الإعلام السوداني: رهانات الإصلاح بين حرية الممارسة والضوابط الوطنية

الإعيسر: لا نرهب بحملات التشويه وسقف الحريات مفتوح

محمد حامد جمعة : وداعاً لصحافة الإحباط.. نحو سردية وطنية مهنية

العبيد مروح :المعلومة حق.. والصحفي درع وطني لا ناشط

عبد الماجد عبد الحميد : ميثاق شرف لضبط الأداء مؤسسياً لا شخصياً

——

في خضم التحديات الوجودية التي يمر بها السودان، التأمت النخب الإعلامية في فندق السلام روتانا بالخرطوم ضمن منتدى “أدبيات ممارسة العمل الصحفي” تحت شعار “صحافة مهنية بأقلام وطنية”، بتنظيم مشترك بين ملتقى “اندياح” وصحيفة “أول النهار”. مثّل المنتدى منصة مفتوحة للبحث في “رهانات الإصلاح”، حيث تباينت الرؤى بين مطالبة الدولة بفتح منافذ المعلومات وتأسيس مؤسسات مهنية موحدة، وبين دعوات الصحفيين لضرورة الخروج من شرنقة “صحافة الموبايل” و”الإحباط النمطي” نحو فضاء السردية الوطنية المسؤولة. وبينما شدد وزير الثقافة والإعلام على التزامه بسقف الحريات ودعم استقلالية المؤسسات، خلصت النقاشات إلى إجماع بضرورة صياغة “ميثاق شرف” يرسخ الفصل الحاسم بين مهنة الصحافة والنشاط السياسي، مؤكدة أن استعادة ثقة الجمهور رهينة بتوازن دقيق يربط بين حرية الكلمة ومقتضيات الأمن القومي والمسؤولية الوطنية.

 

الخرطوم – عماد النظيف

شدد وزير الثقافة والإعلام والآثار والسياحة، خالد الإعيسر، على أن الوزارة لن تتأثر بالحملات الإعلامية الممنهجة والمسعورة، مؤكداً أن “لا أحد يخيفه الحديث عن استقالة أو إقالة” لأن أساس العمل هو “خدمة السودان من الداخل ومن الخارج”.

 

وأعلن الوزير خلال مخاطبته منتدى “أدبيات ممارسة العمل الصحفي” أمس بالخرطوم، عن دعم الوزارة لإعادة تأهيل اتحاد الصحفيين السودانيين ودراسة مقترح لإنشاء “مؤسسة صحفية وطنية موحدة” على غرار “الأهرام” المصرية أو “بي بي سي” البريطانية، مع تأكيد أن “سقف الحريات مفتوح” ولم تُغلق صحيفة أو إذاعة منذ 19 نوفمبر 2024 إلا مرتين لأسباب موضوعية.

 

إدانة “صحافة هجم النمر” والترويج الانتقائي

 

وندد الإعيسر بما وصفه بـ”صحافة هجم النمر” التي تسببت في تشويه المشهد الإعلامي وفقدان المواطن الثقة حتى في الأخبار الحقيقية الداعمة للدولة ومعركة الكرامة.

 

واستشهد بنماذج للترويج السلبي الانتقائي، منها: التركيز على انهيار الجنيه والتغاضي عن صعوده، والحديث عن أزمة المشتقات البترولية دون الإشارة إلى استقرار الإمداد حالياً، والضجة حول سفر رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى لندن وشائعات استقالته.

 

وتساءل: “ما الذي يدفع من يزعم مناصرة القوات المسلحة في حرب الكرامة للترويج لخطاب يتماهى مع غرف إلكترونية خارج البلاد داعمة للمليشيا؟”، مؤكداً أن هذه الحملات تخلط “الحابل بالنابل” حتى أصبح المتلقي لا يعتد بالأخبار الوطنية الصادقة.

 

تصحيح شائعة “65 ألف موظف”: المعاش اختياري

وبشأن ما تردد عن نية مجلس الوزراء “إحالة 65 ألف موظف للصالح العام”، أوضح الوزير أن الخبر “غير صحيح”، وأن ما طرحه المجلس بناءً على توصية الوزارة المعنية هو “منح المعاش الاختياري لمن يرغب في مغادرة الخدمة المدنية”، وهو إجراء متبع عالمياً.

 

وانتقد انتقاء الإعلام للجزئيات التي تخيف المسؤولين من التصريح، قائلاً: “الكورة تعاد مرة أخرى إلى ملعب الصحافة. الإعلام يعصر المسؤول ويختار الجزئية التي تخيفه من الحديث، وهذا يحتاج إلى أمانة”.

 

13 موظفاً ينفذون 5 أنشطة في 5 أيام

ورداً على الحملات، استعرض الإعيسر حصيلة عمل الوزارة خلال 5 أيام فقط، شملت: أمسية التعافي الوجداني بأم درمان، وورشة “السياحة مورد اقتصادي لا ينضب” بالدامر، وتغطية تلفزيون السودان لمدينة الأبيض 12 ساعة لنفي شائعات سقوطها، والمسرح المفتوح بالميناء البري لتفكيك خطاب الكراهية، بجانب المنتدى الصحفي الحالي بالشراكة مع مركز ملتقى اندياح وصحيفة “أول النهار”.

 

وأكد أن الوزارة تعمل بـ”13 موظفاً فقط” وتدير 4 قطاعات تنفذ أنشطة متواصلة طوال 365 يوماً، قائلاً: “لا أحد يمكن أن تهزه حملة مدفوعة القيمة. لا تحاولوا أن تبيعوا الماء في حارة السقايين”.

 

دعم الاتحاد وتأسيس مؤسسة صحفية موحدة

 

وأعلن الوزير التزام الوزارة، بالتنسيق مع والي الخرطوم، بدعم إعادة تأهيل مقر الاتحاد العام للصحفيين السودانيين ودعوته لعقد جمعية عمومية لتأسيسه من جديد.

 

وكشف عن مقترح الوزارة لتأسيس مؤسسة صحفية واحدة تضم الصحفيين بمختلف انتماءاتهم “لتلتزم الدولة بالتزاماتها تجاههم”، مشدداً على أن الوزارة “جهة تنظيمية وليست ضابطة” وليس من اهتمامها إصدار صحيفة خاصة.

 

وأشار إلى أن الوزارة هي صاحبة فكرة ورشة قانون الصحافة والمطبوعات عام 2009 لحماية الصحفيين وتحويل مساءلتهم لقانون المعلومات، وجدد استعداده لدعم مبادرات الصحفيات إذا قدمت رؤية واضحة.

رفض التعميم وقوة الإعلام في صدقه

 

وشدد على رفض التعميم في نقد الوسط الصحفي، قائلاً: “في السودان أسماء بارزة وأخلاق رفيعة. نتحدث عن قلة شوهت صورة المهنة عبر صحافة الموبايل”.

 

وختم بالتأكيد أن “قوة الإعلام في صدقه لا في ضجيجه”، وأن “السلطة تكليف وليست تشريفاً”، وأن باب الوزارة مفتوح لكل مبادرة وطنية لبناء “سودان جديد وعلاقة مبنية على الموضوعية بين المسؤول والصحفي والمواطن”.

نقد “نمطية الإحباط”

 

من جانبه ​دعا الكاتب الصحفي محمد حامد جمعة، خلال مشاركته في منتدى “أدبيات ممارسة العمل الصحفي”، إلى ضرورة إجراء مراجعة نقدية شاملة لأداء الإعلام السوداني في ظل الحرب، مشدداً على أهمية الانتقال من “صحافة نقل الأخبار المخبرية” إلى تبني سردية وطنية مهنية ومؤثرة محلياً ودولياً.

وأكد جمعة في مداخلته أن الإعلام السوداني، رغم دوره في تعزيز التلاحم الشعبي، وقع في فخ “تصنيع حالة من الإحباط العام” عبر تكريس صورة ذهنية نمطية تروج لفشل الدولة دون تقديم أدلة موثقة أو معالجات موضوعية، محذراً من أن هذا النهج أضر بالموقف الوطني العام.

​أزمة السردية الخارجية وقصور القصص الإنسانية

وانتقد الكاتب فشل الوسط الصحفي في تصدير سردية الحرب إلى الخارج، مشيراً إلى خلو الصحافة الإقليمية والدولية من تقارير ومقالات سودانية مساندة للقضية العادلة للبلاد، مرجعاً ذلك إلى ضعف المبادرات المهنية الجماعية.

كما انتقد انصراف الصحفيين عن “القصص الإنسانية” التي تلامس واقع الناس، تاركين المجال لمراسلين أجانب لتوثيق قصص الصمود والنزوح التي كان ينبغي أن تتبناها الصحافة الوطنية.

 

وفيما يتعلق بعلاقة الدولة بالصحافة، سجل جمعة عتباً صريحاً على الأجهزة الرسمية، معتبراً أن “انتقائية” التعامل مع دوائر صحفية محددة تسببت في تفتيت الموقف الإعلامي الوطني. وطالب بضرورة تأسيس دوائر تنوير إعلامي راتبة تضمن “العدالة في الحصول على المعلومة” لجميع الصحفيين، مشدداً على حق الصحفي في الوصول للمصادر الرسمية دون تمييز.

 

​اقتصاديات المهنة والتحصين ضد الاختراق

 

وحذر جمعة من المخاطر الاقتصادية التي تواجه المؤسسات الصحفية، مؤكداً أن ضعف التمويل يجعل الصحفي “أكثر عرضة للاختراق” في ظل الظروف الأمنية الحالية. واقترح حلاً هيكلياً يقوم على دعم المواقع الإلكترونية المسجلة عبر نظام إعلاني شفاف وممنهج، بدلاً من الحوافز الفردية التي تكرس التبعية.

 

​دعوة لترتيب البيت الداخلي

 

وختم الكاتب دعوته بالتأكيد على ضرورة تفعيل الكيانات المهنية لتكون معبرة عن القاعدة الصحفية لا عن قياداتها، داعياً إلى حوار مباشر وموسع بين المسؤولين في الدولة والوسط الصحفي لوضع خارطة طريق ترتكز على الشفافية، المهنية، والمسؤولية الوطنية، بعيداً عن صراعات الوسط الصحفي الجانبية.

ضبط الأداء

 

في ذات السياق أكد رئيس تحرير صحيفة مصادر عبد الماجد عبد الحميد على ضرورة وجود ميثاق شرف صحفي يضبط ممارسة المهنة، معتبراً أن الجودة لا تعني غياب الخطأ، بل القدرة على تداركه والالتزام بالمهنية، مشدداً في الوقت ذاته على ضرورة التمييز بين العلاقة مع المؤسسات ككيانات وبين العلاقة الشخصية مع الأفراد، داعياً إلى ضبط الأداء ليكون مؤسسياً وليس قائماً على العلاقات الشخصية. وأشار عبد الحميد إلى أن الصحافة في الوقت الراهن تواجه تحديات كبيرة تتعلق بانتشار الأخبار غير الدقيقة، مما يفرض مسؤولية أكبر على الصحفيين للتحقق من المعلومات، مطالباً بضرورة تفعيل الدور الرقابي والتنظيمي للصحافة، مع التأكيد على أن الممارسة المهنية يجب أن تستند إلى أسس وقواعد واضحة.

المطالبة بتوفير المعلومات

 

 

أكد السفير العبيد مروح أن غياب التشريعات المنظمة لتدفق المعلومات في السودان يمثل التحدي الأكبر أمام العمل الصحفي، مشدداً على أن عدم وجود قانون يصنف المعلومات يحرم الصحفيين من حقهم الأصيل في المعرفة، ويعيق دورهم كـ “سلطة رابعة” في التعامل مع الأزمات الوطنية.

 

وفي مداخلة له خلال ندوة حول مهنية الصحافة ووطنية الإعلام، دعا مروح كافة مؤسسات الدولة، بالإضافة إلى الشركات العامة والخاصة المعنية بمصالح الناس، إلى الالتزام بتوفير المعلومات غير السرية للصحفيين، مؤكداً أن الصحافة لا يمكنها أداء رسالتها “على مدار الساعة” في ظل احتكار المعلومة أو غيابها.

الصحافة كـ “درع وطني”

استحضر السفير مروح الدور البطولي للإعلاميين السودانيين خلال بدايات الأزمة في عام 2023، واصفاً إياهم بـ “الدروع” التي تصدت لمخططات مليشيا الدعم السريع، لا سيما بعد استهدافها للإذاعات والتلفزيونات الوطنية. وأوضح أن الإعلام الوطني نجح في فضح مخططات توظيف السياسيين لخدمة أهداف القتال، مما يثبت محورية الإعلام في الأمن القومي.

الدعوة إلى مهنية تفرق بين الصحفي والناشط

وفي سياق آخر، حذر مروح من الخلط بين الصحفيين المهنيين والنشطاء أو “المؤثرين” على وسائط التواصل الاجتماعي. وأكد أن استقلالية الصحافة تعتمد على الالتزام الصارم بمعايير المهنة والموضوعية، داعياً الدولة إلى دعم المؤسسات الصحفية قانونياً ومادياً دون التدخل في سياساتها أو التشكيك في حيادها، لضمان قيادة الرأي العام وتجاوز التحديات العسكرية والاقتصادية والسياسية التي يمر بها السودان.

 

تحول في أدوات الإنتاج الصحفي

واختتم مروح بالتنويه إلى التحول التقني الذي طرأ على العمل الصحفي، حيث انتقلت الكتابة من الأساليب التقليدية إلى الاعتماد على “الأيقونات الذكية” والوسائط التقنية الحديثة، داعياً وزارات الإعلام إلى إعادة تنظيم القطاع الحيوي بما يتواكب مع هذه التحولات لضمان بقاء صوت الدولة مسموعاً وفاعلاً.

دعم المؤسسات المهنية

 

يخلص المنتدى إلى أن معركة الإعلام السوداني اليوم ليست معركة كلمات فحسب، بل معركة ثقة.

 

فبين إصرار الدولة على حماية “سقف الحريات” ودعم المؤسسات المهنية، وإصرار الصحفيين على مراجعة الذات وضبط الأداء بميثاق شرف وتشريع واضح، يظل التحدي الأكبر هو بناء “عقد مهني جديد” يعيد للكلمة وزنها.

 

فلا حرية بلا مسؤولية تصون الأمن القومي، ولا وطنية بلا مهنية تكسب ثقة المواطن. وعندما يلتقي صدق الصحفي بشفافية الدولة، يمكن للإعلام أن يتحول من ساحة “هجم النمر” إلى درع حقي لمعركة الكرامة وبناء “سودان جديد”

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى