفسها .

كما يجب على البنوك رفع قدرتها على توفير الدولار للمستورد لإن الدولار الذي كان يدور في السوق الموازي يمكن أن يدخل تدريجيا إلى الجهاز المصرفي.

ج. تحسن قدرة البنك المركزي على مراقبة حركة النقد الأجنبي

وهذا مهم جدا لأن جزءا كبيرا من النشاط التجاري يتم خارج القنوات المصرفية خاصة وان البنك المركزي أعلن في يونيو 2026 عن ضخ عملات أجنبية للمصارف لتلبية طلبات تمويل الواردات وأفاد بأن ذلك ساعد في خفض سعر العملات الأجنبية في السوق الموازي.

* الاثر الثالث عى سعر الصرف؟

فالخطر إذا ألغيت القيود وواصبح الاستيراد غير مقننا دون ابعاد الكماليات وليس هناك نظام لإدارة النقد الأجنبي، فإن الطلب على الدولار سيرتفع بشدة.

النتيجة الطبيعية ارتفاع سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه وهذا يرفع تكلفة الواردات وبالتالي يرفع الأسعار لذلك فإن إلغاء القيد السعري وحده قد يؤدي إلى عكس الهدف تماما.

* الأثر الرابع على التضخم هناك مرحلتان هما : المرحلة الأولى تضخمية ، إذا أدى تحرير الاستيراد إلى زيادة الطلب على الدولار تعنى انخفاض الجنيه ، ارتفاع تكلفة الواردات ، ارتفاع تكلفة الإنتاج والنقل وارتفاع الأسعار بصورة عامة مما يعنى ارتفاع التضخم .

وهذا خطر كبير على المواطن في السودان لأن التضخم أصلاً مرتفع جدا هذا وقد قدر البنك الأفريقي للتنمية ان التضخم وصل 150.2% لسنة 2025

المرحلة الثانية ويمكن أن تصبح انكماشية للتضخم

إذا أدى تحرير الاستيراد إلى زيادة المعروض من السلع اى انخفاض فى الاختناقات بزيادة المنافسة

توفر المواد الخام ، انخفاض تكلفة مدخلات

الانتاج ، دخول سلع بأسعار أقل ثم يبدأ التضخم في الانخفاض بعد فترة انتقالية.

إذن تحرير الاستيراد قد يكون تضخميا في البداية ثم يصبح عاملاً مساعداً لخفض التضخم إذا استقر سعر الصرف وزاد عرض السلع.

* الأثر الخامس على المصارف التجارية

أرى أن هذا الجانب يمكن أن يكون من أكبر المستفيدين إذا تم الإصلاح بطريقة صحيحة.

زيادة الاستيراد الرسمي تعني زيادة الاعتمادات المستندية ، التحويلات ، تمويل التجارة ، حسابات المستوردين ، عمولات المصارف.

كما ستعود جزء من الأموال الموجودة خارج الجهاز المصرفي إلى المصارف.

وهذه نقطة شديدة الأهمية بالنسبة لما أشرتَ إليه سابقا من أن نسبة كبيرة جدا من السيولة السودانية تدور خارج النظام المصرفي

فالهدف لا ينبغي أن يكون فقط زيادة الاستيراد بل إعادة تجارة الاستيراد إلى الجهاز المصرفي وهذا يعيد للمصارف دورها في الاقتصاد.

اما إذا ألغينا القيد دون إصلاح سعر الصرف؟

فالمؤشر المحتمل على اثر القرار سيزبد حجم الاستيراد ، ارتفاع السلع المتاحة ، ارتفاع الطلب على الدولار ، ارتفاع كبير فى سعر الدولار وانخفاض قيمة الجنيه بالتالى ارتفاع معدلات التضخم قصير الأجل وتقل إيرادات المصارف وعمولات تمويل التجارة ويزداد نشاط السوق الموازى وقد ترتفع في البداية احتياطيات البنك المركزي إذا مول الطلب من احتياطياته لسلع الإنتاج اما إذا كان الاستيراد موحها الى السلع الكمالية قد يرتفع التضخم بصورة مفرطة وهنا تكمن المشكلة.

* النموذج الذي أراه أنسب لبلادنا هو بدلاً من إلغاء القيود بالكامل أقترح تحرير الاستيراد وإدارة النقد الأجنبي تدريجيا بمعنى :

أولا : إلغاء القيد السعري الإداري تدريجيا حتى لا يصبح السعر الرسمي منفصلا عن الواقع.

ثانيا : عدم إلغاء الرقابة على استخدام الدولار

فكل دولار يذهب للاستيراد يجب أن يكون قابلا للتتبع إلكترونيا.

ثالثاً : تقسيم الواردات إلى ثلاث مجموعات هى :

A — أولوية قصوى

للسلع الأساسية تمول من النظام المصرفي .

B — استيراد إنتاجي

المواد الخام ، الآلات ، المعدات الصناعية ، مستلزمات البناء وتعطى أولوية ثانية.

C — كماليات

السيارات الفاخرة ، السلع الاستهلاكية غير الضرورية وغيرها لا تمنع ولكن تخضع لسعر صرف تجاري كامل وربما رسوم إضافية .

* والأهم: ربط تحرير الاستيراد بالصادر وهذه في رأيي هي المعادلة الذهبية للسودان بان لا نحرر الاستيراد وحده وانما نحرر منظومة التجارة الخارجية كاملة (الايرادات والصادرات)

الخلاصة

إلغاء القيد السعري على الاستيراد ليس هدف في حد ذاته بل فى توقيته وآلياته هما المشكلة والصيغة الأفضل للسودان في مرحلة ما بعد الحرب هي تحرير تدريجي للأسعار ، توحيد سعر الصرف ، تمويل مصرفي للاستيراد ، أولوية للسلع الإنتاجية ، جذب الصادر بالمرور عبر الجهاز المصرفي ، مكافحة السوق الموازي ، زيادة احتياطي النقد الأجنبي من عايدات الصادر ، المغتربين ، المنح والقروض بهذه الطريقة يمكن أن يتحول تحرير الاستيراد من عامل ضغط على الجنيه والتضخم إلى أداة لإعادة تنشيط المصارف والتجارة والإنتاج مما يدعم العملة المحلية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى