سراج الدين مصطفى يكتب : الجريدة .. كيف كانت بعثا جديدا فى النص الغنائي !!

نقر الأصابع ..
البعث الجديد:
جاءت اغنية الجريدة لتعلن ميلاد مرحلة مختلفة في تاريخ الاغنية السودانية فقد خرج الشاعر فضل الله محمد من القوالب التقليدية وقدم نصا يعتمد على الحوار اليومي القريب من الناس فبدت الكلمات طبيعية وعفوية لكنها تحمل في داخلها شعورا عاطفيا عميقا يتصاعد بهدوء حتى النهاية.
لغة الحوار:
تميز النص بلغة حوارية لم تكن مألوفة في تلك الفترة فالمفردات جاءت من الحياة اليومية دون تكلف واعتمد الشاعر على اسئلة قصيرة وردود مؤجلة وصمت معبر مما منح المستمع احساسا بانه يشاهد مشهدا حقيقيا بين عاشقين وليس مجرد كلمات غنائية مكتوبة بعناية داخل دفتر شاعر.
التصوير الفني:
اعتمد النص على مشهد بسيط يتمثل في فتاة تقرأ جريدة بينما يحاول العاشق جذب انتباهها لكن هذا المشهد المحدود تحول بذكاء شعري الى مساحة واسعة للمشاعر فالجريدة لم تعد مجرد ورق بل اصبحت حاجزا نفسيا بين قلب يريد الاعتراف وقلب منشغل بما حوله في لحظة انسانية بالغة الصدق.
البناء الشعري:
بنى فضل الله محمد النص بطريقة متدرجة حيث بدأ بالملاحظة ثم السؤال ثم الحنين ثم التردد حتى بلغ لحظة الاعتراف المؤجل وهذا التدرج منح الاغنية تماسكا دراميا واضحا وجعل المستمع ينتظر النهاية بشغف لذلك بقيت كل جملة تقود بصورة طبيعية الى الجملة التي تليها دون افتعال.
عبقرية اللحن:
نجح محمد الامين في تحويل الكلمات الى لوحة موسيقية متكاملة فجاء اللحن متوافقا مع حركة الحوار ومع حالات الترقب والتردد والانفعال وكانت الجمل الموسيقية تتحرك برشاقة مع المعاني حتى بدا وكأن اللحن يكمل ما عجزت الكلمات عن البوح به في بعض اللحظات المؤثرة.
الاعتراف المؤجل:
من اجمل عناصر النص تأجيل عبارة بحبك حتى اللحظات الاخيرة فقد صنع الشاعر من الانتظار قيمة فنية كبيرة وجعل المستمع يعيش قلق البطل وتردده وعندما جاءت لحظة الاعتراف بدت طبيعية ومؤثرة لأنها جاءت بعد رحلة طويلة من الصمت والاشواق والحديث غير المباشر.
قيمة فنية:
استحقت الجريدة مكانتها بين روائع الغناء السوداني لأنها جمعت بين النص المختلف واللحن المبدع والاداء الصادق وقدمت نموذجا يؤكد ان البساطة ليست نقيضا للابداع بل قد تكون الطريق الاقصر للوصول الى وجدان الناس والبقاء في ذاكرتهم عبر الاجيال المتعاقبة.
أثر خالد:
بعد مرور عقود طويلة ما تزال الجريدة تحتفظ ببريقها لأنها لم تعتمد على الزخارف اللفظية بل على صدق الاحساس وعمق الفكرة لذلك بقيت مثالا بارزا على قدرة فضل الله محمد ومحمد الامين في صناعة عمل تجاوز زمنه واصبح علامة مضيئة في تاريخ الاغنية السودانية.



