السودان.. هل تحولت أرض الشهداء إلى مصنع الكبتاجون؟ اقتصاد الحرب يهدد بجيل ضائع

بقلم/ د. محمد عوض محمد متولي

 

المحلل والاكاديمي والخبير الاقتصادي المشارك بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

 

لم يعد السودان في أعقاب حرب أبريل 2023م مجرد جغرافيا عبور للمخدرات بين أفريقيا وآسيا، بل تحول إلى ورشة تصنيع كاملة الأركان. ففي غضون يومين فقط أعلنت السلطات عن ضبط مصنعين متكاملين لإنتاج “الآيس” في الخرطوم، وإحباط مخطط لإنشاء مصانع مماثلة في سنار والقضارف وكسلا، ومصادرة 150 ألف حبة كبتاجون و170 ألف حبة ترامادول أبيض و90 ألف حبة ترامادول أصفر وأربعة كيلوغرامات من الكوكايين وأربعين كيساً من الحشيش الصناعي، وستة براميل من الكافين اللامائي والإفدرين، وبكرتين من الألياف الضوئية المستخدمة في تحريك المسيرات الانتحارية وحمايتها من التشويش. وفي التوقيت ذاته ضبطت قوة مكافحة المخدرات في ولاية نهر النيل 99 كرتونة من مخدر “نيرفاكس” وثلاثة آلاف عبوة مستحضر طبي مهرب، وفي الدبة بالولاية الشمالية تمت مصادرة 1500 حبة مخدرة و18 رأس حشيش ومسدس في أكبر ضبطية بتاريخ المدينة. هذه الأرقام ليست حوادث متفرقة، بل مؤشر على تحول بنيوي خطير من “اقتصاد تهريب” إلى “اقتصاد تصنيع” يدار داخل البلاد ويغذي الحرب ذاتها.

 

ما حدث ليس مفاجئاً لمن يتابع مسار الصراعات. فالبيانات الدولية تؤكد أن السودان شهد قفزة نوعية منذ اندلاع الحرب. فبعد أن كانت السلطات تضبط في منتصف 2023م معملاً بطاقة 7200 حبة كبتاجون في الساعة، كشف فبراير الماضي عن مصنع قرب مصفاة الجيلي في شمال بحري تابع لمناطق سيطرة الدعم السريع سابقاً يضم آلة تنتج 100 ألف حبة في الساعة ومواد خام تكفي لتصنيع 700 مليون حبة. وبحسب تقرير “سودان ترانسبيرنسي أند بوليسي تراكر” الصادر في مارس 2026م، سجلت بين 2015م و2025 تسعة عشر حادثة ضبط معمل أو مصادرة، وتركزت معظمها بعد 2023م، لترتفع الطاقة الإنتاجية إلى منشآت صناعية تقدر قيمة معداتها بنحو 3 ملايين دولار. وفي يناير 2026م أحبطت قوات البحر الأحمر تهريب نصف طن من المخدرات شملت 384 كيلوغراماً من “الآيس” و27 كيلوغراماً من الهيروين. كما رصد مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت أربع عمليات اعتراض ومعملاً واحداً في السودان خلال 2025م مع وجود أدلة على ارتباط بجهات سورية من خلال مواد التعبئة والمعدات الصناعية. وتشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن 177 مليون قرص كبتاجون تم اعتراضها في المنطقة العربية منذ ديسمبر 2024م، ما يعادل 30 طناً، بينما انتقلت شبكات التهريب إلى أساليب جديدة كالبالونات والطائرات المسيرة.

 

هذا التحول يقوم على معادلة حرب بسيطة ومرعبة. الحرب تخلق فراغ حكم، وفراغ الحكم يخلق فرصة لجريمة منظمة، والجريمة المنظمة تمول الحرب. فالمخدرات التخليقية مثل الكبتاجون والميثامفيتامين تستخدم لرفع قدرة المقاتلين على التحمل والعدوان، وفي الوقت نفسه تدر عائدات ضخمة تمول شراء السلاح ودفع المرتبات. وبحسب الخبيرة كارولين روز من معهد نيو لاينز فإن الشبكات الإجرامية تتكيف بسرعة في حقبة ما بعد الأسد عبر إنشاء مراكز تصنيع بديلة في بيئات هشة. ويحذر محللون من أن عائدات الكبتاجون يمكن أن تمكن الميليشيات وقادة الحرب من إطالة أمد الصراع على نحو يذكر بسوريا. والأخطر أن ضبط الألياف الضوئية في الخرطوم يضعنا أمام احتمال تلاقي تجارة المخدرات مع تمويل الإرهاب عبر تكنولوجيا المسيرات، وهو ما يحول اقتصاد المخدرات من نشاط هامشي إلى جزء من “اقتصاد حرب متكامل” تديره شبكات عابرة للحدود وبتمويل كبير وخبرات تقنية وحماية في بعض الحالات.

 

إن انتقال السودان من “دولة عبور” إلى “دولة مصنع” يطرح تهديدات وجودية على أربعة مستويات. على المستوى الأمني الإقليمي والدولي، فإن أي إنتاج محلي سيتدفق حتماً عبر البحر الأحمر والحدود مع إثيوبيا وإريتريا وليبيا إلى أسواق الخليج وأوروبا، مما يضع السودان تحت مجهر العقوبات والمراقبة الدولية ويمنح ذريعة لتدويل الملف الأمني السوداني. والأخطر من ذلك أن هذا التحول يدخل السودان تلقائياً في تقارير مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة UNODC وتقارير مجموعة العمل المالي FATF كدولة عالية المخاطر. وهذا يعني عقوبات مصرفية إضافية وتجميد تحويلات المغتربين وصعوبة استيراد الدواء والوقود. العالم لن يفرق بين مليشيا تصنع المخدرات ودولة سمحت بذلك. على المستوى الاقتصادي، فإن اقتصاد المخدرات يلتهم الاقتصاد الرسمي عبر غسل الأموال وشراء الأصول وتشويه الأسعار، ويخلق فقاعة مشوهة تمنع عودة الاستثمار الحقيقي لإعادة الإعمار. على المستوى الاجتماعي، فإن شباباً فقدوا التعليم والعمل بسبب الحرب في سنار والقضارف وكسلا يتحولون إلى سوق مستهدفة، وانتشار “الآيس” و”الكبتاجون” يهدد بإنتاج جيل من المدمنين فاقدي الإنتاجية. وعلى المستوى العسكري، فإن ربط المخدرات بالمسيرات يعني أن كل حبة تباع قد تتحول إلى طلقة أو إلى طائرة مسيرة، وبالتالي فإن تجفيف منابع المخدرات أصبح معركة موازية لمعركة تحرير الأرض لا تقل عنها أهمية.

 

في مواجهة هذا الخطر لا يكفي منطق الضبطيات اليومية. المطلوب انتقال فوري من رد الفعل إلى بناء “دولة مقاومة للمخدرات” عبر حزمة موجهات تنفيذية عاجلة. أولاً تشكيل “قيادة عليا لمكافحة اقتصاد الحرب” برئاسة مجلس الأمن والدفاع وعضوية الاستخبارات ومكافحة التهريب ومكافحة المخدرات ووزارة المالية والبنك المركزي، على أن تجتمع أسبوعياً وتملك صلاحية مصادرة الأصول وتجميد الحسابات وتجريم أي تمويل غير مشروع. ثانياً إصدار “قانون الطوارئ الاقتصادية لمكافحة المخدرات” يغلظ العقوبات إلى الإعدام أو المؤبد في جرائم التصنيع والتهريب المنظم، ويجرم حيازة المواد الخام الحرجة كالإفدرين والكافين اللامائي دون ترخيص طبي، ويلزم المستشفيات والصيدليات بربط إلكتروني فوري مع إدارة المخدرات. ثالثاً إطلاق “مشروع الدرع الحدودي الذكي” لتأمين الموانئ والمعابر والبحر الأحمر بأجهزة فحص الحاويات والمسح الطيفي والطائرات المسيرة المضادة للتهريب، مع إنشاء وحدة متخصصة لتتبع استخدام الطائرات المسيرة في التهريب بالتنسيق مع الأجهزة العسكرية. رابعاً تفعيل قرار حظر مركبات “التندرا” وتوسيعه ليشمل أي آلية نقل تفتقر إلى التتبع الإلكتروني، وتسليم المركبات المضبوطة لجهاز الاستخبارات ومكافحة التهريب لقطع خطوط الإمداد. خامساً إطلاق “برنامج التشغيل الطارئ للشباب في مناطق الحدود” بتمويل من مصادرة أموال الشبكات، لتوفير 500 ألف فرصة عمل في 90 يوم في الزراعة والتعدين والخدمات، لأن تجار المخدرات لا يجنون من الفراغ بل يجنون من بطالة الشباب. من يعطي الشاب راتباً يحميه من من يعطيه حبة. سادساً إنشاء “صندوق إعادة تأهيل المتضررين” لعلاج الإدمان وتوفير بدائل اقتصادية. سابعاً فتح قناة استخبارية إقليمية ودولية عاجلة مع مصر والسعودية وإثيوبيا وإريتريا والإنتربول والأمم المتحدة لمشاركة المعلومات وتجفيف أسواق الاستهلاك، باعتبار أن 30 طناً من الكبتاجون تم اعتراضها إقليمياً منذ نهاية 2024م مما يدل على أن المعركة إقليمية بامتياز.

 

إن استعادة السودان من المليشيا المتمردة لن تكتمل دون استعادته من “المليشيات الاقتصادية” وعصابات التصنيع. فكما أن تحرير المدن من قبضة السلاح واجب وطني، فإن تحرير العقول من قبضة المخدرات وتطهير البلاد من معاملها واجب لا يقل إلحاحاً. فالدولة التي تنتصر في ميدان القتال ثم تخسر في ميدان الكيمياء والاقتصاد الأسود ستستيقظ بعد الحرب لتجد نفسها محاصرة بجيل محطم وسمعة دولية ملوثة واقتصاد مختطف. ومعركة اليوم ليست بين جيش ومليشيا فقط. هي معركة بين سودان 2040م الذي نحلم به كدولة إنتاج وعلم، وبين سودان 2040م كدولة مخدرات. التاريخ لن يسأل من أطلق الرصاصة الأولى، بل سيسأل: من سمح بأن تتحول أرض الشهداء إلى أرض الكبتاجون؟ القرار الآن في يد الدولة: إما مؤسسات وإما انهيار. وإما أن نكسر اليوم دائرة “الحرب تمول المخدرات والمخدرات تمول الحرب”، وإما أن ندفع الثمن أجيالاً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى