عكس التيار: يوميات مشاتر في دار صباح

بقلم/ مهند احمد الصاوي
مشاتر وسلاطين اليوم العادي
في سيرة الراوي الشاهد الساخر المتألم
لم يكن مشاتر رجلًا سهل الكراهية.
هذه تهمة لا تليق به، وإن ظنّها بعض العابرين حين رأوه واقفًا على مسافة آمنة من الناس، لا يندفع في محبتهم، ولا يسرف في عداوتهم، ولا يعلّق قلبه على انفعالهم اليومي كمن ينتظر منهم خلاصًا أو خيانة.
كان يعرف أن الناس، في معركة البقاء، لا يظهرون دائمًا على حقيقتهم الكاملة. الجوع يغيّر نبرة الإنسان، والخوف يضيّق صدره، والحاجة تجعل الكريم متحفزًا، والذلّ اليومي يحوّل الطيبين إلى كائنات حادة الحواف. لذلك لم يكن مشاتر يحاكم الناس من أول صرخة، ولا من أول زلة، ولا من ذلك الوجه العابس الذي يخرج به العامل من آخر الوردية، أو الموظف من باب المدير، أو الأم من سوقٍ لا يكفيها فيه ما تحمل.
كان يمنح الناس عذر المسافة.
لا يقرب حتى يذوب، ولا يبتعد حتى يتجبر. يقف حيث يرى ولا يُبتلع. يسمع ولا يتورط في الضجيج. يتأمل ولا يدّعي الحياد الكامل، لأن الحياد الكامل كذبة أنيقة يرتديها الخائفون حين لا يريدون الاعتراف بمواقعهم. لكنه كان يحاول أن يكون عادلًا، أو على الأقل ألا يكون ظالمًا وهو يشرح ظلمه.
في داخله كان يعرف أن الإنسان العادي ليس عدوه.
عدوه الحقيقي لم يكن الشخص، بل ما يتلبس الشخص حين تلامس يده شيئًا من السلطة.
وهنا تبدأ حكاية مشاتر مع السلاطين.
لم يكن كارهًا للنظام، كما يحب بعض الناس أن يختصروا الأمر. لم يكن فوضويًا يفرح بانهيار القواعد، ولا شاعرًا رومانسيًا يظن أن الناس إذا تُركوا بلا قانون صاروا ملائكة يمشون فوق الأرض. كان يعرف أن الضعيف يحتاج إلى نظام أكثر من القوي؛ لأن القوي يستطيع أن يحتمي بعضلاته وماله وعلاقاته وصوته العالي، أما الضعيف فلا يملك إلا القانون إذا كان القانون قانونًا فعلًا.
كان مشاتر يؤمن بالنظام حين يكون ميزانًا لا عصا.
يؤمن به حين يرد المظالم، لا حين يصنعها.
يؤمن به حين يمنع التغول، لا حين يمنحه ختمًا رسميًا.
يؤمن به حين يجعل صاحب الحق مطمئنًا، لا حين يجعل صاحب الصوت العالي مالكًا للطريق.
لكن مشكلته مع السلطة أنها نادرًا ما تكتفي بحدودها. تبدأ أحيانًا كضرورة، ثم تكبر كغريزة. تُمنح للإنسان كي يحفظ بها حقًا، فإذا به يستخدمها ليحفظ بها صورته عن نفسه. تُعطى له كي ينظم الصف، فإذا به يقف فوق الصف كأنه خُلق من مادة أعلى من الواقفين. تُسلّم له كي يمنع الفوضى، فإذا به يصنع فوضى أعمق: فوضى الخوف، وفوضى الإهانة، وفوضى الشعور بأن الخطأ لا يُعاقَب وحده، بل يُجلَد معه صاحب الخطأ حتى يتعلم الناس أن العقوبة ليست عدالة فقط، بل عرض قوة.
وهذا ما كان يحز في نفس مشاتر.
لم يكن يعترض على العقوبة إذا وقع الخطأ. كان يعرف أن الخطأ حين يقع يحتاج إلى جزاء عادل، وأن المجاملة في موضع الحق فساد ناعم. لكنه كان يتألم من تلك الزيادة المسمومة التي يضيفها صاحب السلطة إلى العقوبة: نبرة التشفي، وميل الرأس، ونظرة الازدراء، وتلك المتعة الخفية حين يرى إنسانًا آخر واقفًا أمامه في موضع ضعف.
هناك، في تلك اللحظة الصغيرة، يرى مشاتر السلطة وهي تخلع ملابس القانون وترتدي جلد الوحش.
ليست المشكلة أن تقول للإنسان: أخطأت.
المشكلة أن تقولها له كأنك تملك روحه.
ليست المشكلة أن توقفه عند حده.
المشكلة أن تجعل الحد مسرحًا لاستعراضك.
ليست المشكلة أن تطبق النظام.
المشكلة أن تضيف إلى النظام غضبك الشخصي، ومرارتك القديمة، ورغبتك في أن يراك الناس عاليًا ولو على كتف مكسور.
كان مشاتر يرى السلطة في كل مكان. لم تكن عنده كرسيًا كبيرًا في قصر بعيد فقط. كانت في البيت، حين يتحول الكبير إلى قانون لا يُراجع. وفي الطريق، حين يجعل السائق من مقعده مملكة صغيرة. وفي العمل، حين يتحدث المدير كأنه يوزع الأكسجين على الموظفين. وفي السوق، حين يذل صاحب المال من يحتاج إليه. وفي المؤسسة، حين يتعلم الموظف الصغير أن الختم يستطيع أن يكون سكينًا باردة. وفي الواقع الافتراضي، حين يجلس شخص خلف شاشة ويمنح نفسه حق جلد الناس لأنهم لا يشبهون غضبه.
سلطة البيت.
سلطة الطريق.
سلطة العمل.
سلطة الأمر الواقع.
سلطة الواقع الافتراضي.
سلطة السلطة.
وسلطة اللا سلطة.
كان يضحك من الأخيرة أكثر مما يغضب منها. فاللا سلطة أيضًا لها سلاطينها: ذلك الذي لا يملك شيئًا، لكنه يريد أن يتحكم في كل شيء؛ لا يملك منصبًا، لكنه يوزع الأحكام؛ لا يملك قانونًا، لكنه يصنع محكمة من لسانه؛ لا يملك دولة، لكنه يحكم الجالسين معه بالخوف من سخريته أو غضبه أو قدرته على تشويه الحكاية.
هؤلاء أخطر أحيانًا من أصحاب السلطة الرسمية، لأنهم بلا دفاتر، بلا أختام، بلا مسؤولية. سلطتهم سائلة، تتسرب في المجالس والبيوت والقروبات والمنابر الصغيرة. يرفعون أصواتهم لا لأن حجتهم قوية، بل لأنهم يخافون أن يسمع أحد هشاشتها إذا انخفض الصوت قليلًا.
ومشاتر كان يكره الصوت العالي حين يتحول إلى سلطة.
لا الصوت العالي في وجه الظلم، فهذا له مقامه. ولا الصرخة التي تخرج من صدر موجوع، فهذه يعرف حرارتها. لكنه يكره الصوت الذي يعلو لا ليدافع عن حق، بل ليعلن مسافة. صوت يقول للناس: انظروا كم أنا فوقكم. انظروا كم أنتم صغار حين أتكلم. انظروا إلى خوفي وقد صار أمرًا، وإلى ضعفي وقد لبس زيّ القوة.
في دار صباح، كان يرى هذه الأشياء بوضوح جارح. فالدار، كما تعلم، ليست جدرانًا فقط. إنها مسرح صغير لسلاطين كثيرة. في زاوية منها يجلس رجل يظن أن العمر سلطة مطلقة. وفي زاوية أخرى شاب يظن أن معرفته الجديدة تمنحه حق السخرية من كل قديم. وفي الهاتف سلطة بعيدة تأتي من خبر عاجل أو إشاعة أو تعليق حاد. وعلى الباب سلطة الحاجة، ومن الداخل سلطة العشرة، وفي المطبخ سلطة الصبر الطويل، وفي الذاكرة سلطة الموتى الذين لا يزالون يتحكمون في الأحياء عبر وصايا لم تُكتب ولكنها تُطاع.
كان مشاتر يعبر بين هذه السلطات كمن يعبر سوقًا مزدحمًا يحمل زجاجة ماء فوق رأسه. يعرف أن الاصطدام وارد، وأن النجاة ليست في أن يهرب دائمًا، بل في أن يعرف متى ينحني، ومتى يقف، ومتى يرد، ومتى يبتسم بسخرية تكفيه شر المعركة ولا تمنحه عار السكوت الكامل.
السخرية عنده لم تكن خفة. كانت درعًا.
بعض الناس يظنون الساخر باردًا، لكن السخرية أحيانًا هي الطريقة الوحيدة التي يمنع بها الإنسان قلبه من الاحتراق الكامل. مشاتر لم يكن يسخر لأنه لا يتألم؛ كان يسخر لأن الألم، إذا خرج عاريًا، صار سهل الكسر. يلبسه نكتة، أو جملة معوجة، أو تعليقًا يمرّ على الناس كأنه طرافة، بينما هو في حقيقته مشرط صغير يفتح به بطن الفكرة.
كان يقول أحيانًا:
“السلطة ما بتفسد الإنسان براها، السلطة بتديهو فرصة يطلع الفساد المرتاح جوّاه.”
ثم يصمت.
لأنه يعرف أن الجملة قاسية، وربما ظالمة إذا أُطلقت بلا حذر. فليس كل صاحب سلطة فاسدًا، ولا كل من امتلك قدرةً على الأمر تحوّل إلى طاغية صغير. لكنه كان يرى أن السلطة تكشف الخامة. من كان في داخله عدلٌ زادته السلطة مسؤولية. ومن كان في داخله صغرٌ جعلته السلطة عالي الصوت. ومن كان في داخله خوفٌ حوّل السلطة إلى قفص يحبس به الآخرين كي لا يرى أحد ارتجافه.
لذلك لم يكن مشاتر يخاف من النظام بقدر ما يخاف من الإنسان حين يختبئ داخل النظام.
الإنسان الذي يقول: أنا أنفذ التعليمات، بينما يضيف إليها كراهيته.
الإنسان الذي يقول: هذا هو القانون، بينما يستخدمه ليغلق باب الرحمة.
الإنسان الذي يقول: أنا فقط أقوم بعملي، بينما يقوم بعمله كمن ينتقم من مجهول.
الإنسان الذي يمسك سلطة صغيرة، فيعاملها كتعويض عن كل مرة لم يُسمع فيها صوته.
هناك، في تلك المنطقة، يشتبك مشاتر مع العالم.
ليست معركته مع الدولة وحدها، ولا مع المؤسسة وحدها، ولا مع البيت وحده. معركته مع تلك اللحظة التي يتحول فيها الإنسان من حامل مسؤولية إلى حامل سوط. من منظم للحياة إلى مالك للرقاب. من حارس للحق إلى ممثل مسرحي غاضب يريد من الآخرين أن يصفقوا لخوفهم منه.
ولأنه شاهد، فهو يرى.
ولأنه ساخر، فهو لا يمنح السلطة جلالًا مجانيًا.
ولأنه متألم، فهو لا ينجو مما يرى.
ولأنه يسبح ضد التيار، فهو لا يرضى أن تسمى الإهانة نظامًا، ولا أن يسمى الخوف احترامًا، ولا أن يسمى الخضوع أدبًا، ولا أن يسمى الصمت حكمة كلما كان الكلام واجبًا.
كان يعرف أن التيار العام يحب الطاعة السهلة. يحب من يقول: “خلّيها تمشي.” “ما تكبر الموضوع.” “دي الدنيا.” “النظام نظام.” “الزول يعمل شنو؟”
لكن مشاتر لم يكن يثق في هذه الجمل حين تُقال لإغلاق السؤال. كان يرى أن أسوأ ما يحدث للإنسان ليس أن يُظلم فقط، بل أن يُدرَّب على تفسير الظلم كأنه طبيعة. أن يقال له كل يوم: هذه هي الحياة، حتى ينسى أن الحياة كان يمكن أن تكون أعدل قليلًا.
ومع ذلك، لم يكن مشاتر ثائرًا طوال الوقت. هذه أيضًا صورة سطحية. كان يتعب. كان يملّ. كان أحيانًا يختار السلامة، ويقول لنفسه: ليس كل باب يستحق أن أضرب رأسي عليه. ليست كل معركة معركتي. ليست كل سلطة يجب أن أواجهها في لحظتها. الإنسان الذي يصطدم بكل شيء يتحول في النهاية إلى حطام نبيل لا يصلح حتى لحمل نفسه.
لذلك تعلّم فن المسافة.
المسافة عنده لم تكن جبنًا. كانت إدارة للروح. أن تحتفظ بمكان داخلي لا يدخله المدير، ولا الشرطي، ولا القريب المتسلط، ولا صاحب الرأي العالي، ولا جمهور المنصات، ولا تلك النسخة الصغيرة من السلطة التي تسكن حتى الذين يزعمون أنهم ضدها. كان يعرف أن أول حرية هي أن تمنع العالم من استعمار داخلك بالكامل.
لكن العالم كان ينجح أحيانًا.
يدخل من ثقب صغير.
من كلمة مهينة.
من نظرة مستعلية.
من أمر لا ضرورة له.
من عقوبة عادلة في أصلها، ظالمة في طريقتها.
من شخص كان يستطيع أن يكون إنسانًا سليمًا، فاختار أن يكون وحشًا صغيرًا لأن اللحظة سمحت له بذلك.
في تلك اللحظات، لا يغضب مشاتر فقط.
يحزن.
لأنه يرى ما هو أعمق من الواقعة. يرى الإنسان وهو يفشل في امتحان بسيط: أن تكون قويًا دون أن تحتقر. أن تمتلك حق الأمر دون أن تلغي كرامة المأمور. أن تطبق القانون دون أن تفرح بانكسار المخطئ. أن تردع دون أن تتشفى. أن ترفع يد النظام دون أن تجعلها صفعة على وجه الحياة.
كان يقول:
“السلطة السليمة ما محتاجة تصرخ. البصرخ غالبًا عايز يغطي على شيء.”
وهذه الجملة، على بساطتها، كانت تلخص فلسفته كلها.
فالسلطة العادلة هادئة لأنها مطمئنة إلى شرعيتها. أما السلطة المرتبكة فتحتاج إلى الضجيج. تحتاج إلى التخويف، إلى لغة متعالية، إلى مسافة مسرحية، إلى أن تجعل الناس يشعرون أنهم أمام جبل لا أمام موظف، أمام قدر لا أمام إجراء، أمام سيد لا أمام صاحب مسؤولية.
ومشاتر، بطبيعته، كان يستفز هذا النوع من السلطة. ليس لأنه يفعل شيئًا دائمًا، بل لأن بعض السلطات تنزعج من عينٍ لا تنخفض بسرعة. من وجه لا يقدم الخوف كاملًا. من شخص لا يهاجمها، لكنه أيضًا لا يمنحها العبادة المطلوبة. كان حضوره وحده يقول: أنا أراك. وهذه أخطر جملة غير منطوقة في وجه أي سلطة تحب أن تُطاع ولا تُفهم.
في يوميات دار صباح، لا نكتب مشاتر كبطل. البطولة كلمة متورطة في الزيف. نكتبه كإنسان يحاول أن يحتفظ بإنسانيته وسط سلاطين صغيرة وكبيرة. إنسان يعرف أن النظام ضرورة، وأن السلطة فتنة، وأن العدالة لا تُقاس فقط بما يصدر من قرار، بل بالطريقة التي يُقال بها القرار، وبالأثر الذي يتركه في جسد وكرامة من يقع عليه.
نكتبه لأنه يشبه كثيرين:
الذين لا يكرهون الناس، لكنهم تعبوا من أدوار الناس.
الذين لا يرفضون النظام، لكنهم يرفضون أن يتحول النظام إلى إهانة يومية.
الذين لا يدّعون الطهارة، لكنهم يعرفون رائحة التشفي حين تختلط بالقانون.
الذين يمشون في الطرقات وهم يحاولون ألا يصبحوا نسخة ممن أوجعوهم.
وهذه ربما كانت معركة مشاتر الكبرى:
ليس أن يهزم السلطة، فذلك وهم كبير.
ولا أن يهرب منها، فذلك مستحيل.
بل أن يمر بينها دون أن تتحول روحه إلى سلطة جديدة.
أن يقاوم الوحش دون أن يتعلم مشيته.
أن يرد الإهانة دون أن يتلذذ بإهانة مضادة.
أن يسخر دون أن يحتقر.
أن يغضب دون أن يفقد عدله.
أن يحفظ المسافة دون أن يتحول إلى حجر.
أن يسبح ضد التيار دون أن يكره الماء كله.
في آخر المساء، جلس مشاتر عند عتبة دار صباح. لم يكن في يده غير كوب شاي برد نصفه، ولم يكن في صدره غير ذلك التعب القديم الذي يعرفه الناس الذين يرون أكثر مما يستطيعون قوله.
مرّ صبي يركض، ورجل يرفع صوته في الهاتف، وامرأة تنادي من الداخل، وسيارة بعيدة تضغط بوقها كأن الطريق ملكٌ خاص، وتعليق جديد في هاتف أحدهم يشتم العالم باسم الحقيقة.
ابتسم مشاتر ابتسامة صغيرة.
لم تكن ابتسامة رضا.
ولا ابتسامة هزيمة.
كانت ابتسامة رجل عرف أن السلطة لا تسكن القصور وحدها، بل تتسلل إلى الحنجرة حين ترتفع بلا حق، وإلى اليد حين تشير باحتقار، وإلى القلب حين يفرح بانكسار غيره.
ثم قال، كأنه يخاطب نفسه لا أحدًا:
ليت الناس حين يُمنحون سلطةً صغيرة، يتذكرون أنهم كانوا قبلها واقفين في صفٍّ ما، ينتظرون رحمة أحد.
وسكت.
لأن بعض الجمل، إذا اكتملت، صارت سلطة هي الأخرى.



