رمضان محجوب يكتب: ​حصار طيبة..!!

انواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار ​الحلقة 36

​▪️ حين انقضت أيام عيد الأضحى المبارك من عام 2024، فارق الأمان بلدة “طيبة” الوادعة، وتبدل وجه الحياة الحاني إلى ملامح تجهمت بالخوف والهواجس. غادرت السكينة البيوت، وأطبقت المأساة على الصدور, بعد أن كشّر أوباش الجنجويد عن أنيابهم، ونفضوا عن كاهلهم كذبة حماية المواطنين العزل وممتلكاتهم، لتتحول المنطقة برمتها إلى ساحة للقهر اليومي الممنهج والمعاناة المستمرة.

​▪️ اكتملت فصول هذا الضيق حين تسلّم أمر البلدة قائد جديد يُدعى “آدم”، فكان اسمه بعيداً عن أفعاله، إذ بدأ عهده بالتضييق على العباد، والتدخل الفج في تفاصيل حياة الناس وخصوصياتهم كافة. لم يسلم من جبروته حتى الجانب الروحي الذي طالما لاذ به الأهالي؛ إذ حارب الأوباش كل مظهر تعبدي، وغاض نبض السكينة في القلوب الحائرة، بعد أن تلاشت حركة الحياة الطبيعية وحلت مكانها خطوات مرتعشة تترقب السوء في كل ثانية.

​▪️ كانت الغصة الأشد إيلاماً التي دمّت قلوب سكان “طيبة” وعموم قرى الجزيرة هي غياب صوت الأذان وصمته في المآذن والزوايا، بفعل بطش المليشيا وتضييقها المستمر على المساجد. تيتّمت المحاريب، وأصبح الناس يؤدون صلواتهم بالاعتماد على تقدير حركة الشمس وحسابات الظل؛ في مشهد يعيد إلى الأذهان عصور المحن الكبرى، حيث يُحرم المرء من سماع نداء الحق، ويصبح التمسك بالعبادة مغامرة يكتنفها الخوف الشديد.

​▪️ استباح الأوباش أرزاق العباد بصلف، ففرضوا إتاوات باهظة وجبايات أسبوعية قسرية على أصحاب المحلات التجارية وبقالات الأسواق التي تكافح للبقاء، ولم تنج من هذا الظلم حتى بقالة ود محجوب. كانت تلك الأموال تُنهب تحت ذريعة واهية هي “رسوم إعاشة” لأفراد ارتكازاتهم، بينما كان الترهيب وإشهار السلاح في وجوه الأبرياء هو الرد الحاضر على كل من تعذر عليه الدفع.

​▪️ وجد المواطن المغلوب على أمره نفسه بين فكي كماشة لا ترحم؛ فالحصار من حوله ضرب أطنابه، وضيق العيش قيد حركته، وأصبح الذهاب والإياب محفوفاً بالمخاطر البالغة. في تلك الآونة العصيبة، كانت أصوات القصف المدفعي العنيف واهتزازات الاشتباكات تهز الناحية الجنوبية الغربية باتجاه مدينة “عِوض” والمناطق المتاخمة لـ “المناقل”، فتملأ الأفق بدويّ متصل يقض مضاجعنا خلف الجدران.

​▪️ كان ذلك القصف، على شدته وعنفوانه، يبعث في نفوسنا المنهكة نوعاً من الطمأنينة؛ فدوي المدافع كان يعني لنا أن الطيران الحربي ما زال بالمرصاد لكل تحركات الجنجويد الساعية للتمدد نحو “المناقل”. في ذات التوقيت، كانت جبهة “فداسي” في الناحية الشرقية تشهد قصفاً مماثلاً، ليتحول الأفق من حولنا إلى حزام من النار يحبس الأنفاس ويرسم علامات استفهام كبرى حول مصير المنطقة بأسرها.

​▪️ عشنا أياماً سوداء بين عيدي الفطر والأضحى، إذ كانت الأنباء المروعة تتوافد إلينا عبر قنوات شحيحة، حاملةً تفاصيل المجازر البشعة والانتهاكات الصارخة التي ارتكبتها المليشيا في مناطق قريبة منا مثل “ود النورة”، و”السريحة”، و”الهلالية”. كنا نتحسس رقابنا مع كل فجر جديد، ونتوقع في أي لحظة أن يحل بطيبة الشيخ عبد الباقي ذات السيناريو الدموي، لعلمنا بمدى الغدر المتأصل في نفوس هؤلاء الأوباش.

​▪️ في هذا المناخ الخانق المشحون بالتوتر الرهيب، تعرضتُ لموقفٍ عصيب فُسِّر في الوسائط لاحقاً بأنه اعتقال كامل الأركان، وحقيقته أنه كان “محاولة اعتقال” غادرة بسبب معاملة مالية وتجارتي التي كنت أديرها. فقد كان أحد المقربين من “كيكل” وهو ابن عمومة له مقيم بـ “طيبة”، يتعامل معي تجارياً بحكم عملي؛ حيث يجلب البضائع المتنوعة من مناطق شرق الجزيرة ليضعها في متجري، واستمرت المعاملات بيننا في شد وجذب تمليه ظروف الحرب القاسية.

​▪️ تلاحقت الأزمات بمرور الأيام وتراكمت بذمتي مديونية لصالح ذلك الرجل بلغت نحو مليوني جنيه، ولم تكن المعضلة في انعدام المال, فالرصيد الكافي متوفر في تطبيق “بنكك” الإلكتروني، ولكن خطوط الاتصالات والشبكة كانت مقطوعة تماماً عن المنطقة. زاد الطين بلة أن هاتف المحمول صُعق بكسر كامل في شاشته، لتنقطع بي السبل تماماً، في ظل انعدام مراكز الصيانة في عموم ولاية الجزيرة، حيث انحصرت الخدمة في مدينة “القضارف”.

​▪️ كان التفكير في السفر إلى القضارف خطراً محققاً رغم قسوة الدَّين وعجز الوسيلة؛ نظراً للمخاطر المرعبة التي تحف الطرقات، خاصة وأنني أحمل بطاقة صحفية تظهر هويتي المهنية، فضلاً عن أن مسقط رأسي المثبت في أوراقي الثبوتية ينتمي للمنطقة الشمالية، وهي البقعة التي يصنفها الجنجويد كعدو أول لهم. نصحني عقلاء وأعيان “طيبة” بعدم مجازفة الخروج، لوجود سوابق واختطافات طالت أبناء الشمالية والموظفين بالمنطقة.

​▪️ لم يراعِ ذلك الدائن ظروف التعقيد التقني ولا قسوة الواقع, بل استغل صلة قرابته الوثيقة بنفوذ “كيكل”، وحرض عصبة من أوباش المليشيا وحفزهم لاعتقالي والزج بي في السجون حتى يتم سداد المبلغ. بالفعل، اقتحم الجنجويد مدججين بالسلاح منزلي لثلاث مرات متتالية بغرض اقتيادي وأنا غائب عنه، وفي المرة الثالثة واجهوني وهددوني صراحة بالاعتقال الفوري، ولم تفلح محاولاتي في شرح الأزمة التقنية حتى تدخل الأعيان.

​▪️ هرعتُ إلى نقاط الاستار لنك لبدء اتصالات مكثفة تحت وطأة هذا التهديد وضيق المهلة، بعد انقطاع تام عن الأهل والزملاء دام قرابة ستة أشهر كاملة، وتحديداً منذ فبراير وحتى أغسطس. تواصلتُ أولاً مع زملائي الأفاضل: محمد حامد جمعة، ومحمد قندول، والهضيبي يس، والدكتور ياسر محجوب الحسين، والأخ ياسر علي طاهر، وياسر العطار، والأستاذة ابتسام الشيخ، كما أبرقتُ أهلي في الشمالية ليعلموا بحجم الخطر المحيط بي في طيبة.

​▪️ هبّ الأهل والزملاء الأوفياء هبة رجل واحد لنجدتي فور سماعهم بالخبر، وتساموا فوق شح الصعاب، فنجحوا في جمع المبلغ المطلوب خلال 24 ساعة فقط، وتم تحويله للدائن في وقته لتنتهي الأزمة المالية، لكن تداعياتها لم تقف عند هذا الحد. التبس الأمر على أحد الزملاء في الخارج، فظن أن المبلغ المطلوب هو “فدية” لفك أسرى بعد اعتقالي، فانتشر الخبر الكاذب كالنار في الهشيم عبر المنصات والمجموعات الإخبارية.

​▪️ التَقيتُ بزميلة صحفية تقيم في “المسيد” أثناء تواجدي في مركز الاستار لنك لمتابعة تفاصيل الأمر، وممّا زاد الموقف تعقيداً وخطورة، أنها صاحت فور رؤيتي بدافع الصدمة والدهشة: “يا أستاذ! ما قالوا اعتقلوك الدعامة؟”. كان عناصر الجنجويد يربضون في ذات المكان، فلما سمعوا صياحها انتفضوا واقفين وبدأوا يرمقونني بنظرات الشك والريبة، فما كان مني إلا أن واجهت الموقف بحنكة ونفيت الحديث تماماً بصوت جهوري مسموع.

​▪️ كان أولادي يلحون عليّ بشدة لضرورة الخروج من الجزيرة أمام تلك المطبات الأمنية؛ نظراً لخطورة موقفي الاستثنائي وصفتي الصحفية والجهوية. كنت أخشى عليهم كثيراً، فهم بنتان وولدان، وكان الخوف الأكبر يكمن في ابني الأكبر عبد الخالق الذي فقد رقمه الوطني، وهو ما جعل خروجه من الجزيرة عبر الارتكازات ضرباً من سابع المستحيلات، ورغم إصرارهم بأن أخرج وحدي وأنقذ نفسي، كنت أرفض مغادرة هذا المستنقع دونهم جميعاً.

​▪️ استمر هذا الشد والجذب العائلي حتى فتح الله لنا باب فرج، وتمكنا عبر معارفنا من استخراج نسخة بديلة لرقم عبد الخالق الوطني من حاضرة الشمالية “دنقلا”، وإرسال صورتها عبر تطبيق “الواتساب”. عندها فقط، وبعد زوال تلك المعضلة التي كبلت خطواتنا طويلاً، بدأنا نفكر جدياً وبخطى متسارعة في ترتيبات الخروج لطي صفحة هذا الحصار المطبق الذي دام ثمانية أشهر متواصلة من الخوف والترقب المفتوح، ونواصل بإذن الله.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى