التوتر مع إثيوبيا ونظرية الطرف الثالث  

بقلم/ د. خالد حسين محمد

واضح أن التآمر الإماراتي عبر إثيوبيا هو تآمر ثلاثي جمع بين الإمارات وإثيوبيا وإسرائيل.

الهدف الآني من التصعيد الحالي هو إيجاد مصدر إمداد بديل للدعم السريع بعد أن أُغلقت معظم طرق الإمداد، والهدف الثاني هو إيقاف تحرك الجيش وتمددِه لمنعه من إنهاء التمرد. ولربما كان الهدف الأكبر هو استفزاز السودان للدخول في حرب مباشرة مع إثيوبيا. وهنا تبدو نظرية الطرف الثالث، خاصة مع وجود إسرائيل والإمارات في المشهد، ويعزز ذلك أن مصلحة الطرفين، السودان وإثيوبيا، تؤكد استبعادهما لخيار المواجهة، على الرغم من العداء التقليدي والمستمر بين البلدين.

 

كما أن تعامل الطرفين مع الأزمة يؤكد عدم رغبتهما في التصعيد، وحرصهما على إدارة الخلاف بصورة مسيطر عليها كما سنرى.

 

وهنا لا بد من الانتباه إلى أن تكون إدارتنا لمعاركنا وفق الأهداف الاستراتيجية، لا بردود الأفعال؛ فعندما نتصرف بردود الأفعال نحقق إما ما يريده العدو أو ما يريده الطرف الثالث.

 

الهدف الاستراتيجي واضح بالنسبة للسودان، وهو عدم الدخول في حرب مباشرة مع إثيوبيا مهما كانت الاستفزازات، وهو ما أدركته القيادة، ولذلك يجري العمل على إدارة المعركة مع إثيوبيا وفق المنظور الاستراتيجي.

 

ويعمل العدو، أو الطرف الثالث على وجه التحديد، بعدة وسائل لإشعال المواجهة بين إثيوبيا والسودان، ومن ذلك:

 

أولًا:

إطلاق المسيّرات من داخل الأراضي الإثيوبية، وكان المخطط أن يتم الرد السوداني على هذا الاستفزاز بعمل مباشر، بحيث يكون ذلك مبررًا لتدخل الطرف الثالث مباشرة أو عن طريق وكلاء، وما أكثرهم، فتتحقق هزيمة الجيش السوداني الذي عجزوا عن هزيمته عبر بندقية حميدتي.

 

ثانيًا:

أن يحدث الاستفزاز عن طريق الإعلام، وذلك بنشر أخبار مضللة تزيد من درجة التوتر، ثم يُعاد تكرارها حتى يتوهم الناس أن الكذبة أصبحت حقيقة، فيقع الاستفزاز ويتحقق المطلوب. وللأسف، فإن كثيرًا من إعلاميينا ينساقون وراء هذا المخطط، فيصبحون أحد أدوات إنفاذ مخطط العدو.

 

ومثال ذلك امتلاء الأسافير بأخبار طرد السفير السوداني من أديس أبابا، عبد الغني النعيم، وتبع ذلك إعلان بأن الحكومة السودانية أمهلت البعثة الإثيوبية 72 ساعة لمغادرة الخرطوم، وأن الحكومة السودانية أغلقت الأجواء في وجه حركة الطيران الإثيوبي. ثم اشتط الخيال، وتبارى المحللون وكتاب الأعمدة والمقالات في تعداد الخسائر الإثيوبية الضخمة التي نتجت من قفل سماء الخرطوم، والحديث عن أن إثيوبيا ستنهار من المجاعة نتيجة قفل الحدود السودانية.

 

وهكذا يصبح الداعمون للجيش أحد أدوات العدو من غير أن يدركوا. وللتدليل على ذلك، أورد بعض العناوين لبعض المواقع في يوم واحد، حيث سارت كلها في الاتجاه نفسه:

 

– Facebook خمسينية اقتصاد: إثيوبيا تعلن طرد سفير السودان.

– Facebook إثيوبيا: إثيوبيا طرد السفير السوداني بأديس أبابا.

– سودانيات: إثيوبيا تطرد سفير السودان الدبلوماسي عبد الغني النعيم.

– الحاكم نيوز: إثيوبيا تطرد سفير السودان لدى إثيوبيا.

– سودان فاكس: إثيوبيا تطرد السفير السوداني / تصعيد دبلوماسي خطير.

 

وكل هذا مع أن الواقع غير ذلك:

 

(أ) أن السفير عبد الغني ما زال سفيرنا في السنغال، وأن الحكومة رشحته خلفًا للسفير الزين إبراهيم الذي انتهت فترة عمله في إثيوبيا.

 

(ب) كانت إثيوبيا قد قبلت بترشيح السفير عبد الغني، ثم عادت ورفضت هذا الترشيح، وهذا أمر معلوم ويحدث في الممارسات الدبلوماسية.

 

(ج) يأتي السؤال هنا: لماذا عادت إثيوبيا ورفضت ترشيح السفير عبد الغني؟ وهل هذا مرتبط بحالة التوتر التي ظهرت بين البلدين؟

 

في تقديري، وليس معلومة، أن سبب رفض إثيوبيا للسفير عبد الغني يعود إلى كلمته أمام الجالية السودانية في السنغال، التي نظمت وقفة تضامنية مع السودان بالتعاون مع السفارة السودانية في السنغال وبمشاركة منتدى الفكر والثقافة والتنمية، للتضامن مع الشعب السوداني في الأسبوع الأول من مايو الجاري. وقد استمعت إلى هذه الكلمة، وأشار السفير فيها إلى دولة جارة من غير أن يسميها، في إشارة إلى إثيوبيا. وفي تقديري أن إثيوبيا استمعت إلى هذه الكلمة، فسحبت قبول الترشيح.

 

(د) أن خبر إمهال بعثة إثيوبيا 72 ساعة لمغادرة الخرطوم غير صحيح، وكذلك خبر إغلاق الحدود والأجواء السودانية في وجه الطيران الإثيوبي غير صحيح. ويؤكد ذلك أن صفحة تحديثات الخطوط الإثيوبية لم تذكر حظرًا سودانيًا ضدها، وما زالت تطرح التذاكر للحجز إلى السودان.

 

ثالثًا:

عودة أمريكا داعمة لأبي أحمد. فقد جاء في الأخبار أن أمريكا رفعت الحظر الأمريكي الجزئي عن تسليح إثيوبيا. وكان قرار الحظر قد صدر في عام 2021م، وكان عبارة عن قيود وسياسة رفض مرتبطة بحرب التقراي. وهذه الخطوة تحمل ثلاث رسائل:

 

1. إعادة فتح التعاون الدفاعي مع إثيوبيا.

2. تريد أمريكا إعادة التموضع في الملف الإقليمي بعد سنوات من التوتر مع أديس أبابا.

3. تريد أمريكا إدارة نفوذها عبر الشراكة المشروطة بدلًا من العزل الكامل.

 

وفي الوقت نفسه طلبت من إثيوبيا عدم التدخل في الشأن السوداني، ومن ذلك نقرأ أن هناك ضوءًا أخضر من أمريكا لأبي أحمد، بالتنسيق مع الإمارات، تجاه السودان. كما أن في ذلك إشارة لأبي أحمد بأن أمريكا، كما أنشأت الرباعية التي تضم الإمارات لإخراج الإمارات من دائرة الاتهام إلى دائرة الوسيط، يمكنها كذلك أن تفعل الشيء نفسه مع إثيوبيا، بإخراجها من دائرة الاتهام إلى دائرة الوسيط.

 

ويؤكد ما ذهبنا إليه ما أعلنه مسعد بولس، بأنه ناقش مع وزير الخارجية الإثيوبي، الذي يزور واشنطن، أن يعمل مع إثيوبيا لإعلان هدنة إنسانية في السودان، مع توفير ممرات إعانة للإغاثة، وصولًا إلى إشراك قوى مدنية في السلطة.

 

وكذلك يمكن أن نقرأ التقارب الأمريكي الإثيوبي مقرونًا بالتوتر الأمريكي مع أريتريا. ففي عام 2021م كانت أريتريا داعمة للتقراي ضد أبي أحمد، وكذلك أمريكا. لذلك كانت أمريكا قد فرضت حظر السلاح على إثيوبيا، ومع تحركات التقراي الأخيرة، فلا شك أن أريتريا ستدعم التقراي. ويبدو أن أمريكا قد حسمت أمرها داعمةً لإثيوبيا ضد أريتريا والتقراي، وذلك يوضح أن أمريكا مع مصالحها؛ فعدوها اليوم قد يصبح صديقها غدًا.

 

– الأخبار تشير إلى دخول التقراي في مواجهة مع النظام الإثيوبي، إضافة إلى الأمهرا والأورومو، مع قيام مظاهرات ضد نظام أبي أحمد. ومن ذلك نقرأ أن هناك مؤشرات على توتر داخلي واسع في إثيوبيا، تشمل احتجاجات وقيودًا على الفضاء المدني وعمليات إخلاء قسري.

– وهناك قابلية لتدهور الوضع إذا اتسعت المواجهات في التقراي والأمهرا، وهو الراجح في الأيام المقبلة.

 

ومما يطمئن أن الحكومة منتبهة تمامًا لما يجري وما يُخطط له، وأن أولوياتها وأهدافها الاستراتيجية هي هزيمة التمرد، الذي أصبح قاب قوسين، بعد الانشقاقات المؤثرة التي تطاله. لذلك فهي تدير أزمتها مع إثيوبيا وفق تصعيد منضبط، فقامت بالآتي:

 

1. استدعاء السفير السوداني في أديس أبابا، الزين إبراهيم حسين، وهي صورة من صور الرسائل الدبلوماسية في إدارة الأزمات.

 

2. اللقاء الذي تم بين أبي أحمد ونائب رئيس مجلس السيادة السوداني مالك عقار، بوساطة من الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيله، خلال الاحتفال بمناسبة تنصيبه للفترة السادسة.

– لم تفصح السلطات السودانية ولا الإثيوبية عن بيان مفصل عما تم، ووصفت المخرجات بأنها تهدئة ميدانية وفتح قناة اتصال مباشر مع نائب رئيس مجلس السيادة.

– ربما يشير قبول أبي أحمد الجلوس مع عقار إلى رسالة تفيد بعدم تبني سياسة عدائية مفتوحة في المرحلة الراهنة، بما يرجح وجود طرف ثالث يعمل على تصعيد الموقف مع السودان.

– طبيعة اللقاء المغلقة، وعدم تزامنه مع تصريحات رسمية أو مؤتمر صحفي، يشيران إلى أن الطرفين يلتزمان درجة من الحذر ويفضلان التفاهم الهادئ بعيدًا عن الإعلانات.

 

3. بدأ السودان كذلك في إعداد شكوى لمجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، مع إدراكه لعدم فعالية ذلك في ضوء التجارب السابقة مع مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي. ولذلك نقرأ مما سبق:

– أن الطرفين يديران الأزمة بينهما وفق تصعيد منضبط، ولا يرغبان في المواجهة العسكرية.

– أن ما يحدث من استفزازات يرجح وجود طرف ثالث.

– أن الوضع في إثيوبيا مرشح للانفجار، لذلك على السودان أن يدرك ذلك ويترك الأمر للشعب الإثيوبي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى