أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

بقلم/ دكتور مزمل سليمان حمد
مجزرة الخدمة المدنية: كيف تحاول لجنة التقليص ذبح 11 هيئة سيادية وقتل قانون الهيئات العامة في السودان
في لحظةٍ تاريخية لا تحتمل العبث ولا الارتجال، وبينما ينتظر السودانيون مشروعاً حقيقياً لإنقاذ الدولة من آثار الحرب والانهيار الاقتصادي والتفكك الإداري، تخرج علينا اللجنة الفنية لحصر العاملين بالحكومة الاتحادية بتقريرٍ صادم يوصي عملياً بتجريد الدولة السودانية من عمودها الفقري، وبتنفيذ واحدة من أخطر عمليات التفكيك الإداري في تاريخ السودان الحديث.
التقرير لم يتحدث عن إصلاح الخدمة المدنية، ولم يطرح رؤية للنهوض بالمؤسسات، ولم يناقش كيف يمكن إعادة بناء جهاز الدولة بعد الخراب الذي ضربه خلال السنوات الماضية، بل ذهب مباشرة إلى أخطر الخيارات وأكثرها تدميراً: تقليص العاملين، وتسريح الكفاءات، وتفريغ المؤسسات السيادية والخدمية من خبراتها البشرية، وكأن الأزمة الحقيقية في السودان هي وجود الموظفين، لا انهيار الاقتصاد، ولا الفساد، ولا سوء الإدارة، ولا العبث السياسي الذي أوصل البلاد إلى هذه المرحلة الكارثية.
الأخطر أن الأمر لا يتعلق بوحدات هامشية أو إدارات صغيرة يمكن إعادة هيكلتها بهدوء، بل باستهداف مباشر لما يقارب إحدى عشرة هيئة ومؤسسة سيادية تمثل شرايين الدولة السودانية وبنيتها الفنية والخدمية والتقنية. الحديث هنا يدور حول الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وهيئة البث، والطيران المدني، وسودانير، والسكة الحديد، والطرق والجسور، والإمدادات الطبية، والمصادقة الإلكترونية، وأسواق المال، وغيرها من المؤسسات التي تمثل الذاكرة المهنية والخبرة الفنية المتراكمة للدولة السودانية.
هذه ليست وظائف عادية تُدار بعقلية “الكشف المالي” ولا مؤسسات يمكن التعامل معها بمنطق الجداول الباردة وتقارير التقليص. هذه مؤسسات تقوم على الخبرة التراكمية والتخصص الدقيق والتأهيل طويل الأمد. مهندس الطيران لا يُستبدل بقرار إداري، وخبير البث والهندسة الإذاعية لا يُعوَّض بحوافز مؤقتة، والكفاءات الفنية في السكة الحديد أو الإمدادات الطبية أو أنظمة المصادقة الإلكترونية ليست أرقاماً يمكن شطبها ثم استدعاؤها متى شاءت الدولة.
تفريغ هذه المؤسسات من كوادرها يعني ببساطة إعلان إفلاس الدولة في إدارة إعلامها القومي، وأمنها الجوي، وشبكة نقلها، وخدماتها الصحية والدوائية، وبنيتها التقنية. أي دولة محترمة في العالم تبني مؤسساتها عبر عقود طويلة من التدريب والتراكم والخبرة، بينما نحن في السودان نسمح بأن تهدمها لجنة فنية خلال أسابيع قليلة، بلا رؤية استراتيجية، ولا دراسة حقيقية، ولا حتى إدراك لخطورة ما يُطرح.
الكارثة الأكبر أن هذا التقرير لا يستهدف العاملين وحدهم، بل يوجه ضربة مباشرة لقانون الهيئات العامة لسنة 2010 وتعديلاته، وهو القانون الذي أُنشئ أساساً لحماية استقلالية الهيئات ذات الطابع الفني والخدمي من المزاج السياسي والتدخلات الارتجالية، ولضمان استمرارها وفق أسس مهنية مستقرة.
فلسفة “الهيئة العامة” في الأصل قامت على أن بعض القطاعات الحيوية لا يمكن إدارتها بعقلية الوزارة التقليدية، لأنها تحتاج إلى استقلال إداري وفني ومالي نسبي، وإلى كوادر متخصصة، وإلى استقرار وظيفي يضمن تراكم الخبرة والمعرفة المؤسسية. ولذلك، فإن أي تدخل يهدف إلى تقليص هذه المؤسسات دون الرجوع إلى مجالس إداراتها وخبرائها والجهات الفنية المختصة، هو عملياً نسف لروح القانون نفسه وإعادة للدولة إلى مرحلة الفوضى الإدارية وما قبل الدولة المؤسسية.
أي منطق هذا الذي يساوي بين مهندس طيران قضى عشرين عاماً في التدريب والخبرة وبين وظيفة إدارية يمكن تعويضها بسهولة؟ وأي لجنة هذه التي تتعامل مع الطيران المدني والسكة الحديد وسودانير والإذاعة والتلفزيون وكأنها مكاتب خدمات عادية يمكن تخفيض موظفيها بقرار فوقي معزول؟
الأدهى من ذلك أن التقرير نفسه يعترف، بصورة تكاد تكون إدانة مكتوبة، بمخاطر فقدان الكوادر المؤهلة، وبالعجز المالي عن تنفيذ المشروع، وبالآثار النفسية والاجتماعية الكارثية التي قد تترتب عليه في ظل الظروف الحالية. فإذا كانت اللجنة تدرك كل هذه النتائج الكارثية ثم تواصل الدفع نحو التقليص، فإما أنها عاجزة عن فهم ما تكتب، أو أنها تمضي عمداً في مشروع تدمير منظم لما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية.
من الناحية القانونية والإدارية، فإن ما جرى يمثل تجاوزاً واضحاً لاختصاصات مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية. وزارة التنمية البشرية والعمل ليست جهة مخولة قانوناً بإصدار قرارات تسريح جماعي أو تقليص هيكلي للعاملين في الخدمة المدنية الاتحادية. دورها تنظيمي وإشرافي وفني، أما قرارات التقليص الهيكلي فتخضع لإجراءات سيادية وإدارية معقدة تمر عبر مجلس الوزراء وديوان شؤون الخدمة المدنية ووزارة المالية، ووفق ضمانات قانونية وتشاورات واسعة مع النقابات وممثلي العاملين.
لكن ما حدث هو محاولة واضحة لدفع وزارة العمل إلى واجهة القرار، بينما تُدار العملية الحقيقية خلف الكواليس بعيداً عن تحمل المسؤولية السياسية المباشرة. والسؤال المشروع هنا: من الذي طبخ هذا المشروع؟ ومن الذي قرر أن تتحول وزارة العمل، التي يُفترض أن تكون حارساً لحقوق العاملين، إلى منصة لإثارة الذعر وسط عشرات الآلاف من الأسر السودانية؟
ثم يأتي الغياب الكامل لاتحاد عمال السودان والنقابات المهنية وممثلي العاملين ليكشف حجم الخلل والانفراد الذي أُديرت به هذه العملية. فالسودان ملتزم باتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 144 الخاصة بالمشاورات الثلاثية، كما أن قانون النقابات السوداني يلزم بالتشاور في القضايا التي تمس حقوق ومصالح العمال. ولذلك، فإن أي قرار بهذا الحجم يُتخذ في غرف مغلقة دون مشاركة أصحاب المصلحة الحقيقيين، لا يمكن اعتباره إصلاحاً إدارياً، بل استهتاراً بدولة القانون وحقوق الإنسان والعدالة المؤسسية.
والأكثر إيلاماً أن كل هذا يحدث في ظل استمرار ظاهرة “العمل بمن حضر” التي نشأت بعد حرب أبريل 2023، وتحولت تدريجياً من إجراء استثنائي مؤقت إلى أداة احتكار وإقصاء واستفراد بالمؤسسات. لقد استأثرت مجموعات محددة بالمشهد الإداري داخل بعض الهيئات، وسيطرت على الوظائف والامتيازات والقرارات، بينما تُرك آلاف العاملين النازحين خارج المشهد بلا رواتب ولا حقوق ولا حتى اعتراف بمعاناتهم.
وفي الوقت الذي كانت فيه الدولة مطالبة بإعادة الاعتبار لهؤلاء العاملين الذين شردتهم الحرب، وفتح أبواب المؤسسات أمام جميع أبنائها، جاءت هذه اللجنة لتكمل ما بدأته ظروف الحرب، ولتمنح الإقصاء غطاءً إدارياً وقانونياً جديداً تحت لافتة “التقليص” و”الإصلاح”.
ومن أكثر المفارقات إيلاماً أن مجلس الوزراء نفسه الذي يتحدث اليوم عن تخفيض العاملين هو ذاته الذي أصدر قرارات “توفيق الأوضاع”، والتي تحولت في كثير من الحالات إلى باب واسع للصرف والامتيازات والاستفادة لفئات محددة داخل بعض المؤسسات، بينما ظل آلاف العاملين الآخرين خارج دائرة الاهتمام والإنصاف.
إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بطرد الخبرة ولا بتخويف الموظفين، بل يبدأ بمحاربة الفساد، وتعزيز الحوكمة، وإعادة هيكلة المؤسسات على أسس علمية، وإدخال الأتمتة والتقنيات الحديثة بصورة تدريجية ومدروسة، وتحسين بيئة العمل، ورفع كفاءة العاملين، وخلق فرص إنتاج حقيقية خارج الخدمة العامة.
أما أن تبدأ الدولة مشروعها الإصلاحي بإثارة الرعب وسط موظفيها، وتسريح من تبقى من الكفاءات الوطنية، فذلك ليس إصلاحاً، بل وصفة مكتملة لتفكيك ما تبقى من مؤسسات الدولة السودانية.
ولهذا، فإن هذه اللجنة لا تستحق الإشادة ولا المكافأة، بل تستحق المساءلة السياسية والقانونية والأخلاقية. وعلى وزارة التنمية البشرية والعمل أن تتراجع فوراً عن هذا التقرير، وأن تعتذر للعاملين وأسرهم، وأن توضح للرأي العام حقيقة الأهداف الكامنة خلف هذه الخطوة الخطيرة.
كما أن على رئيس مجلس الوزراء ووزير المالية أن يدركا أن السودان لا يحتمل مزيداً من المغامرات الإدارية المرتبكة في هذا التوقيت الحرج، وأن أي حديث عن تقليص العمالة الآن لن يقود إلا إلى مزيد من الاحتقان، والفوضى المؤسسية، وفقدان الثقة نهائياً في مؤسسات الدولة.
الدولة التي تريد النجاة لا تبدأ بتهديد موظفيها، بل تبدأ بإصلاح اقتصادها، واستعادة كفاءاتها المهاجرة، ومحاربة الفساد، وإعادة بناء الخدمة المدنية على أساس الكفاءة والعدالة لا الشللية والنفوذ.
وما لم يحدث ذلك، فإن هذا التقرير سيُذكر في التاريخ لا باعتباره مشروع إصلاح، بل باعتباره وثيقة إدانة لمحاولة قتل الدولة السودانية بيد أبنائها.
///////////////



