حرب السودان.. مبعوثو “العلاقات العامة” في متاهة الحل

ملح الأرض..
بقلم: خالد ماسا
وتظل الأوضاع التي صنعتها الحرب المشتعلة في 15 أبريل 2023م، على المستوى الإنساني والانتهاكات المرتكبة بسببها، في تصاعد مستمر يوماً بعد يوم، دون أن تكبح جماحها تعيينات المنظمة الدولية للمبعوثين الخواص وإرسالهم إلى بورتسودان، العاصمة الإدارية المؤقتة للسودان، أو لزيارة عواصم الإقليم لمقابلة كل من له علاقة بهذه الحرب ومناقشة الملف.
لم تكن الجرائم المرتكبة في هذه الحرب وتفاقم الأوضاع الإنسانية، التي وصلت حد وصفها بالأسوأ في تاريخ البشرية، كافية لإيقاف جولات “العلاقات العامة” عديمة الجدوى التي تحتشد بها الأخبار لمبعوثي المنظمة الدولية، وخطابات الاستهلاك الدبلوماسي، والمؤتمرات الصحفية، والإحاطات في جلسات المنظمة الدولية.
(*) الضُل الوقف ما زاد..
لم يكن الخبر الذي تداولته الصحف والمواقع التفاعلية في 6 أبريل الماضي عن لقاء جمع بين المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة/ بيكا هافيستو وقائد التمرد محمد حمدان دقلو بالعاصمة الكينية نيروبي، إلا حلقة “معادة” في مسلسل الحرب السودانية الطويل، والذي تم فيه استبدال رمطان لعمامرة الجزائري بآخر لا يقل فقراً في الحلول التي يقدمها عن المبعوث السابق.
تحت ذات العنوان الذي يشبه قدرات أي رئيس تحرير “كسول” لا يجتهد كثيراً في تغيير “الماكيت” للصحيفة التي يشرف عليها، جاء الخبر أعلاه ليقول بأن المبعوث الجديد التقى بحميدتي في إطار “جولة” سيلتقي فيها بمسؤولين سودانيين، الإطار العام فيها هو مناقشة سبل حل الأزمة السودانية. وهنا يستبين الخلل البنيوي في طبيعة عمل المبعوثين الخواص للأمين العام للأمم المتحدة، وأن “الروتين” هو النظام الحاكم لطبيعة مهام من يتم اختيارهم لتولي التكليف من مكتب الأمين العام/ أنطونيو غوتيريش، إذ ليس من المنطقي أن نتوقع نتائج مختلفة في هذا الملف والسيد/ بيكا هافيستو يضع الحافر على حافر سلفه رمطان لعمامرة، والذي كان قد قام بذات الجولة وابتدائها مع ذات الشخص في يناير 2024، وتغير المكان فقط من نيروبي إلى كمبالا الأوغندية، مع ثبات عبارات بروتوكول العلاقات العامة التي تقول بالاستعداد لإحلال السلام، وإيقاف الحرب، وإدانة الانتهاكات وجرائم الحرب، والاستعداد للانخراط في المفاوضات.
“عطب” كبير في منهج التفكير الذي يحكم المنظمة الدولية، وهي التي لا تقرأ “حشو” التقارير التي يرفعها مبعوثوها دورياً حال انتهاء فترة انتدابهم كموظفي علاقات عامة لم ينجحوا حتى في مهمة صناعة موقف إيجابي لدى أطراف الحرب من المبعوثين، وأن تجعل منهم “مقبولين” كمسهلين لعملية التفاوض، ناهيك عن أن يلعبوا دور الوسيط في أزمة معقدة كالتي حدثت في السودان.
الفشل الذي وصل إلى حد “طرد” مبعوث ورئيس البعثة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان “يونيتامس” فولكر بيرتس، والذي من الواضح جداً أن السيد رمطان لم يكلف نفسه “المذاكرة” في أوراق تقرير رئيس البعثة المستقيل الموجود في أرشيف مكتب الأمين العام، ليعرف من أين تبدأ مهمته، وما هو الإيجابي الذي يجب أن يحافظ عليه في خطوات استعادة الاستقرار في السودان، وما يجب تفاديه حتى لا يصل إلى النقطة التي وُصف فيها بالفاشل، والمطالبة بإبعاده من مسؤولية الملف من جميع الأطراف، وهي ذات المحطة التي انتهى إليها رئيس بعثة المنظمة الدولية.
و”نرجع تاني ندور في الدايرة عديمة الفايدة” هي الأغنية التي يرددها الشعب السوداني وهو يعيش واحدة من أسوأ الأزمات التي عرفتها الإنسانية، دون أن يعرف “العديل والزين” إليه طريقاً، لا عن طريق الحل الوطني الخالص أو على يد موظفي العلاقات العامة ومبعوثي المنظمة الدولية.
وبالقراءة في جدول المهام الموكولة للمبعوثين الخواص، فإننا نرى ثباتاً في التكاليف دون أي تغييرات في النتائج، الشيء الذي يشرح عدم تجاوز المبعوثين الخواص لحدود مهام العلاقات العامة في أزمة ارتفعت تكاليفها الإنسانية. فعلى الرغم من تعدد اللقاءات داخل وخارج السودان، إلا أن التكليف الخاص بتسهيل الحوار بين الأطراف السودانية لم تتعدَّ نتائجه ما حدث من لقاءات مباشرة عبر منبر جدة التفاوضي بدايات الحرب، ولقاءات “سرية” في العاصمة البحرينية المنامة، وكلها انتهت إلى نقطة الصفر التفاوضي المتجمد.
الواجب الثاني الموضوع على طاولة المبعوثين هو الدفع باتجاه وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وهو الذي سقطت في اختباره كل المحاولات واجتهادات المبعوثين، إلا من انفراج مؤقت لا يمكن حسابه في مقابل حجم الأزمة.
وبالضرورة فإن “العلاقات العامة” ليست مؤهلاً كافياً لإنجاز المهمة الأصعب في الأزمة السودانية، وهي عملية الدفع بعملية سياسية تعود بالقضية السودانية لمسار الانتقال المدني الديمقراطي، وكان من الواضح أن “الجهل” بتعقيدات النادي السياسي السوداني وما أضافته الحرب من تعقيدات، هو الذي جعل المبعوثين عاجزين عن تحريك ورقة في هذا الملف، ولم يتعدَّ المجهود عندهم حدود لقاءات “المجاملة”.
(*) واقع أكبر من النظرية..
نظرياً استطاع كل المبعوثين في اللقاءات كالتي ذكرناها آنفاً أن يخرجوا بنصيب وافر من التصريحات الإيجابية من الأطراف التي التقوها، إلا أن هذا النصيب قوته لم تستطع أن تصمد أمام واقع لم تتوفر فيه إرادة حقيقية لإنفاذ ما تم التصريح به من وعود إيجابية على الأرض.
واقع صعب آخر على الأرض فاق حدود ما تتصوره المنظمة الدولية، وهي تدفع بمبعوثيها للأزمة السودانية، وأكبر من المتاح لهم من أدوات يحتاجونها في أداء المهام المطلوبة منهم، ألا وهو تداخلات الإقليم وتقاطع المصالح الدولية في الحرب السودانية، وهي الشيء الذي وضع كل المبعوثين في خانة ضباط “العلاقات العامة” بلا حول ولا قوة.
في الفترة بين مبعوث وآخر، في الأمم المتحدة التي لم تستطع عبر مبعوثيها بناء قاعدة بيانات تخص الأزمة يمكن بناء الخطط والقرارات تأسيساً عليها، هنالك واقع جديد آخذ في التشكل بناءً على موازين الأرض والقتال، وبالتالي فإن الموقف التفاوضي يقف على “رمال متحركة” لم يتمكن أي من المبعوثين من ملاحقة التغيرات فيه، وما لم تهتم الأمم المتحدة بتوثيق نتائج المبعوثين والبناء على ما هو منجز فعلاً، لن يحدث انتقال إيجابي من نقطة لأخرى في الملف.
يجب أن تهتم المنظمة الدولية بتعزيز آلياتها للتأثير والضغط على الأطراف المطلوبة للتفاوض، واستغلال الزخم الدولي المتابع للأزمة لخلق بيئة مواتية لتحقيق مطلوبات حل الأزمة، والسعي لتدارك أزمة الثقة التي تسبب فيها الفشل المستمر والمتكرر للمبعوثين، وحتى لا نسمع أو نقرأ خبر نهاية تكليف السيد/ بيكا هافيستو ولم يحدث شيء، غير أنه قد أضاف سطراً جديداً في سيرته الذاتية بأنه كان في يوم من الأيام مبعوثاً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة في السودان. يجب تغيير المنهج الذي يعمل به المبعوثون والآليات لتطبيقه بطريقة تتناسب وأزمة الحرب في السودان لتخرج به من هذه المتاهة.



