الجزيرة.. (النفير ) من أجل التعمير!!

مجرد رأي
بقلم/ محمد الأمين الكباشي
شهدت محليات ولاية الجزيرة حراكاً مجتمعي نشط ومحموم، يصب في مسار البناء والتعمير، وتوطين وتثبيت الركائز الأساسية للتنمية المستدامة. الحراك الشعبي يتمثل في ثقافة التكاتف والجهد الشعبي المعروف لدينا ب(النفير ) . والصورة النمطية القديمة المرسومة في أذهان العامة عن النفير هي: مشاركة أهل الحي أو المنطقة لعمل ما، والقيام به ، كمشاركة في بناء(حيطة) أو فتح مجاري وقنوات الري (الترعة)، وقديماً المشاركة في(دق العيش) وسكب وقطع القصب في البلاد وما شابهه، هذه صورة (النفير) القديمة، أما في ولاية الجزيرة فقد تم تطوير وتحديث هذا النظام التعاوني/ التكافلي، بصورة تواكب عجلة الزمن، وحوجة المجتمعات لمطلوبات التنمية والخدمات. ففي تجربة النفير بالجزيرة نجده تخطى مرحلة بناء(حيطة الجار) ،أو فتح المجاري وتنظيف قنوات الري( الترع ) وذهب إلى أبعد من ذلك، وقام بأدوار تعد من صميم مهام الدولة أو الحكومة، مثل بناء المستشفيات والمدارس، ودور العبادة، وغيرها، من المرافق الحيوية، والأمر ليس حديث إنشائي ونظري، أو مجرد( كلام جرائد ) ، بل تعد حقائق واقعية ومثبتة، لتجارب حيّة وموثقة؛ تجدها في جميع محليات ولاية الجزيرة ووحداتها الإدارية الممتدة على ربوع الولاية، فجميع التجارب التي بصدد الحديث عنها – هنا – قامت بالتكاتف والجهد الشعبي، وإحياء ثقافة النفير. ولا يمكن حصر كل التجارب في عمود أو مقال، ولكن أهم ما شد إنتباهي من نماذج الجهد الشعبي بولاية الجزيرة هو نموذج تجربة تشييد وبناء مستشفى قرية(أبو شنيب ) بمحلية الحصاحيصا، فهو مستشفى متكامل وبأحدث المواصفات، وقبل نحو أيام قليلة تم الإنتهاء من تشييد الطابق الأول بالمستشفى، وكله تم بجهد شعبي خالص من أبناء قرية(أبو شنيب ) بالداخل والخارج، وهذا المستشفى يعد نتاج 15 عاماً من العمل الدؤوب، أي قبل الحرب، وبعد الحرب تم إستئناف ما تبقى وتكملة المتبقي. وللأمانة مستشفى قرية أبو شنيب يضاهي المستشفيات الموجودة في المدن والعواصم الكبيرة في السودان، وكما أسلفت تم بجهد شعبي 100% ، فعندما تتوفر الإرادة الحقيقة، مع العزيمة القوية، ليس هنالك أمر مستحيل يتوقف أمام تقدم الإنسان ، و15 عاماً سعي وراء صرح كبير كهذا دون كلل أو ملل من أهالي قرية أبو شنيب – تعد إرادة ليس من بعدها إرادها، حصدوا فيها ثمار جهدهم.
التجربة والنموذج الثاني من تجارب(النفير ) في ولاية الجزيرة هي بناء وتشييد مدرستان بطراز معماري حديث في قرية( ود أبو شام ) بمحلية شرق الجزيرة، ريفي تمبول، أيضاً شيدتا بالجهد الشعبي من أبناء المنطقة بالداخل والخارج، وللأمانة المدرستان شيدتا بطراز معماري فريد لا تجد مثيل له حتى في المدن الكبرى، وهذه تجارب أعتبرها مشرفة جداً.
وكذلك من النماذج على سبيل المثال لا الحصر لأعمال الجهد الشعبي، وفي قرية(ود الأمين ) بمحلية المناقل حيث تم بناء مدرسة متوسطة، والآن أهالي القرية يشرعون في بناء رياض للأطفال بالقرية. وأيضا من النماذج في قرية( أبو خضرة ) وحدة الربع الإدارية، محلية الحصاحيصا شيد أبناء القرية مركز صحي بالقرية بجهد شعبي. وفي قرية(الركيب ) محلية شرق الجزيرة، قام أبناء القرية بتشييد وإعادة بناء المدرسة الأساسية من جديد، بناء مسلح بصورة جميلة وحديثة ؛ كذلك في قرية( ود المراد ) ،وحدة العزازي بمحلية القرشي، تم تشييد مدرسة أساس بجهد شعبي قام بالتكلفة أبناء المنطقة بالداخل والخارج. وكذلك في وحدة معتوق الإدارية التابعة لمحلية القرشي ،قبل سنين قريبة تم تشييد وبناء مدرسة(مكة عمر ) المختلطة أساس بجهد شعبي من أبناء قرية بر وجبرة ،مع بعض مساهمات أبناء معتوق، والنماذج كثيرة عن الجهد الشعبي، وما تفضلت به هو مجرد إختيار عينات محددة كنماذج للجهد الشعبي، ولكن المؤكد هو كل وحدة إدارية داخل ولاية الجزيرة لا تخلو من قيام مرفق حيوي بالجهد الشعبي، وبالرغم من أن ولاية الجزيرة تعرضت للنهب في فترة الحرب، إلا أنها خرجت مثل المارد ووقفت في وجه التحديات والصعاب مرفوعة الرأس ، ومثل هذا ينبغي أن يكون علماً يدرس في كل مدارس السودان، حتى يتعلم النشء كيف نبني ونعمر المجتمع ، كما أن هذه النماذج تعد رسالة ودرس للجميع بأن المجتمعات تبنى بسواعد بنيها، عملاً يطبق وليس قولاً ينطق به، وكذلك تعد رسالة مفادها( أن ما تعجز عنه الحكومة أو الدولة ،يمكن أن يقوم به المجتمع وحده. والرسالة الأخيرة والأهم هي:( لا تنتظروا الحكومة أن توفر لكم كل شيء، بالتكاتف تقضوا حوائجكم ).
الحرب رسمت شكل جديد لبناء الوطن والمجتمع، وخاصة إنها لم تنته بعد، وفي تقديري نموذج ولاية الجزيرة هو النوذج الأمثل في ظل هذه المرحلة الحالية، ويجب أن يعمم على بقية الولايات، لسد النقص- لمن يستطيع طبعاً – كذلك هي فرصة أيضا للخيرين.



