٧ مشاهد من بلدة سودانية اسمها كركوج في أحد أيام العام 1942

بقلم/ عثمان كباشي
هذه حكاية من تاريخ كركوج المحتشد بكل ما هو جميل وتليد. وبعض مشاهد هذه الحكاية دارت قريبا من نفس هذا المكان الذي يتسابق نحوه أهل كركوج حاليا لكي يشيدوا فيه اليوم “المحكمة الجزئية” لتكون لبنة في تاريخ كركوج التليد، كركوج بلد الكرم والعلم والثقافة كما توضح هذه الحكاية التي كتبها عثمان كباشي نقلا من حكاية سمعها من والده الراحل محمد كباشي عليه، وعلى كل من ورد اسمه في هذه الحكاية من الأهل الرحمة والمفغرة.
مشهد أول:
المكان: مدرسة كركوج الأولية، والزمان ساعة خروج الطلاب لتناول وجبة الفطور، بعد أن يكونوا قد استلم كل طالب رغيفة من دكان محد حسنين أبو العلا ” ذلك المحسن حياه الغمام”.
ثم يهرول الطلاب نحو النسوة اللائي يبعن حاجيتهن في الساحة التي أمام المدرسة، في تلك اللحظة ذاتها كان محمد كباشي طالب السنة الثالثة الذي روى لي فصول هذه الحكايات قد أخذ مكانه مع شقيقه على كباشي ( عليهما من الله شآبي الرحمات) أمام المرأة التي تبيع بليلة الكبكبي، سلماها التعريفة المقدودة ثمنا لوجبتهما وقبل أن تصب عليها زيت السمسم إذا بهما يسمعان صوت طائرة كانت تحلق على علو منخفض فوق النهر القريب من المدرسة.
كان يمكن لظهور تلك الطائرة أن يمر دون أي اهتمام من الطلاب، فقد كانت المنطقة ضمن جبهة الحرب العالمية الثانية التي تقود فيها بريطانيا جبهة الحلفاء، وكانت الطائرات تمر بها في طلعاتها إلى إثيوبيا القريبة جيئة وذهابا، لولا تلك الطقطقة التي كانت تصدر منها، ولولا عودتها باتجاه بيوت المدينة بعلو أكثر انخفاضا هذه المرة حتى أنها لامست رأس قطية السيد حاكم فأسقطته… تابع الطلاب الطائرة حتى هبوطها الاضطراري في مكان خلاء هو نفس المكان الذي توجد به حاليا مستشفى السلمابي.
مشهد ثان:
يصل الطلاب المندهشون إلى المكان الذي توقفت فيه الطائرة، ويصل معهم عدد من أهل البلدة …الآن يقتربون منها حتى أنه كان بإمكانهم مشاهدة الرجلين المصابين بداخلها وهما قائد الطائرة ومساعده البريطانيان واللذان رفضا الخروج لظنهما أنهما ما يزالان داخل أرض “العدو” إثيوبيا، التي كانت من ضمن جبهة دول المحور في الحرب العالمية الثانية بقيادة ألمانيا النازية، إمبراطورية اليابان، وإيطاليا.
مشهد ثالث:
تصل مجموعة أخرى من أهل البلدة، ويبدو أنهم من الأعيان فقد جاءوا يمتطون عربة ربما كانت من العربات النادرة بالسودان في ذلك الوقت، أو ربما كانت الوحيدة في المنطقة، كان يملك تلك العربة رحمة الله عبد الفضيل من أعيان قرية أم سنط، وكان ممن جاء معه: الشيخ حسب القوي شيخ كركوج، عبد الله الضوي، صديق أبو حطيبة، وأبو الحسن شعبان.
كان عبد الله الضوي وصديق أبو حطيبة ممن يجيدان الحديث بالإنجليزية، اقتربا من الطائرة التي ما يزال البريطانيان بداخلها، تحدثا معهما وما هي سوى لحظات حتى امتطوا جميعهم عربة رحمة الله عبد الفضيل التي توجهت بهم إلى الشفخانة الكائنة ضمن مباني المدرسة والتي كانت حتى وقت قريب مقر المركز الإنجليزي. وفي الشفخانة يتلقى الجريحان العلاج اللازم ويخرجان، ويبدو أن جراحهما كانت طفيفة.
مشهد رابع:
في هذه الأثناء تقرر أن يسافر صديق أبو حطيبة إلى بلدة أبو حجار التي كانت بها محطة القطار ومكتب تلغراف.. ومن هناك ترسل برقية إلى السلطات المعنية في الخرطوم بتفاصيل الحادثة.
مشهد خامس:
الآن يقترب الوقت من العصر.. فجأة تظهر في سماء البلدة طائرة.. تهبط هذه الطائرة القادمة من الخرطوم قريبا من الطائرة المصابة مستهدية براية بيضاء رفعها بعض من أهالي البلدة الذين كانوا يرابطون في المكان. يخرج منها بريطانيان، ودون أن يلقيا السلام على الموجودين يشرعان في إصلاح عطب الطائرة المصابة، لكن الظلام يحل قبل أن يكملا المهمة، فيقضيا الليلة إلى جانبها بانتظار ضوء الصباح.
مشهد سادس:
بدأ يوم جديد في البلدة وهو يوم مثل سابقه تماما، لم يكونا يومين رتيبين بل كانت تفاصيلهما مختلفة جدا عن سابقاتمها، يبدأ البريطانيان اللذان وصلا من الخرطوم إكمال المهمة، ولم يمر سوى وقت قصير حتى كان كل شيء على ما يرام.
مشهد سابع:
الآن عادت الحياة إلى الطائرة المصابة، تدور محركاتها، وقبل لحظات من ذلك كانت على موعد مع ضيوف جدد سيجلسون في كراسيها، وستحلق بهم حتى بلدة ود النيل وستعيدهم مرة أخرى إلى ديارهم سالمين مندهشين.
قرر البريطانيون الأربعة مكافأة أهل البلدة الذين وقفوا معهم يومين كاملين يقدمون العون حتى تكللت مساعيهم بالنجاح. كان من ضمن من حظي بتلك الفسحة الجوية: شيخ كركوج حسب القوي، عبد الله الضوي، صديق أبو حطيبة وأبو الحسن شعبان.
ظلت تلك الحادثة حية بكل تفاصيلها وراسخة في ذاكرة من حضرها من أهل البلدة رغم مرور، وقد ظل الشيخ حسب القوى يفتخر ويعتز بها حتى وفاته وكان دائما يردد: منو الركب طيارة في البلد دي قبلي.



