الحوار السوداني-السوداني: رهانات القوى السياسية وتحديات الانتقال في زمن الحرب”

خارطة طريق الحكومة تغلق أبواب التدويل وتفتح نافذة الوفاق

​الكتلة الديمقراطية تضع النقاط على الحروف: لا مشاركة لمن يتورط في الحرب”

محللة سياسية لـ”العودة”: الشمولية والإرادة السياسية “صمام الأمان” لنجاح الحوار السوداني

​أردول: إبعاد حميدتي والتخلي عن «الحكومة الموازية» شرطان لدخول تأسيس

تقرير- عماد النظيف 

​مع استمرار المعارك في عدد من محاور القتال، وتزايد الدعوات في الإقليم والعالم للقوى السياسية لمناقشة الأزمة السودانية والدفع بالمسارات السياسية إلى الواجهة، كان آخرها اجتماع أديس أبابا في بداية يونيو؛ بات “الحوار السوداني-السوداني” هو العنوان الأبرز والمدخل الحقيقي للحل، حيث تتقاطع عنده الرؤى وتتفاوت الاشتراطات. فبينما يطرح رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رؤية ترتكز على إرادة وطنية خالصة ومتحصنة بالسيادة، يشدد مندوب السودان لدى الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس على أن هذا الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة، وفي موازاة ذلك، تضع قوى سياسية كـ “الكتلة الديمقراطية” اشتراطات أمنية صارمة، إذ تؤكد دكتورة نضال هشام أن الترتيبات الأمنية شرط أساسي لنجاح هذا الحوار، بينما يرهن مبارك أردول مشاركة تحالفات معينة بالتخلي عن خيارات التقسيم والحكومات الموازية. وتتوازى هذه المواقف مع رؤى إقليمية ودولية متعددة، بدءاً من مبادرات الرباعية الدولية وصولاً إلى ميثاق تحالف “تأسيس”، مما يجعل من توقيت انطلاق الحوار، وأطرافه، وقضاياه، ساحة مفتوحة للنقاش والجدل، وهو ما يسلط هذا التقرير الضوء عليه في محاولة لاستعراض تقاطعات المشهد الراهن.

 

مجلس السيادة الانتقالي

 

في خطوة لتعزيز التوافق الوطني، أكد مجلس السيادة الانتقالي في اجتماعه الأخير نهاية الأسبوع المنصرم، أن المجلس يضع ملف “الحوار السوداني-السوداني” على رأس أولوياته، مؤكداً دعمه الكامل لكافة المبادرات الوطنية الهادفة إلى تحقيق التوافق الشامل بين السودانيين.

 

مبادرات العواصم إلى تعقيدات الواقع

 

​اليوم، وبينما يشدد الجميع على أن الحوار هو المخرج الوحيد للأزمة، تعود بنا الذاكرة إلى مسارات شائكة بدأت منذ أشهر، حيث توحدت رؤية الفاعلين على ثلاثة محاور: وقف العدائيات، الإغاثة الإنسانية، وعملية سياسية سودانية خالصة.

​محطات المبادرات الدولية

بالعودة إلى 11 سبتمبر الماضي، برزت “الرباعية الدولية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات) بمبادرة هدفت لوقف نزيف الدم عبر هدنة لثلاثة أشهر، تليها فترة انتقال سياسي من تسعة أشهر لتشكيل حكومة مدنية. لاقت تلك المبادرة ترحيباً واسعاً، لكنها اصطدمت بموقف الحكومة السودانية؛ إذ قدم رئيس الوزراء، كامل إدريس، في مجلس الأمن أواخر ديسمبر الماضي، “خارطة طريق” اشترطت وقفاً شاملاً للنار تحت إشراف أممي وأفريقي وعربي، مع إلزام الدعم السريع بالانسحاب من المدن إلى معسكرات مراقبة.

 

​رؤية “التأسيس” وتحدي الانقسام

في الجانب الآخر، كان “تحالف التأسيس” -الذي يضم الدعم السريع، الحركة الشعبية-شمال بقيادة الحلو، الجبهة الثورية، وأطرافاً منشقة من حزبي الأمة والاتحادي- قد مضى في مسار مغاير. ففي شهري فبراير ومارس، أقر هذا التحالف “ميثاق السودان التأسيسي” و”الدستور الانتقالي لعام 2025″، مجسدين رؤية لبناء سودان علماني ديمقراطي فدرالي قائم على العدالة والمساواة.

 

​أديس أبابا: محاولة التوافق الصعبة

 

ومع حلول الرابع من يونيو الجاري، سعت الآلية الخماسية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الاتحاد الأوروبي، جامعة الدول العربية، وإيغاد) لتقريب وجهات النظر عبر اجتماعات تشاورية في أديس أبابا. ورغم مشاركة الكتلة الديمقراطية، وتحالف “صمود”، وتحالف “تأسيس” في تلك الاجتماعات، كشفت الكواليس عن واقع معقد؛ حيث تركز التوافق الفعلي بين الكتلة الديمقراطية وتحالف “صمود”، بينما ظلت العلاقة بين “الكتلة الديمقراطية” و”تحالف التأسيس” محل تباين حاد، وسط رفض قطاعات داخل الكتلة الديمقراطية الجلوس مع “تأسيس”.

 

رؤية القيادة للمرحلة الانتقالية

 

في إطار التحرك نحو إرساء قواعد التوافق الوطني، وبناءً على ما أوضحه الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في تصريح سابق، عاد رئيس مجلس السيادة الانتقالي ليؤكد مجدداً على ملامح المرحلة المقبلة، مشدداً على أن الاستعدادات جارية على قدم وساق لإطلاق حوار سياسي شامل يهدف إلى التوصل لتوافق وطني عريض يؤسس لمرحلة البناء القادم. وقد أوضح البرهان أن هذه العملية السياسية تستند إلى ثوابت راسخة لا حياد عنها، تأتي في مقدمتها صياغة مبادئ حاكمة تضع حداً للأزمات المتلاحقة وتؤسس لأسس متينة توحد الدولة، مع رسم خارطة طريق واضحة المعالم تقود البلاد نحو إتمام الانتقال المدني الديمقراطي المنشود. وفي سياق تأكيده على السيادة الوطنية، قطع البرهان الطريق أمام أي تدخلات خارجية، معلناً بوضوح أن الشعب السوداني لن يقر أو يقبل بنتائج مؤتمرات تُحاك في العواصم أو إملاءات تُفرض من الخارج، مشدداً على أن الحلول يجب أن تكون نابعة من إرادة وطنية خالصة.

واختتم البرهان بالتزام حكومته بتقديم كافة التسهيلات اللازمة لضمان نجاح هذا الحوار، مؤكداً أن العملية السياسية ستنطلق وتُدار بالكامل “داخل السودان”، إيماناً بأن الإرادة السودانية هي المفتاح الوحيد والموثوق للخروج بالبلاد إلى بر الأمان.

ويأتي هذا التوجه في وقت تتزايد فيه المطالب بضرورة التوافق الوطني للخروج بالبلاد إلى بر الأمان، حيث يعول المراقبون على أن تقود هذه الخطوات إلى تقريب وجهات النظر بين المكونات السودانية المختلفة لإنهاء حالة التشرذم الحالي.

الموقف في الأمم المتحدة

 

جدد السفير الحارث إدريس، مندوب السودان لدى الأمم المتحدة، التزام الحكومة بالسلام وقبول المبادرات الرامية لإنهاء الحرب، مشدداً على أن أي تسوية يجب أن تنطلق من إرادة وطنية سودانية خالصة. وأشار إدريس خلال مخاطبته مجلس الأمن، مساء الجمعة، إلى أن تعنت المليشيا وتمسكها باحتلال الأعيان المدنية والمستشفيات أجهض فعالية إعلان جدة، مؤكداً في الوقت ذاته حرص الحكومة على التعاون مع المبعوث الأممي لدعم مساعي وقف الحرب وحماية المدنيين، مع التمسك الراسخ بأن الحوار الوطني السوداني هو المخرج الوحيد للأزمة. وأوضح إدريس أن تعدد المنابر الدولية دون تنسيق ساهم في تعقيد جهود التسوية، مشدداً على أن رؤية الحكومة ترتكز على انسحاب المليشيات من مدن دارفور وكردفان كضمانة أساسية لأي وقف لإطلاق النار، معتبراً أن غياب هذا الانسحاب يكرس لتهديد وحدة البلاد.

وأكد التزام الدولة بتسهيل وصول المساعدات الإنسانية عبر كافة المسارات، مع التأكيد بأن حل الأزمة السودانية ينبع من الداخل، معلناً عن عزم الحكومة تنظيم مؤتمر للسلم المجتمعي والمصالحات الوطنية بمشاركة واسعة للقوى السياسية والمجتمعية والشباب. وأكد أن هذا المسار يهدف إلى تعزيز التعايش السلمي ومعالجة جذور النزاعات، مشدداً على أن القوات المسلحة تظل الضامن الأساسي للأمن، وأن نجاح أي عملية سياسية مرهون بكونها حواراً سودانياً خالصاً يمتلك قراره من داخل الوطن.

اشتراطات القوى السياسية للمشاركة

 

رهن مساعد رئيس الكتلة الديمقراطية مبارك أردول، مشاركة تحالف السودان التأسيسي “تأسيس” الذي تهيمن عليه الدعم السريع في الحوار “السوداني – السوداني” بثلاثة شروط، من بينها إبعاد قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” من رئاسة التحالف، والتخلي عن المشاريع الرامية إلى تقسيم السودان عبر إنشاء حكومات موازية. وقال مبارك أردول في ندوة اسفيرية على “إكس” استضافه خلالها الصحفي السوداني واصل علي، الأحد، إن “الكتلة الديمقراطية وضعت ثلاثة شروط لمشاركة تحالف تأسيس في الحوار السوداني – السوداني؛ الأول أن ينفصل التحالف عن قوات الدعم السريع، والتخلي عن الحكومة الموازية وأي خطوات تهدف لتقسيم السودان، فضلاً عن تحديد الموقف من الانتهاكات التي ترتكب بسلاح تحالف تأسيس”.

تحديات جوهرية

 

شددت الناطقة الرسمية باسم الحرية والتغيير- الكتلةالديمقراطية، دكتورة نضال هشام،في تصريحات خاصة لـ”العودة”، على أن تحقيق الاستقرار والتوصل إلى تسوية سياسية مرهون بتهيئة المناخ العام، مؤكدة أن “الترتيبات أمنية يجب أن تسبق أي عملية حوار شامل” في السودان، أوضحت دكتورة نضال أن الحوار السوداني-السوداني المزمع عقده في الداخل يواجه تحديات جوهرية تتطلب إجراءات حازمة لضمان نجاحه، مشيرة إلى أن تهيئة المناخ هي المدخل الحقيقي لأي مبادرة وطنية جادة. وحددت الناطقة باسم الكتلة الديمقراطية عدة اشتراطات لتعزيز فرص المشاركة في الحوار، قائلة: “يمكن نظرياً تعزيز المشاركة عبر توفير ضمانات لاستقلالية الحوار وعدم توجيه مخرجاته مسبقاً، وإشراك جهة مستقلة أو لجنة توافقية في التنظيم، وضمان حرية المشاركين في طرح رؤاهم دون إقصاء، مع الاتفاق على جدول أعمال تشاوري بعيداً عن الأحادية، بالإضافة إلى توفير ضمانات أمنية وسياسية للمشاركين”. وحول شمولية الحوار، أوضحت دكتورة نضال هشام أن المبدأ العام هو مشاركة الجميع دون استثناء، مستدركةً: “الحوار يشمل الجميع من حيث المبدأ، إلا من ثبت تورطهم في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”.

 

تحليلات المشهد السياسي

 

من جانبها، أوضحت المحللة السياسية اسمهان إسماعيل في تصريحات خاصة لـ”العودة”، أن نجاح أي حوار وطني في ظل الانقسامات الحالية يتوقف على مدى جدية الأطراف في الوصول إلى تسوية تعالج جذور الأزمات. وقالت: “إذا توفرت الإرادة السياسية الصادقة لجميع الأطراف، وأبدت رغبة حقيقية في التنازل والتوصل لتسوية عادلة بمشاركة كل الأطياف دون إقصاء، مع وجود جهة محايدة محل ثقة لضمان إدارة الجلسات بنزاهة وتخفيف التوتر؛ فإن ذلك سيؤدي لنجاح الحوار وتحويله إلى عملية سياسية تعالج أزمات البلاد”. وشددت إسماعيل على أن الحوار الوطني يجب أن يتسم بالشمولية، لأن إقصاء أطراف فاعلة يفقد الحوار أسباب نجاحه وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراعات. وأضافت: “الحوار يمكن أن يكون حلاً لنزاعات البلاد عبر نقل الصراع من ساحة المعارك إلى طاولة المفاوضات. قد تكون عملية معقدة جداً في ظل الحروب، لكن إذا توفرت إرادة سياسية وتنازل من الجميع فيمكن أن يؤدي لحلول توقف انهيار الدولة”. وحول معايير الاختيار، أشارت اسمهان إلى أنها يجب أن ترتكز على “أصحاب الكفاءات والخبرات، والتوزيع الجغرافي المتوازن دون تهميش، إضافة للتعددية السياسية والحزبية والتمثيل الاجتماعي والثقافي”. وختمت المحللة السياسية بالتأكيد على أن وضع السودان الراهن يتطلب تضافر كل الجهود، مشيرة إلى أن “لجان الاتصال في الحوار الوطني مهمتها التواصل مع كل الأطراف المرشحة وإقناعهم بالمشاركة، فالتفاوض قد يجنب السودان ويلات الحرب. يجب أن يتسع الحوار ليستوعب كافة المبادرات الوطنية لوضع رؤية موحدة وحل سياسي يقود البلاد لإنهاء الصراع ورسم خارطة طريق للانتقال السياسي للسلطة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى