خريف الأطلسي: نذر تحلل الناتو
هل سقطت "التبعية" في اختبار السيادة الأوروبية؟

بقلم: المهندس محمد عبد اللطيف هارون
لم تعد “اللا” الأوروبية مجرد همس خجول في أروقة بروكسل، بل أصبحت صرخة مدوية تهز أركان حلف الناتو، وتعلن عن مشهد تاريخي لم يشهده العالم منذ قرابة ثمانية عقود. نحن اليوم أمام “قارة عجوز” بدأت تستعيد ذاكرة كبريائها، بعدما أدركت أن الانقياد الأعمى خلف “البوصلة الأمريكية” قد يلقي بها في مستنقعات استراتيجية لا ناقة لها فيها ولا جمل، خاصة في ظل المحاولات المستميتة لجر الحلفاء إلى مواجهة انتحارية مع طهران، خدمةً لأجندات لا تخدم سوى المصالح الضيقة لساكن البيت الأبيض.
فمن صقلية إلى مدريد نستبين جليا ملامح التمرد هكذا تؤكد لنا المؤشرات الميدانية بأن التصدع وصل لنقطة “اللا عودة”. فبينما كانت واشنطن تخطط لتحويل القواعد العسكرية في أوروبا إلى منصات انطلاق لقاذفاتها ضد إيران، جاء الرد الإيطالي “بقيادة ميلوني” صادماً بمنع تلك القاذفات من الهبوط في صقلية. ولم يكن الموقف الفرنسي أقل حدة؛ إذ رسمت باريس “خطاً أحمر” أمام إقحام الناتو في مضيق هرمز، معتبرة ذلك خروجاً عن مهمة الحلف الأساسية.
هذا النفس السيادي امتد ليدق أبواب مدريد؛ حيث أثبتت إسبانيا أن لها “بوصلة أخلاقية” مستقلة، حين رفضت الانصياع للضغوط الأمريكية في ملف الشرق الأوسط، بل وذهبت أبعد من ذلك بالاعتراف بدولة فلسطين ورفض الانخراط في تحالفات بحرية مشبوهة، مؤكدة أن أوروبا لن تكون “شرطياً مُستأجراً” لحماية مغامرات واشنطن العسكرية.
دروس الواقعية السياسية المستفادة عبر عشرات السنين تقول أن السيادة للغة المصالح ، لذا يلح علينا سؤال وهو لماذا تخلع أوروبا ثوب التبعية الآن؟ الإجابة تكمن في “الواقعية السياسية”. فبينما يرى “ترامب” في الصين عدواً وجودياً، تذهب لندن وبرلين نحو لغة الأرقام. زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر الأخيرة لبكين لم تكن للمواجهة، بل لترميم الجسور مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، في إدراك عميق بأن “تأزيم” العلاقات مع العملاق الآسيوي هو انتحار اقتصادي لا تحتمله القارة.
وفي قلب القارة، تبرز المجر وسلوفاكيا كحجر عثرة أمام محاولات تصعيد الحرب في أوكرانيا، حيث ترفض بودابست تحويل أراضيها لممر للسلاح، وتصر على علاقات طاقة متوازنة، ضاربةً بعرض الحائط التحذيرات الأمريكية من “التغلغل الاقتصادي” الروسي أو الصيني.
ولا تكتمل صورة هذا الانعتاق دون النظر إلى أنقرة؛ العضو المشاكس في الناتو الذي يمارس استقلالاً استراتيجياً فجّاً في نظر واشنطن. من امتلاك منظومات الدفاع الروسية إلى رفض العقوبات الأحادية، تؤكد تركيا أن الجغرافيا تفرض واقعاً أقوى من الأيديولوجيا الأطلسية، وأن مصالحها في “أوراسيا” تفوق التزاماتها مع حليف بعيد لا يراعي هواجسها الأمنية.
و خاتمة المشهد إن إصرار أمريكا على معاملة حلفائها كأدوات لتنفيذ “أجندات التأزيم”، سيؤدي حتماً إلى تحلل الناتو لصالح تحالفات إقليمية أكثر واقعية. الحقيقة التي يجب أن يدركها القابعون في واشنطن هي أن الثقة قد تآكلت، وأن سلاح الاقتصاد بات أقوى من أزيز الطائرات.
نحن لا نشهد مجرد خلاف سياسي عابر، بل نشهد ولادة “نظام متعدد الأقطاب” ترفض فيه أوروبا أن تكون مجرد “صدى” للصوت الأمريكي، لتكتب بمداد سيادتها نهاية عصر القطبية الواحدة وسلطة الدولار المطلقة. إن “خريف الأطلسي” ليس مجرد فصل في كتاب التاريخ، بل هو إعلان عن فجر جديد للقارة التي سئمت دور التابع.




