الفضيحة

مبنى ومعنى
بقلم/ عثمان الشيخ الأُسيد
يتكلم يوسفُ بنبرةِ غضبٍ واحتجاج على ما يمارسه بعضُ أبناءِ السودان في هذه الفترة، فترة اللجوء خارج الوطن، من تصرفاتٍ تُثيرُ الاستياءَ، مثل حفلاتِ الغناءِ والطربِ والرقصِ، في الوقتِ الذي تعاني فيه البلادُ ويعاني العبادُ من ويلات الحرب. ويشكي يوسفُ من فضيحةِ ترحيل بعضِ اللاجئين من بعض الدول التي لجأوا إليها بترحيلهم قسرًا إلى السودان. قال يوسفُ: ما كنتُ أظنُّ أننا بهذه الدرجةِ من السوءِ! والله إنها الفضيحة. قلت له: أولًا، لا تحلف.ثانيا، سمي الأشياءَ بمسمياتِها، ليس هناك فضيحةٌ ولا يحزنون وليس هناك احد في العالم ينظر لهذا السلوك على انه فضحية غيرُنا.
مفردة (فضحية) تعشعش في عقولنا نحن السودانيين، لأنَّ كل شيءٍ عندنا خطٌ احمر، منذ طفولتِنا لم نسمع غير ( لا،،، عيب،،، ممنوع حرام،،،غلط) نشأنا على هذه الثقافة، ثقافةِ الممنوع والعيب والحرام والغلط، فاصبحنا ننظر للأمورِ بحساسيةٍ مفرطة، حتى صرنا مجتمعًا معقدًا، الفرد منَّا مترددٌ، يَصعُبُ عليه اتخاذَ قرارٍ. نسمى الإبداعَ فضيحةً والجرأةَ وقاحةً، والشجاعةَ تهورًا والاعتذارَ عيبًا وجبنا، والذكاءَ مكرًا، والاقتصادَ بخلًا الإسراف كرمًا. الفردُ منَّا في حالةِ انتظارٍ دائمٍ لشيءٍ ما سوف يحدث، ما هو هذا الشيء، ومن الذي سوف يُحدثه؟ الله أعلم، المهم أنّه لست أنا.
إستغرب يوسفُ، وقال لي: وهل انت ترى أن كلَّ ما يحدُثُ الآن مجردَ تصرفٍ عادي؟ قلت له: نعم عادي، لأنه عملٌ مكشوفٌ أمام الجميع يُمارسُ علنًا صورةً وصوتا. الفضيحةُ ما يُمارس في الخفاءِ ويخشى فاعلُه أن ينكشفَ أمرُه. الفضيحةُ تعنى كشفَ الاسرار، فما هو السر الذي انكشف؟ الفضيحةُ تعنى جلبَ العار، فما هو العار الذي جلبه علينا الغناءُ؟ قال يوسف: ولكن طريقةَ الممارسةِ وشكلَها غيرُ لائق، قلت له: هذا شيءٌ نسبي (ما يُبطلُ الوضوءَ في المدينةِ، يجرح الصيام في القرية) غير لائقٍ في منظورِنا نحن، أما في نظرِ الغيرِ، ربما يَرَوْنَه متفردًا. قال يوسف: حتى لو كان فيه اختلاط؟ قلت له: ليس كلُّ حرامٍ فضيحةً، وإن تكلمنا بالشرع، فإن كان يرى الناس أنَّ في الأمرِ مخالفةً شرعيةً، وجبت عليهم النصيحةُ بالسر والستر عليه، وليس الإتهام، أما التشهيرُ والنشرُ في الميديا، فهذا هو الحرام، بل هو إثمٌ كبير. قال يوسف: هذه هجمةٌ مرتدةٌ خطيرة، جعلتني في موقف المدافع، و قد يكون كلامُك منطقيًا، لكن التوقيتُ غيرُ مناسب، قلت له تقصد وقت الحرب؟ قال: نعم. قلت له: يا سيِّد يوسف، الأصل في الترفيه والترويح عن النفس الإباحة، بل قد يكون مستحبًا لتخفيف الضغوط، ولدفع السأم وتخفيفِ الخوفِ والتوتر، ورفع الروحِ المعنوية، خاصةً في أوقات الأزمات مثل الحروب، هؤلاء مطربونَ أبدعوا في مجالِهم ولهم جمهورٌ ومعجبون كثر، حتى وسط المقاتلين، النظامين منهم والمستنفرين، لذلك ليس من حقِّك التعبيرُ نيابةً عن الغيرـــ فليُبدع كلُّ إنسانٍ في عمله، المزارعُ في حقله، الجنديُّ في ميدان القتال، الطبيبُ في مستشفاه، اللاعبُ في الملعب، بدلًا من أن نتجهَ كلُّنا نحو النقد. الأعداءُ يريدون لنا ان نوقفَ كلَّ شيءٍ ونعيشَ الحربَ ونلعنَ الظروفَ(البشر لا بحسب ظروفهم و لكن بحسب أفكارهم)
أما الشقُ الثاني في سبب تذمرك، فهو قولك إنَّ الدولَ التي لجأنا إليها تضيِّقُ علينا الإقامةَ وتُطاردنا. قلت له: هذا- أيضًا- مفهومٌ من مفاهيمنا المغلوطة، فما تقومُ به الدولُ تجاه الأجانب إجراءاتٌ طبيعيةٌ تتخذها أيُّ دولةٍ لحمايةِ أمنها القومي وأمنها الجنائي وأمنها الغذائي لمصلحة مواطنيها، ولكن- لأننا لا نفعل ذلك في دولتنا المفتوحة لكلِّ من هبَّ ودبَّ- رأينا غرابةً في هذه الإجراءات وأنها مجرد تضييقٍ لنا وأنَّ فيها إهانة، ولكن- في الواقع- أنَّ الغريبَ هو تعامُلُنا نحن مع الأجانب.
قال يوسف: أنت- دائمًا- تقول من نقلَ المشكلةَ بدون اقتراحٍ للحل أو مبادرة، فهو مجرد مراسل، فما هي رؤيتك؟ قلت له:
*أولا:* ليس هناك فضيحةٌ، ولكن يُوجدُ قصورٌ في تقيمنا للأمور.
*ثانيًا:* علينا أن نخففَ من الايجو، (الأنا) لدينا عالية جدًا، نحن ننظر لأنفسنا كأننا محورَ الكون. ينتابنا الشعورُ المفرطُ بالأهميةِ والغرورِ و حبِّ الذات، نعتقد أن العالمَ يدورُ حولنا، ولا نتقبل النقد. نحن نهتم برأيِ الناسِ فينا، في مكانتنا في ممتلكاتنا، وهذا ما يمنعنا من التطور.
*ثالثأ:* من الخطأ أن نتعاملَ مع الحياةِ بمنطق البعدِ الواحد. يقول مؤلفُ كتابِ (أنماط): الإنسانُ مخلوقٌ ذو عدةِ أبعاد طولًا وعرضًا وارتفاعا، روحًا وعقلًا ووجدانا، ماضٍ وحاضرًا واحلاما، قيمًا ومبادئًا واخلاقا، آراءً ومواقفًا وأفكارا. واختزال كل ذلك في موقفٍ واحد، أو رايٍ واحدٍ، أو خيارٍ واحدٍ، أو ذنبٍ واحدٍ، أو خطأ واحدٍ، ثم الحكمُ عليه- من خلالها- حكمًا قطعيًا وتناسى كلِ أبعاده الأخرى، يعتبر قصورًا في التقييم.
*رابعًا:* تغييرُ طريقةِ التفكير، وهذه مسئوليةُ وزارةِ التربية والتعليم، بوسعها أن تضعَ المناهجَ التي تُساهم في تطويرِ مفاهيمِ الناس، وإزالةِ الاعتقادات القديمة. تطويرُ التعليمِ يحتاجُ إلى كوادرَ مؤهلةٍ متخصصة، ولا مانع من الاستعانة ببيوتات خبرةٍ عالمية، وليس في ذلك أي فضحية.
والله أعلى وأعلم..
//////////////////



