الخرطوم.. عام بعد التحرير في انتظار المبادرات

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وعند قراءة الأخبار المتعلقة بالأداء الحكومي، لا تملك غير أن تعيد البصر كرتين، ليعود إليك خاسئًا وهو حسير من شدة غرابة المحتوى والسلوك الحكومي.

فالمستشار في الحكومة ينهي زيارته الخارجية لإسبانيا شارحًا موقف حكومته في ملفات الحرب والسلام، في ظل وجود وزير خارجية مسمى ومحسوب على طاقم حكومة الأمل، وذات المستشار يعود ليطلق مبادرته لتجميل وجه ولاية الخرطوم، في ظل وجود واليها ووزارة للبنى التحتية ومجلس أعلى للبيئة.

لا أظن بأن النقاش هنا سيكون حول ما علاقة مستشار رئيس الوزراء في حكومة الأمل للشؤون الخارجية بمسألة مبادرات لنظافة وتجميل وتشجير العاصمة الخرطوم، وما هو السند التنفيذي أو الإداري الذي يمنحه هذا الحق، ففي الغالب سيكون هذا مضيعة للزمن في انتظار إجابات لأسئلة منطقية في أجواء فوضوية.

يجب أن يدور النقاش حول أوضاع ولاية الخرطوم وحكومتها، التي تتوزع مسؤولياتها توزيع “المرارة” بين المسؤولين السياديين والتنفيذيين في المستويات الأعلى، وهي لا تفعل شيئًا سوى الترحيب بكل ما من شأنه أن يعفيها من أعباء هي في إطار مسؤولياتها المباشرة.

الخرطوم، على القبح الذي كان فيها قبل الحرب من تشوه بصري وبيئي وسوء في التخطيط العمراني، فإن الحرب كانت قد سلبتها كل شيء، بحيث إنها عادت تفتقر لأبسط ما يؤهلها لتسمى بمدينة شأنها شأن العواصم حولها. ومن الجيد أن يتم الاهتمام بأمر استعادتها لجمالياتها وكنس آثار الحرب والدمار عبر مشروعات الإصحاح البيئي والتشجير والنظافة، إلا أن السيد الوالي المكلف بإدارة شؤونها لم يسمع قط بهندسة وإعادة هندسة المدن من قبل، وأنه على القبح الذي جاءت به الحرب، فإن أي عاقل يعرف السيرة الأولى للعاصمة الآن يعتبر بأن من أبواب الخير في هذا الأمر أن نعتبر هذه الحرب هي الفرصة لإعادة تخطيط العاصمة وفق أسس علمية، وهي التي تحتاج إلى ذلك في كل شيء.

في بنيتها التحتية المتعلقة بالخدمات في المياه والكهرباء والطرق والجسور، وتوزيع السكان والخدمات المقدمة إليهم، بالإضافة إلى حاجتها لإعادة التخطيط في توزيع خارطة خدمات الصحة والتعليم وفق منهج علمي مدروس يربط التوزيع السكاني بهياكل الصحة والتعليم بمستوياته، ورسم “بصمة” عمرانية وتصميم هندسي مستقر يرسم هوية المدينة التي تم اختيارها لتكون العاصمة، بدلًا عن الفوضى العمرانية بلا رقيب تلك التي كانت تسود في الخرطوم سابقًا، فأصبحت لا هي “المدينة” التي تشبه المدن في حداثتها، ولا هي “القرية” ببصمتها وسحرها الأخاذ.

لخللٍ ما، سابقًا وحاليًا، في أفق السلطة التنفيذية، يُترك كل هذا الأمر في يد العقلية “الجبائية”، وسقفها المحدود بتجربة “الضباط الإداريين” وخريجي مدرسة التركية السابقة في الجبايات والضرائب، دون أن تكون فكرة العاصمة فيها استلهامًا لأفكار من تجارب مشابهة لعواصم نهضت كمدن من تحت ركام الحروب والدمار.

تتنصل الولاية من مسؤولياتها بحجج الحرب وآثارها، لتفتقد المدينة ومواطنوها الحد الأدنى من مقومات الحياة، والتي كان من الممكن التعامل معها وفق خطة توضع لجداول الأولويات، يقف السيد الوالي في بوابتها المفتوحة للمبادرات والاقتراحات “المقطوعة من الرأس” ليقول باسم حكومة ولايته بأن رقم “1” في أولويات حكومة ولايته، فيما يخص استعادة خارطة الخدمات في المياه والكهرباء والصحة والتعليم، يتقدم على كل القصص “المهببة” و”الهايفة” التي يتسلق بها البعض على أكتاف أحوال الحرب من حفلات و”بازارات”.

كان من الممكن، لو أن الولاية تعرف أبجديات التخطيط، أن تنشئ صندوق دعم لإعادة تأهيل وإعمار العاصمة، يكون هو الماعون الضابط لاستعادة بناء العاصمة وفق خطة مدروسة، وليس عن طريق خبط العشواء الذي نراه الآن بالحديث عن خفض تأثير درجات الحرارة بمشروعات التشجير في جغرافية اسمها الخرطوم، كانت في يوم من الأيام مدينة، والآن عزت عليها خدمات المياه والكهرباء.

هل من المنطقي أن يكون جزء من اهتمامات حكومة الولاية في الوقت الحالي هو استعادة وتأهيل الواجهات السياحية في الخرطوم، بينما ذات المدينة تعاني من تردٍّ مريع في المواعين الصحية والتعليمية والمنشآت المتعلقة بتعزيز حالة الأمن في الولاية؟

مدينة الخرطوم التي عادت إلى حضن الوطن وتم تحريرها قبل نحو عام أو يزيد، تعقد حكومتها اجتماعاتها الآن بشكل قالت إنه عاجل لتطهير المصارف، لا بل وتمهل محلياتها أسبوعين فقط لإنجاز المهام المتعلقة بالاستعداد للخريف، مع العلم بأن الولاية فيها شيء يسمى “المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي”، يتحدث مسؤولوه بمنتهى الفلسفة بأن لا شيء يتم الآن في الولاية دون تخطيط ودراسة من حضرات العباقرة في التخطيط الاستراتيجي، بينما يظل ملف الخريف، على الدوام، قبل الحرب وبعدها، تحت بند “الطوارئ”، على الرغم من أنه أكثر المواسم توقعًا، والأكثر تكرارًا في الكوارث والآثار.

تريد المبادرة ووالي الخرطوم إقناعنا بأن مقاييس المواطن لاستعادة الحياة في ولاية الخرطوم وعاصمة البلاد تعمل وفق مؤشرات استعادة الحياة في الواجهات السياحية، وحملات “التشجير”، وإقامة الحفلات الجماهيرية، وليس من المهم قراءات الخدمات الأساسية من مياه وكهرباء وصحة وتعليم.

ربما تعتقد حكومة المبادرات في ولاية الخرطوم بأن الذي يحول بين المواطنين ووطنهم الآن ومنازلهم هو عدم توفر البيئة السياحية ودور الترفيه والتنزه في العاصمة الخرطوم بالمستوى الموجود والمتوفر في مدن النزوح واللجوء، وأن المظهر الحضاري والجداريات هي التي تعطي المواطن الشعور بالأمن والأمان في الخرطوم.

المبادرات الشعبية أو الرسمية، بالأساس، هي عامل مساعد وليست العامل الرئيسي الذي تعتمد عليه حكومة الولاية، بل إن تنظيم المبادرات وإعادة توجيهها وفقًا للأولويات هو جزء أصيل من مهام حكومة الولاية، وليس التهافت عليها فقط من أجل تحسين الصورة الرسمية لحكومة الولاية وإظهارها بمظهر الجهة الرسمية التي تنجز مهامها، ولأنها بذلك تعمل على ترسيخ مفهوم أن المبادرات والجهد الشعبي هو البديل الموضوعي للجهد الرسمي الحكومي، وأنها البديل لجهاز الدولة.

النظافة وحماية البيئة هي مسؤولية حكومية، وكذلك صيانة الطرق والجسور وتشغيل الخدمات، ولا يجوز بأي حال من الأحوال أن يتحول الواجب الدستوري إلى حملة تطوع.

مواطنو الخرطوم الآن أولوياتهم تبدأ من توفير حياة تضمن سلامة كرامتهم وتشعرهم بأن الحدود الدنيا من مقومات الحياة تتدرج تحت أولويات الحكومة، وأنها تفكر بشكل منطقي وعلمي لاستعادة نبض الحياة في الخرطوم.

في وقت من الأوقات كان من المنطقي أن تكون دفاعات حكومة ولاية الخرطوم ضد مسيرات النقد والتقييم هي المقارنة بين أوضاع الخرطوم وما كانت عليه أيام الحرب وما هي عليه الآن، إلا أن ذلك لن يصبح منطقيًا بعد مرور عام كامل على التحرير، والواقع يقول بأن محلية واحدة من بين كل محليات الولاية تلقى اهتمامًا من حكومة الولاية، بينما الأخريات لا يزلن في صف الانتظار.

طلاء الجدران، وافتتاح دور الترفيه، وخفض درجات الحرارة بمشروعات التشجير التي لم تنجح يومًا في سودان ما قبل الحرب، لا تُحدث أي تغيير في قراءات مؤشرات العودة للمواطنين، ولا مثل هذه القصص يمكن أن تخاطب وجدانهم للعودة، فعقل حكومة الولاية في وادٍ، والمواطنون في وادٍ آخر ليس فيه الآن من أسباب الحياة إلا الأكسجين.

العمل الرسمي المستسلم للمبادرات وعقلية “النفير”، والصعود على أكتاف الجهد الشعبي، بينما يضع هو لافتاته بمسمى حكومة الولاية والمجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي، يحتاج إلى جراحات ومراجعات دقيقة وغير متأثرة بتطفيف الإعلام الرسمي الذي يتاجر بالسردية الرسمية ليشتري الرضا السيادي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى