علم الدين عمر يكتب : كامل إدريس.. الشائعات الصغيرة في زمن القضايا الكبيرة!!

حاجب الدهشة ..
ما أكثر ما تُدهشنا هذه البلاد العجيب أمرها.. هاهي تنجح في أكثر لحظاتها خطورة..في صرف الناس والأحداث للقشور.. هوامشها.. ومداخل لؤمها الغريب.. معارك إنصرافية صغيرة تشعل الارض بين يدي الحرب وتحديات الإعمار وبينما تدوي في الخلفية أصوات المعركة الوطنية الكبرى التي ما تزال مفتوحة على كل الإحتمالات.. البلاد تحت وطأة حرب مدمرة.. وجودية.. واقتصاد منهك.. وتحديات إعادة البناء.. وتعقيدات الإنتقال..ومستقبل الدولة.. طفقت الساحة خلال الأيام الماضية في جدل قصير.. متوتر.. فارغ من المعنى والمضمون.. عقب سفر رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس إلى بريطانيا لسبب ما.. فإذا بالمنصات تضج.. والشائعات تتري.. والناس يوزعون المناصب ويشكلون الحكومات ويعلنون الإقالات وكأنهم يتعاملون مع حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها..
فجأة أصبح الرجل مُقالاً..ثم مغاضباً..ثم مستقيلاً.. ثم عائداً بشروط.. ثم تحول الأمر لتغيير وزاري كامل.. وتعديلات شاملة في مجلس السيادة.. وإعادة رسم للمشهد السياسي بأكمله..بينما كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه مختلف تماماً.. بعضهم تجاوز حدود التوقع إلى ترشيح رئيس وزراء جديد.. ونسج أحلامه وقراءاته وأمنياته وكأنها حقائق مكتملة الأركان.. وكأن الدولة تدار من مجموعات التواصل الإجتماعي.. أو أن القرارات السيادية تصنعها الشائعات وهمسات الكتشينة وقهاوي أسفل المدينة و(حديثها)..
إنها حالة التجسيد الابرز لأزمة المشهد العام السوداني خلال السنوات الأخيرة..إذ أصبحت الشائعة سيدة الموقف بلا منازع.. وأصبحت الأمنية أقوى من المعلومة.. وتسيد التحليل الرغائبي الساحة عبر الأقلام المغيبة.. جهلاً في كثير من الأحيان.. مجرد رغبات شخصية بلا منطق ولا رؤية..
المهم في هذا الإطار أن حكومة الدكتور كامل إدريس.. وكما هو معتاد مع كل الحكومات..تمضي في أمرها.. تتعثر.. تنجح.. تخفق.. تصيب.. تخطئ.. ويواصل الدكتور عمله.. ويتحرك في حدود ما تتيحه ظروف الحرب وتعقيدات المرحلة والموارد المحدودة والتحديات المتراكمة..
وهي سانحة كذلك لنقول بوضوح إن نقد أداء الحكومة.. وتبصيرها.. والغلظة عليها في بعض الأحيان.. لا يعني المطالبة بإقالتها..ولا الطعن في شخص رئيسها.. فالنقد واجب.. والمساءلة ضرورية.. والمراجعة حق أصيل للرأي العام والصحافة والإعلام..
لكن تحويل كل ملاحظة إلى معركة.. وكل إنتقاد لدعوة للإطاحة بالحكومة ورئيسها وأملها..وكل اختلاف إلى خصومة شخصية.. إنما يضر بالمشهد العام ويضعف مؤسسات الدولة ويحول النقاش الوطني إلى حالة دائمة من الإستقطاب والإنفعال..
فالدكتور كامل إدريس هو رئيس وزراء كامل الصلاحيات.. ولديه برنامج.. يعاني من عثرات لظروف الحرب وتحديات المرحلة.. وهو رئيس وزارة مدني مؤهل.. ويقوم بعمله بكفاءة عالية وهمّة متقدمة.. ويشكل إختراقاً مدنياً واضحاً في الشأن السوداني.. داخلياً وخارجياً.. وفي طريقة تعامل العالم مع السودان في هذه المرحلة الدقيقة..
وهو بذلك جدير بالإحترام.. وزعيم بكف الألسن والأقلام عنه إلا في إطار النقد العادي الذي هو من صميم واجبات الصحافة والإعلام.. بعيداً عن التجريح والتشكيك وصناعة الأزمات الوهمية..
إن بلادنا تواجه أخطر حرب في تاريخها الحديث.. وهي بذلك لا تملك ترف الإنشغال بالشائعات والرغبات السياسية والفحش في الخصومة ..والتربص .. و(التحدير في الظلام).. ولا تحتمل إستنزاف طاقتها الوطنية في معارك صغيرة إنصرافية.. فالقضايا الحقيقية ما تزال موجودة.. الحرب.. والسلام.. والإقتصاد.. وإعادة الإعمار.. والعدالة.. والخدمة المدنية.. وبناء الدولة.. واستعادة الثقة الوطنية.. والعقد الإجتماعي..
أما الشائعات.. فمهما ارتفعت أصواتها.. تظل مجرد ضجيج عابر على هامش معركة أكبر بكثير مما نتصور..
غداً أحدثكم عن مستشار رئيس الوزراء.. مصلح نصار الرشيدي.. ماذا قال.. ولماذا.. وكيف..



