مجلس الأمن.. جلسات إحاطة بلا حصاد

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا

وبتكرار “ممل” ظللنا نتابع ما يتم الإعلان عنه بأنه جلسات “سرية” أو “علنية” تنعقد لمجلس الأمن، وتتم في هذه الجلسات تقديم “إحاطة” لأعضاء المجلس بالأوضاع الإنسانية والأمنية في السودان الذي تشتعل فيه الحرب، وتدخل عامها الرابع..

تقارير للمبعوثين الخواص للأمين العام للأمم المتحدة، ومبعوثي الدول والكتل داخل الأمم المتحدة، وردود ومناظرات “كلامية” يتم فيها تبادل الاتهامات والإنكار، ولا شيء يتغير في كل هذا سوى أرقام الضحايا من المدنيين، وارتفاع نسبة الخطر عليهم، واتساع كبير لخارطة الحرب، بينما لم تقدم كل الإحاطات تلك شيئاً للشعب السوداني.

تحولت جلسات مجلس الأمن إلى منصة لتوصيف الأزمة السودانية بتفاصيلها الإنسانية والأمنية، بدلاً من أن تكون منصة لحل الأزمة، وتوفير خارطة طريق لإيقاف الحرب وتداعياتها على المدنيين السودانيين.

على الأرض، وعلى الرغم من كل هذه الإحاطات التي قدمت أمام مجلس الأمن، إلا أنه لم تظهر أي جدوى من ذلك، فالتعبير عن القلق والشجب والإدانة والتحذير من الانتهاكات لم يشكل الحماية اللازمة للذين ارتكبت بحقهم الانتهاكات في ولاية الجزيرة، ولا في الجنينة، ولم يشفع ذلك للضحايا في مدينتي الفاشر وبابنوسة.

بل بالعكس، صارت جلسات “الإحاطة” التي تنعقد في مجلس الأمن عبارة عن “التمهيد” والتهيئة للضمير العالمي ليتقبل المزيد من مشاهد الرعب التي تقدمها الحرب في السودان، والإحاطات لم تعد إلا عبارة عن مخطوطة إبراء ذمة للمجتمع الدولي من كل ما يمكن ويتوقع حدوثه لاحقاً في مدينة الأبيض بشمال كردفان.

التحديث “الإحصائي” للضحايا والانتهاكات الذي يتم عبر تقارير الإحاطة يعرض الزيادة في الأرقام، بينما تغيب قرارات المجلس التنفيذية، وكذلك بات من الواضح أن المبعوثين الخواص للمنظمة الدولية لا يمتلكون مفاتيح الحل في الأزمة السودانية، وتحولت مهامهم إلى عمل “ديواني” يبدأ باستلام خطاب التكليف، ومن ثم البداية من النقطة التي ابتدأ منها السلف الذي كلف بذات المهمة، بطلبات اللقاء مع الأطراف هنا وهناك، تنتهي بخطاب “لزج” دون أي اختراق ملموس يفك التعقيد في أزمة الحرب السودانية.

(*) مهام في حدها الأدنى..

ومن الممكن أن نقول بأن أزمة الحرب في السودان هي أكبر من أن يتمكن المبعوثون من حلها بشكل نهائي، ولكن على الأقل، وبالوزن الذي يتمتعون به بحسب الوصف الذي جاءوا به، كنا نتوقع تدرجاً معقولاً في الوصول إلى حلول مطروحة من المنظمة الدولية لهذه الأزمة، على سبيل المثال التوصل لهدنة أو وقف لإطلاق النار، والذي توقفت ذاكرة الحرب عند هذه المحطة آخر مرة في السنة الأولى للحرب، ولم يتعد الإنجاز وقتها هدنة اليوم أو اليومين.

وبالترتيب، وبعد الفشل في الوصول إلى حالة وقف إطلاق النار، يأتي الفشل في فتح مسارات للمساعدات الإنسانية للمتضررين من حالة الحرب، وإغلاق المعابر الإنسانية أمام وصول المساعدات الإنسانية، على قلتها، إلى معسكرات النزوح والمدن التي دفع سكانها تكاليف الحرب.

فشلت المنظمة الدولية ومبعوثوها، وعلى الرغم من جدول زياراتهم المزدحم باللقاءات والسفريات، في إيجاد طريقة لبناء إجراءات ثقة مستدامة تنفع لأن تكون هي الطريق لاتفاق سلام دائم في السودان.

من يقرأ في ردود أفعال الطرف الحكومي أو المليشيا وتفاعلاته مع مخرجات جلسات الإحاطة في مجلس الأمن يفهم بأنه لا يوجد اكتراث أو أدنى اهتمام بعقوبات أو إجراءات يمكن أن تصدر من جلسات أخرى في مجلس الأمن، وبات من المسلم لديهم سهولة التأثير على قرارات المنظمة الدولية، بحيث لا تتعدى قدراتها الاستماع لتقارير الإحاطة والتعبير عن القلق.

استخدام ملفات السلاح الكيميائي وغيرها مما يظن بأنها قد تحسب كأدوات ضغط متوقع منها الدفع بإجراءات على مستوى الأرض، نعتقد بأنه ثبت بأنها ليست ذات جدوى، بل وتدخل في إطار تعقيد خطوات الحل، وتزيد من درجة تعنت الأطراف واستعدادها للتعاون في مسألة الحلول.

المبعوثون صار من الواضح بأنهم ليسوا بعيدين عن تأثيرات موازنات القوى الدولية وموقفها من الحرب في السودان، وأن تقارير الإحاطة المقدمة أصبحت أقرب إلى أنها مجرد خطب سياسية من أن تكون تقارير ومعلومات ذات فائدة للمجلس.

الإحاطة الأخيرة، وبالاطلاع على تفاصيلها، سنجد بأنه قد تم استبدال اسم مدينة “الفاشر” بمدينة “الأبيض”، وأن المجلس صار يتعامل مع نتائج الحرب وليس مع أسبابها، ولم تعد لدى المجلس أدوات الدبلوماسية الوقائية لانتهاكات صارت ملامحها واضحة للعيان.

الحقائق التي لا جدال حولها أن مجلس الأمن على علم بمصادر السلاح وتمويله الذي يؤجج الصراع، ولا يحتاج لأي إحاطة حتى يعرف حجم التدخلات الخارجية في حرب السودان وأطرافها، وأن السبب الرئيسي الذي يعطل اتخاذ إجراءات وقرارات عملية هو الانقسام الواضح في هذا بين أعضائه الدائمين.

لم يعد المطلوب الأساسي في حرب السودان سماع المزيد من الإحاطات كل أربعة أشهر في جلسات مجلس الأمن، بل المطلوب هو خطوات عملية تتدرج من اتخاذ قرارات عملية لوقف إطلاق النار، والسعي لتخفيف آثار الحرب في الجانب الإنساني، وحماية المدنيين من الانتهاكات، وقطع الطريق أمام أي جهة تعمل على استمرار الحرب وتأجيجها في السودان، وبغير ذلك ستستمر الإحاطات في جمع أرقام الضحايا والمنتهكين كمعلومات إحصائية دون أي جدوى من ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى