الطاهر يونس يكتب: السبت الحزين

كثيرة هي الأيام التي مرّت بنا مُثقلةً بالمواجع وتناوبت على أرواحنا بالفقد والانكسار ، سنوات الحرب على قسوتها علّمتنا أن نتلقى رحيل الأحبة كما لو أنه قدر يومي ..أرقامٌ تتوالى وأسماء تتساقط من ذاكرة الهواتف ودفاتر الحياة حتى غدا الموت خبراً يطرق صباحاتنا ومساءاتنا دون أن يمنحنا الوقت الكافي لاستيعاب كل هذا الغياب .
ولكن ، وبرغم كل هذا الإعتياد القاسي ثمة فقد لا يشبه ما سبقه ، فقد يأتيك من حيث لا تحتسب ، يخترق أنسجتك ، ينفذ إلى دواخلك فيترك أسي وغصة ، وقروحاً في القلب لا تشبه سواها .
اليوم كان من تلك الأيام .
وكما كان حضوره طاغياً في حياته القصيرة جاء غيابه طاغياً أيضًا فقد احتشد في سماء يومنا وظلّلها بغيمة كثيفة من الحزن .
رحل عمر النمير…
عرفته في سنوات الحرب والتيه في أكثر من مكان بمشاعر من الود تسبق كلماته في زمن أرهقتنا الحياة بفقد الأحبة والأصدقاء .
رحل ليدوّن إسمه في سفر أولئك الذين لا يطول مقامهم في الحياة لكنهم يتركون فيها أثراً أكبر من أعمارهم ، رحل عمر وغاب ليغيب معه حضور ملأ ساحات كثيرة بجزيل البذل ووافر العطاء .
فثمة أُناس لا تمنحهم الحياة وقتاً طويلاً لكنها تمنحهم قدرة نادرة على ترك الأثر . وحين يرحلون ندرك أن العمر ليس مقياساً للحضور ، فثمة من يعيش طويلاً ولا يكاد يُذكر ، وثمة من يعبر سريعاً ثم يترك وراءه فراغاً لا يملؤه أحد .
رحم الله عمر النمير رحمةً واسعة، وغفر له، وأكرم نزله، وأنزله منزلًا كريماً وربط على قلوب أهله وأصدقائه وكل من أحبوه.
إنّا لله وإنّا إليه راجعون .
الطاهر الطيب يونس




