الصمت الذي يحمي الوطن
حين تصبح الكلمة مسؤولية… لا حقًا مطلقًا

بقلم/ الفريق أول يحي محمد خير احمد
في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة أخطر من الرصاصة، وأسرع انتشارًا من النار في الهشيم، لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتعبير الحر، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها العواطف مع التحليلات، والآراء مع التوقعات، والحقائق مع الإشاعات… حتى أصبح الوطن كله معرضًا لخطر “الفوضى المعلوماتية”.
ومن هنا تأتي أهمية ما أُفيد عن صدور توجيهات من السيد رئيس الأركان بمنع النشر والتعليق في الوسائط المختلفة لكل الضباط والرتب الأخرى.
قد يرى البعض أن القرار تقييد، لكن من يقرأ المشهد بعين الوطن يدرك أنه ليس تقييدًا بقدر ما هو حماية، وليس منعًا بقدر ما هو تحصين للأمن القومي.
عهد الوسائط… حين تكلم الجميع في كل شيء.
في السنوات الأخيرة انتشر ما يمكن وصفه بـ “مرض الوسائط”، حيث أصبح كل شخص يكتب ويحلل ويستنتج ويتنبأ، وكأن القضايا العسكرية شأن يومي قابل للتداول مثل أخبار الرياضة أو الفن أو المجالس الاجتماعية.
لكن الحقيقة أن الشأن العسكري ليس موضوعًا عامًا للنقاش المفتوح، لأن الجيش ليس مؤسسة عادية، بل هو الدرع الذي يحمل الدولة على كتفيه، وهو الجهة التي إذا ضعفت ضعف معها الوطن كله.
ولهذا فإن الحديث عن تفاصيل الجيش، أو نشر أي معلومات تخصه، لا يمكن أن يُترك للعاطفة أو الاجتهاد الشخصي، مهما كانت النوايا طيبة.
توجيه رئيس الاركان يجب أن يتحول إلى ثقافة وطنية
والحق أن هذا التوجيه لا ينبغي أن يقتصر على الضباط والرتب الأخرى فقط، بل من الأفضل أن يصبح وعيًا عامًا يشمل كل سوداني حادب على أمر الوطن.
فالمسائل العسكرية لا تخضع لحرية التعبير بمعناها المتداول، لأنها ترتبط مباشرة بمصير المعركة، وأمن الجنود، وسلامة الخطط، وحماية الأرواح.
ليس مطلوبًا من المواطن أن يصمت عن قضايا الوطن، لكن المطلوب أن يميّز بين ما يُقال في السياسة والاقتصاد، وبين ما يُقال عن الجيش وتحركاته وخططه.
الإعلام حق… ولكن ليس بلا حدود.
لا أحد ينكر أن للإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الوعي العام، وأن له الحق في تناول القضايا الوطنية، بل ومراقبة أداء الدولة ومؤسساتها.
لكن حين يصل الأمر إلى القوات المسلحة، تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن أي كلمة غير محسوبة قد تتحول إلى معلومة مجانية تقدم للعدو دون قصد.
بعض الإخوة الإعلاميين يعتقدون أن من حقهم الكتابة في كل شيء، وقد يكون لديهم من الخبرة والقدرة ما يجعلهم يفرقون بين ما يفيد وما يضر.
غير أن المشكلة ليست في نوايا الكاتب، بل في طريقة قراءة العدو لما يُكتب.
فالعدو لا يتعامل مع المنشورات كما يتعامل معها المواطن البسيط، بل يقرأها بعقل استخباراتي، ويجمع التفاصيل الصغيرة ليصنع منها صورة كبيرة.
تفاصيل صغيرة… ونتائج كبيرة..
في الأسبوع الجاري انتشرت كشوفات المعاشات والتنقلات، وصور لبعض المترقين والمعاشين، بل وصور لاحتفالات تخص المنقولين.
وقد يرى البعض أن الأمر لا يتعدى كونه توثيقًا أو فرحة شخصية أو تهنئة مستحقة.
لكن في زمن الحرب، لا توجد تفاصيل بريئة.
فالأسماء، والرتب، والتنقلات، وتوقيتات القرارات، وأماكن الاحتفالات، كلها تحمل دلالات يمكن أن يستفيد منها الخصم، وقد تؤدي إلى نتائج عكسية تمس خطط الجيش وتقديراته وتحركاته.
إننا أحيانًا نكشف ما يجب أن يبقى مكتومًا، وننشر ما لا يجب أن يخرج من دائرة المؤسسة.
نكتب للمعنويات… ولكن بوعي وتنسيق
نعم، من الضروري أن نكتب ما يرفع الروح المعنوية للضباط والجنود، وأن نظهر تقدير الشعب لتضحياتهم، وأن نحارب الإحباط والشائعات.
لكن هذا يجب أن يتم ضمن حدود واضحة، وبالتنسيق مع الجهات المختصة مثل التوجيه المعنوي أو اللجان الإعلامية ذات الصلة بالحرب النفسية والتضليل، لأن المعركة ليست مواجهة بالسلاح فقط، بل مواجهة بالعقل والمعلومة والتوقيت.
فليس كل ما يُنشر دعمًا يكون دعمًا، وليس كل ما يبدو إيجابيًا يكون في مصلحة الوطن.
مدرسة الصمت… هيبة القادة
ومن أجمل ما يميز المؤسسة العسكرية في تاريخها أن كبار القادة، خاصة من هيئة الأركان، كانوا ولا زالوا يلتزمون الصمت الإعلامي، لا ضعفًا ولا خوفًا، بل التزامًا بمبدأ الهيبة والانضباط.
ويُروى في أيام الانتصارات الكبرى ضد التمرد بقيادة جون قرنق، أن صحفيًا بارزًا طلب تصريحًا من أحد كبار القادة في العمليات، فاعتذر له القائد بأدب قائلاً:
“نحن ما بنصرح في الاحتفالات… تصريحاتنا في الميدان.”
تلك العبارة ليست مجرد رد، بل هي فلسفة كاملة تقول إن الجيش لا يثبت نفسه بالكلمات، بل بالفعل والانضباط.
تاني يوم كتب الصحفي في صفحته الاولي وبالخط العريض
النائب عمليات يصرح (تصريحاتنا في الميدان).
قمة الذكاء من القائد والصحفي.
المعرفة على قدر الحاجة
هناك مبدأ أصيل في القوات المسلحة:
المعرفة على قدر الحاجة.
وهو مبدأ لا يتغير مهما تبدلت الظروف، لأن الحروب تُكسب أحيانًا بالمعلومة التي لم تُنشر، وبالخطة التي لم تُكشف، وبالصمت الذي منع تسرب الأسرار.
ومن هنا فإن المطلوب من الجميع أن يدركوا أن الثقة في الجيش ليست مجرد شعار، بل ضرورة وطنية، وأن حماية المؤسسة العسكرية تبدأ من حماية أسرارها.
اكتبوا عن الفساد… وعن العنصرية… ولكن لا تفتحوا أبواب الجيش
اكتبوا عن الفساد، لأنه من أكبر أسباب سقوط الأمم.
اكتبوا عن العنصرية والجهوية، حتى ننتبه ونبتعد عنها، عملاً بقوله تعالى:
“وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”
صدق الله العظيم.
اكتبوا عن العدو وكشف جرائمه، اكتبوا عن معاناة الناس، اكتبوا عن وحدة الوطن…
لكن لا تجعلوا الجيش مادة للنشر العشوائي، ولا تفتحوا أبواب المؤسسة العسكرية أمام فضول الوسائط.
خاتمة: الصمت هنا وطن
في هذا الزمن، الصمت ليس تراجعًا، وليس انكسارًا، وليس خوفًا.
الصمت أحيانًا هو أعلى درجات الانتماء.
فالذي يحب السودان حقًا، لا يسبق جيشه إلى أسراره، ولا يمنح العدو ما يبحث عنه، ولا يجعل من هاتفه نافذةً تُطل منها المخاطر على الوطن.
إن حماية القوات المسلحة تبدأ من حماية معلوماتها،
وحماية المعلومات تبدأ من وعي الناس.
الصمت هنا… ليس سكوتًا.
الصمت هنا… حراسة للوطن.
ماصدر من السيد رئيس الأركان الفريق أول ياسر العطا ليس توجيهات انها أوامر واجبة النفاذ.



