م. محمد عبد اللطيف هارون يكتب: جذورنا التاريخية القديمة -الجزء 16/2

​كرمة.. من المهد إلى صروح الدفوفة والطقوس الجنائزية

امتداداً لسلسلتنا التاريخية حول إمبراطورية كوش العظيمة التي صاغت وجدان السودان القديم على مدى ثلاثة آلاف عام؛ نخصص هذا الجزء الثاني للإبحار في تفاصيل “مرحلة كرمة” التي امتدت لألف عام من عمر كوش. نكشف في السطور التالية عن الجذور الأولى للهوية الكوشية، والتحول الجغرافي والسياسي نحو الدولة المركزية في السودان القديم. كما نستعرض العبقرية المعمارية المتجسدة في صروح “الدفوفة” الغامضة، ونتتبع تطور الطقوس الجنائزية وعقائد البعث التي ميزت هذا الشعب الأصيل وعكست بيروقراطيته المعقدة من خلال سرد تاريخي موثق ومفصل.

 

​البعد التاريخي والأسماء القديمة لبلاد السودان وكرمة

​يتجلى البعد التاريخي والعمق الحضاري لأرض السودان منذ فجر الطفولة البشرية الأولى، حيث ترك الإنسان القديم بصماته الأثرية في مناطق متعددة تعكس قدم استيطانه في هذه المنطقة الخصبة من وادي النيل. وقد عرفت هذه البلاد في اللغات والمدونات القديمة كالهيروغليفية والإغريقية واللاتينية والعربية بأسماء متعددة تعبر عن طبيعة سكانها وجغرافيتها؛ ومن أقدم هذه المسميات لفظ “تا سيتي” (Ta-Seti) في اللغة الفرعونية القديمة، والذي يعني “أرض القوس” إشارة إلى مهارة سكانها الفائقة في الرماية وصيد السهام، والذين نُعتوا لاحقاً في المصادر العربية بـ “رماة الحدق” في القرن السابع الميلادي، وهو العصر الذي ترسخ فيه اسم “السودان” كترجمة للمفاهيم الجغرافية السابقة. كما أطلق المصريون القدماء لفظ “كاش” أو “كوش” في أواخر الدولة الوسطى (القرن الـ17 قبل الميلاد ونحو 1700 ق.م) للإشارة إلى القبائل القاطنة جنوب الشلال الثالث، بينما استخدم الإغريق والرومان لفظ “إثيوبيا” الذي يعني لغوياً “وجوه ذوي البشرة السمراء”، لتشكل هذه المسميات مجتمعة الغطاء الجغرافي والسياسي لأولى الممالك المركزية في المنطقة وهي مملكة كرمة العريقة.

 

​*النشأة، التطور الجغرافي، والتسلسل الزمني للحضارة*

​تطورت دولة كرمة التاريخية ككيان سياسي وحضاري بارز في السودان القديم، حيث نشأت المدينة كمستوطنة صغيرة على الضفة الشرقية لنهر النيل جنوب الشلال الثالث في منطقة كرمة الحالية، وتميز موقعها الرئيسي بخصوبة الأرض وامتداد الرقعة الزراعية الصالحة للفلاحة نظراً لوصول مياه الفيضان المحملة بالطمي إليها، بالإضافة إلى الميزة الاستراتيجية لوقوعها في جزيرة صاي التي تُعد أكبر جزر المنطقة.

​وقد قسّمت البعثات الأثرية الحديثة تطور هذه الحضارة إلى ثلاث حِقب زمنية رئيسية طبقاً لتصنيف “بونيه” و “نايسارغ” عام 1978م؛ بدأت بمرحلة “كرمة القديمة” من عام 2500 قبل الميلاد والتي عُدت امتداداً لثقافات العصر الحجري، ثم تلتها مرحلة “كرمة الوسطى” عام 2050 قبل الميلاد وشهدت تطوراً ملحوظاً في عمارة المقابر وبداية إنتاج البرونزيّات، وصولاً إلى العصر الذهبي المتمثل في مرحلة “كرمة الكلاسيكية” من عام 1750 ق.م إلى 1500 ق.م، وهي المرحلة التاريخية التي شهدت أقصى اتساع جغرافي ونفوذ سياسي وعسكري للدولة الكوشية الأولى.

 

​*تاريخ البعثات الأثرية وتصحيح المفاهيم الاستعمارية*

​مرت الحفريات والتنقيبات الأثرية في كرمة بمرحلتين رئيسيتين ساهمتا في تشكيل المعرفة الحديثة بهذه الحضارة؛ الأولى قادها عالم الآثار “جورج ريزنر” عام 1913م (من جامعة هارفارد والبعثة الإفريقية)، والذي كشف عن معلومات هامة حول امتداد آثار هذه الحضارة شمالاً حتى جزيرة عمارة وجنوباً حتى منطقة دلقو، إلا أنه وقع في خطأ تاريخي بتفسير كرمة كقاعدة عسكرية أو مستعمرة تجارية تابعة لمصر نتيجة العثور على أختام وتماثيل فرعونية.

​أما المرحلة الثانية والأكثر إنصافاً، فتمثلت في بعثة جامعة جنيف السويسرية بقيادة الأثري “شارل بونيه” والتي بدأت عام 1977م واستمرت أبحاثها وعملياتها الاستكشافية حتى عام 2026م؛ حيث ركزت على المناطق المدنية والسكنية والمصانع بالمدينة ولم تهمل المقابر الضخمة، مما ساهم في تصحيح وتعديل المفاهيم المؤرخة لعمر هذه الحضارة، وإثبات أصالتها كحضارة سودانية مستقلة وإفريقية خالصة نبتت في حوض دنقلا الخصيب، مظهرةً التحول التاريخي الأول في السودان من نظام الإدارة القبلية إلى نظام الدولة المركزية الموحدة.

 

​*المظاهر المعمارية الفريدة وصروح “الدفوفة” السياسية والدينية*

​تمثل “الدفوفة” المعلم المعماري الأبرز والفريد لحضارة كرمة، وتعود الكلمة في أصلها اللغوي المحسي النوبي إلى معنى “القرية المسورة أو المحصنة”، وتنقسم الدفوفة إلى كتلتين ضخمتين مشيدتين من الطوب اللبن غير المحروق تمتدان من الشمال إلى الجنوب؛ الدفوفة الغربية شكلت كتلة طينية هائلة ترتفع عدة أمتار، وتبلغ أبعاد قوالب الطوب فيها 30x15x12 سم ويفصل بين كل 5 أمتار منها روابط خشبية أفقية تشبه مقاييس البناء في عصر الدولة المصرية الوسطى (2050 – 1710 قبل الميلاد)، وتضم سلماً يرتفع 11 متراً يقود إلى غرف عليا محصنة، وأثبتت حفريات البعثة السويسرية الحديثة أنها صرح ديني كوشي أصيل ومقر سياسي واجتماعي للملك النوبي يحيط به مبانٍ إدارية وكوخ سلطاني ضخم يشبه قصور السلاطين الأفارقة وعُثر داخله على أكثر من 1000 بصمة ختم إداري. أما الدفوفة الشرقية، فتقع على بُعد نحو ثلاثة أميال ونصف شرقي العاصمة في وسط الجبانة الأثرية الكبرى، وتمثل المعبد الجنائزي الرئيسي المخصص لمقابر حكام كرمة المتعاقبين عبر العصور، والذين أداروا من هذه الصروح دولة ذات ثقل وبيروقراطية معقدة.

 

​*العادات الجنائزية وطقوس الدفن وتطورها العقائدي*

​كشفت الجبانة الأثرية الكبرى بكرمة، والتي تمتد على طول أطراف الصحراء وتضم مئات المقابر الموزعة على أربع مجموعات رئيسية صنفها “ريزنر” طبقاً للحجم والأثاث الجنائزي، عن تطور مذهل في العقائد الجنائزية الكوشية الممتدة منذ عام 2500 قبل الميلاد؛ حيث كان المتوفى يُدفن في وضع القرفصاء على جانبه الأيمن، متجهاً نحو الشرق، وموضعاً فوق سرير خشبي نوبي شهير يُعرف بـ “العنقريب” ومعه حِليُه ومتاعُه كالمراوح المصنوعة من ريش النعام والصنادل الجلدية والأسلحة للرجال إيماناً بالبعث، ومصحوباً بتماثيل طينية صغيرة تمثل البشر والماشية بدلاً من التماثيل المصرية “الشوابتي”.

​ومع الانتقال إلى عصر كرمة الوسطى والكلاسيكية، اتسعت المقابر بشكل هائل وظهرت الممرات المبنية بالطوب والمليّسة بالجبس، وازدهرت “التضحيات البشرية الجبرية” حيث دُفن التابعون والخدم والنساء أحياءً ليقضوا اختناقاً تحت ركام الأتربة لخدمة الملوك الأواخر وبلغ عدد الضحايا في المقابر الملكية الكبرى أكثر من 300 ضحية، في حين كان سطح الكومة الخارجي يُزين بآلاف من رؤوس وجماجم الثيران المصطفة جهة الجنوب كبقايا وليمة جنائزية، وهو طقس سوداني أصيل استمر حتى عام 1500 قبل الميلاد حين تأثرت المنطقة بالثقافة الجنائزية المصرية عقب تدمير العاصمة.. نواصل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى