ترامب ولعبة الحافة: حين تغدو الفوضى أداة لإعادة تشكيل العالم

*البعد الخامس*

*الجزء الأول*

*ثلاثية ترامب الحاكمة: السيطرة والإبهار والتصفية*

*بقلم.: صباح المكي*

ليس ما يفعله دونالد ترامب مجرد نرجسية سياسية أو فجاجة في الأسلوب، بل أقرب إلى منهج متكامل له منطقه الخاص، وأدواته النفسية، وغاياته الاستراتيجية. لذلك لا يبدأ فهم “اللعبة” من غرابة سلوكه، بل من تفكيك الآلية التي تحكمه: كيف يصنع التوتر، وكيف يوظف الاضطراب، وكيف يحوّل السياسة من إدارة المؤسسات إلى إدارة القوة والصورة والهيمنة.

فالخطأ الأكبر في قراءة ترامب هو التعامل معه بوصفه مجرد انحراف عن السياسة التقليدية أو حالة شاذة داخل النظام الأمريكي. فهو لا يخرج على قواعد اللعبة بقدر ما يعيد كتابتها بمنطق مغاير. لا يريد أن يكون رئيسًا داخل النظام، بل أن يفرض على النظام نفسه صورته وأسلوبه وإيقاعه.

ومن هنا، فإن كثيرًا مما يبدو عبثيًا أو غير عقلاني في سلوكه يصبح أكثر قابلية للفهم إذا قُرئ من خلال ثلاثية حاكمة: السيطرة، والإبهار، والتصفية. فالسيطرة عنده تعني إدارة التوتر وفرض الشروط. والإبهار يعني صناعة المشهد وصورة الحسم، لا بوصفهما نتيجة للسياسة، بل جزءًا من بنيتها. أما التصفية، فتعني فرز الخصوم والحلفاء، وتقليم مراكز المقاومة داخل الدولة وخارجها، وإعادة ترتيب المجال السياسي على قاعدة الولاء والانضباط.

بهذا المعنى، لا تعود هذه الثلاثية مجرد إطار تفسيري، بل تصبح مفاتيح لفهم طريقته في الحكم والتفاوض والإخضاع. ومن خلالها يمكن قراءة كيف يدير الأزمات، ويختبر الأطراف، ويعيد صياغة ميزان القوة.

*أولًا: أدوات ترامب في صناعة النفوذ*

يعتمد ترامب في إدارة الصراع وصناعة النفوذ على ثلاث أدوات متشابكة، لا تعمل منفصلة بقدر ما تتكامل لتنتج نمطًا خاصًا من ممارسة السلطة.

*1.الفوضى واللايقين بوصفهما أداة حكم*

لا يتعامل ترامب مع الفوضى بوصفها خطرًا يجب احتواؤه، بل كأداة سياسية فعالة. فهو لا يرى في الاضطراب فشلًا للحكم، بل فرصة لكشف موازين القوى، وفضح تردد الخصوم، واختبار صلابة الحلفاء، ثم إعادة ترتيب الطاولة وفق شروطه. وفي هذا المنطق، لا يكون الاستقرار قيمة عليا، بل حالة مريحة للخصوم الضعفاء والحلفاء الذين اعتادوا الاحتماء بقواعد اللعبة المستقرة.

ولهذا يميل إلى افتعال الأزمات، سواء عبر التهديد بالحرب، أو العقوبات المفاجئة، أو الانسحاب من تفاهمات قائمة، ثم يراقب كيف تتصرف الأطراف المختلفة تحت الضغط. وهو يعزز هذا السلوك بما يشبه “الجنون المتعمد”، أي دفع الآخرين إلى الاعتقاد بأنه غير متوقع إلى الحد الذي يجعل التراجع أمامه أقل كلفة من اختبار حدوده.

وهكذا تصبح الفوضى أداة فرز، ويغدو اللايقين وسيلة لإرباك الخصوم وشل قدرتهم على التخطيط. فحين تتوالى التصريحات المتناقضة خلال ساعات، وتظهر تهديدات غير مسبوقة، ثم انعطافات مفاجئة، لا يكون المقصود فقط إثارة الضجيج، بل إبقاء الجميع في حالة ترقب دائم، بحيث يصبح التحرك نفسه محفوفًا بالمخاطر، ويغدو فعل أي شيء أخطر من فعل لا شيء، ويصبح الانتظار أقل سوءًا من المجازفة.

*2.التهديد والمساومة بمنطق “السعر الأعلى”*

لا ينظر ترامب إلى التحالفات باعتبارها التزامات متبادلة داخل بنية استراتيجية مستقرة، بل بوصفها صفقات مفتوحة على إعادة التقييم الدائم. وفي كل صفقة، يبدأ من السقف الأعلى: مطالب قصوى، وشروط صادمة، ولغة توحي بأن البديل عن الامتثال ليس الخلاف، بل الانهيار.

وهذه المبالغة ليست خللًا في التقدير، بل جزء من آلية التفاوض نفسها. فهو يرفع السعر إلى أقصاه، ثم يتراجع جزئيًا في لحظة محسوبة، ليبدو ذلك تنازلًا، فيما يكون قد انتزع فعليًا مكاسب جوهرية في الخلفية. وبهذا الأسلوب، يعيد تعريف التحالف من شراكة سياسية إلى علاقة حماية مشروطة بالكلفة، يدفع فيها الآخرون المال أو الموقع أو التنازل السياسي، فيما يحتفظ هو وحده بحق تحديد الشروط وحدود العلاقة.

ومن هنا، لا يعود الحليف شريكًا متكافئًا، بل طرفًا مطالبًا بإثبات جدواه واستحقاقه للحماية. الخليج يدفع، وأوروبا تدفع، واليابان تدفع. الجميع يدفع، لأن التحالف في منطقه لا يقوم على الثقة المؤسسية، بل على فاتورة مفتوحة.

*3. الشخصنة والإذلال بوصفهما آلية إخضاع*

يحمل ترامب إلى المسرح الدولي نزعة نرجسية عدائية، لا تكتفي بتضخيم الذات، بل تميل أيضًا إلى الإذلال والإخضاع وكسر الخصوم رمزيًا. لذلك تبدو طريقته في التعامل مع العالم، في كثير من الأحيان، امتدادًا لطريقته في التعامل مع الأشخاص: إما ولاء كامل، أو خصومة كاملة. لا منطقة رمادية، ولا مساحة حقيقية للتوازن أو التعقيد، بل انقسام حاد بين من يصطف معه بلا تحفظ ومن يُدفع إلى موقع الخصومة.

ومن هنا، لا يكتفي بإدارة المصالح، بل يعيد صياغتها داخل إطار شخصي. فالعلاقات، في منطقه، لا تقوم فقط على التفاهمات المؤسسية، بل على مقياس الولاء للرجل نفسه. ولهذا يمتحن الحلفاء عبر الإحراج العلني، أو الإهانة السياسية، أو تقليل القيمة الرمزية للطرف الآخر أمام جمهوره.

وهذه ليست مجرد فجاجة أسلوبية، بل آلية فرز وإخضاع. فمن يقبل الإذلال ويواصل الاصطفاف يُقرأ بوصفه أكثر قابلية للانضباط داخل العلاقة، بينما يتحول من يعترض أو يطالب بالندية إلى طرف مشكوك في ولائه. وهكذا تتحول السياسة الخارجية من شبكة مصالح بين دول ومؤسسات إلى بنية ولاءات تدور حول شخص الرئيس، وصورته، ومركزيته، ورغبته في التحكم بإيقاع الآخرين.

*ثانيًا: ما الذي يريده ترامب في النهاية؟*

إذا كانت هذه هي أدواته، فإن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بكيفية استخدامها، بل بالغاية النهائية التي تُستخدم من أجلها.

*1. إعادة تشكيل النظام الدولي لا إصلاحه*

لا يبدو أن ترامب ينظر إلى النظام الدولي القائم باعتباره إطارًا يحتاج إلى إصلاح تدريجي، بل كمنظومة ينبغي تفكيكها وإعادة تركيبها وفق منطق أكثر مباشرة وخشونة. ففي عالمه، لا تحتفظ التعددية بقيمتها بوصفها مبدأ، ولا تبقى التحالفات التزامات متبادلة تضبطها المؤسسات والقواعد المستقرة، بل تتحول إلى أدوات مؤقتة داخل ميزان قوة متقلب.

والبديل الذي يلوح هنا هو عالم تُختزل فيه السياسة الدولية إلى معادلات أولية وقاسية: من يدفع يحصل على الحماية، ومن يتردد يفقد مكانه، ومن يرفض يتحمل كلفة العزلة أو الفوضى. وبذلك لا تعود الولايات المتحدة قائدًا داخل منظومة، بل مالكًا يفرض شروط البقاء فيها.

هذا ليس خطاب إصلاح، بل مشروع لإعادة ترتيب العالم بمنطق السوق والقوة والابتزاز، لا بمنطق القانون والتوافق والشرعية المؤسسية.

*2. تحويل الأزمات إلى مشاهد نصر سياسي*

لا يتعامل ترامب مع الأزمات الدولية بوصفها ملفات ينبغي احتواؤها، بقدر ما يتعامل معها بوصفها مسارح لإنتاج صورة الحسم. فالمسألة، في منطقه، لا تتعلق فقط بإدارة التوتر أو خفض الكلفة، بل بصناعة نهاية قابلة للتسويق الداخلي بوصفها انتصارًا سياسيًا وشخصيًا.

ولهذا لا تكون الغاية المثلى دائمًا حربًا شاملة أو تسوية متوازنة، بل نتيجة قابلة للعرض: خصم تراجع، أو حليف انضبط، أو أزمة انتهت بالشروط التي تسمح له بأن يظهر في موقع من فرض الإيقاع وأغلق المشهد لصالحه. وهنا يظهر عنصر الإبهار بوصفه جزءًا من الحكم نفسه، لا مجرد غلاف إعلامي له. فالصورة عند ترامب ليست نتيجة للسياسة، بل جزء من صناعتها.

غير أن هذا المنطق يحمل تناقضه في داخله. فكلما ارتفع منسوب الضغط بوصفه أداة لصناعة الحسم، زادت احتمالات الانفلات، واتسعت مساحة الخطأ الاستراتيجي، وتحول ما يبدأ كلعبة حافة إلى مسار قد يفلت من قدرة صاحبه على السيطرة.

*3. تحويل السلطة إلى امتداد للعلامة الترامبية*

وربما كان البعد الأعمق في هذه اللعبة أن ترامب لا يتعامل مع الرئاسة بوصفها ولاية مؤقتة داخل تداول السلطة، بل بوصفها الذروة السياسية لمشروع أوسع يهدف إلى تكريس اسمه كرمز سياسي وتجاري وثقافي يصعب فصله عن صورة أمريكا ذاتها. فهو لا يرى الرئاسة مجرد منصب عابر، بل علامة ينبغي أن تستمر، ويبدو كل ما يفعله جزءًا من محاولة لتوسيع حضور اسم ترامب داخل الدولة وخارجها إلى أقصى مدى ممكن.

ومن هنا تأتي رغبته في تهميش المؤسسات المستقلة، من وزارة العدل إلى مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالات الاستخبارات وصولا إلى البنتاغون نفسه واستبدالها بموالين شخصيًا، ومحاصرة مراكز الضبط، وتحويل البيت الأبيض إلى منصة لترويج “العلامة الترامبية” سياسيًا وتجاريًا. وبهذا لا يعود المجال العام فضاءً تنظمه المؤسسات، بل مسرحًا يتضخم فيه حضور الرجل على حساب الدولة ذاتها.

والخطر هنا لا يقف عند حدود شخصنة الحكم، بل يمتد إلى إعادة تعريف الجمهورية نفسها: من منظومة مؤسسات وضوابط وتوازنات، إلى ما يشبه ملكية انتخابية تدور حول الزعامة لا حول الدولة.

*ثالثًا: لماذا الآن؟*

إذا كان هذا المنهج حاضرًا منذ سنوات، فلماذا يبدو أكثر حدة في هذه اللحظة تحديدًا؟ لأن ترامب يشعر بأن النافذة تضيق، وأن هذه المرحلة قد تكون فرصته الأكثر كثافة لفرض أثر نهائي لا يُمحى. ومن هنا يمكن قراءة التصعيد الراهن بوصفه حصيلة ثلاثة دوافع رئيسية.

*1. الحاجة إلى إنجاز درامي*

يحتاج ترامب إلى إنجاز يعيد تقديمه بوصفه رجل الحسم، لا رجل الفوضى وحدها. فالسياسات الداخلية، مهما اتسع صخبها، لا تكفي وحدها لصناعة إرث تاريخي. أما الملف الخارجي، خصوصًا إذا صيغ في صورة “نصر”، فيمنحه مادة سياسية أشد قوة ووقعًا. ومن هذا المنظور، يمكن لحرب ناجحة أو اتفاق مذلّ لخصم خارجي أن يتحول إلى إنجاز انتخابي بالغ الفاعلية.

*2. مزاحمة أزماته الداخلية*

يمنحه التوتر الخارجي دائمًا هامشًا لتخفيف التركيز على أزماته الداخلية، سواء تعلّق الأمر بالملاحقات القضائية أو بالصراعات داخل المؤسسة الأمريكية. ففي أوقات التصعيد، تنزاح العدسة الإعلامية جزئيًا من الداخل إلى الخارج، ويغدو مشهد الأزمة الدولية نفسه أداة لإعادة توزيع الاهتمام، بل وأفضل وسائل الدفاع السياسي في لحظة يشتد فيها الضغط عليه.

*3.ضغط الزمن الشخصي والسياسي*

يدرك ترامب أن لحظة ترك البصمة لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. ومع تقدمه في العمر، تبدو هذه المرحلة، في وعيه السياسي، أقرب إلى فرصة أخيرة لفرض أثر تاريخي كبير، حتى لو جاءت كلفته باهظة على التوازنات التقليدية التي حكمت الولايات المتحدة والنظام الدولي لعقود.

*رابعًا: الخلاصة*

*هل هناك عقلانية خلف هذا الجنون الظاهر؟*

ما يفعله ترامب لا يبدو عبثيًا إذا قُرئ من داخل منطقه هو. لكنه ليس تعبيرًا عن عقلانية مؤسسية بالمعنى التقليدي، بل عن عقلانية نفعية خشنة، تقيس النجاح بمدى القدرة على إخضاع الآخرين، وانتزاع التنازلات، وتحويل السياسة إلى مسرح دائم لإعادة تثبيت المركز الشخصي للرئيس. وبهذا المعنى، لا يريد أن يُذكر كرئيس عادي، بل كمن أعاد تعريف معنى القيادة الأمريكية ذاتها.

لذلك لا تكون “لعبة النهاية” عنده مجرد سلسلة مناورات ظرفية، بل مشروعًا أوسع لإعادة تعريف العلاقة بين القوة والشرعية، وبين التحالف والكلفة، وبين الدولة وصورة الحاكم. فهو لا يدير العالم من داخل المؤسسة بقدر ما يسعى إلى إخضاع المؤسسة نفسها لمنطق العرض والضغط والولاء الشخصي.

وبذلك لا يعود السؤال الأهم: هل سينجح ترامب في فرض منطقه على خصومه وحلفائه؟ بل: ماذا يتبقى من النظام الدولي نفسه إذا تحولت الفوضى إلى أداة حكم، والابتزاز إلى قاعدة تفاوض، والشخصنة إلى بديل عن المؤسسة؟

ولقراءة خطوته التالية، لا يكفي الإصغاء إلى تصريحاته، بل يجب النظر إلى ما يكشفه سلوكه في اللحظة نفسها: من يبتزه علنًا، ومن يمدحه فجأة، وأي قضية تختفي من الواجهة من دون تفسير. ففي عالم ترامب، لا يكون التصريح دائمًا موقفًا نهائيًا، بل قد يكون سعرًا افتتاحيًا للمساومة، أو غطاءً لصفقة تُصاغ بعيدًا عن الأضواء.

غير أن قيمة أي إطار تحليلي لا تُقاس بقدرته على تفسير النوايا المجردة، بل بقدرته على الصمود حين يُختبر على الملفات الأكثر حساسية. وإذا كان هذا الجزء قد انشغل بتفكيك منطق ترامب وأدواته وغاياته، فإن الجزء التالي ينتقل من مستوى الفرضية إلى مستوى التطبيق، ليرى كيف تعمل هذه الآلية في ثلاث ساحات كبرى: إيران، والخليج، وأوروبا. هناك فقط سيتضح أن كانت الفوضى مجرد أسلوب، أم أنها بالفعل لغة حكم وأداة لإعادة ترتيب العالم.

bitalmakki@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى