ردا على أولئك: من حق الباحث أن يخطئ لكن ليس من حقه أن يصنع حقائق من افتراضاته

بقلم / محمد فؤاد عيد
ليس جديداً أن يختلف السودانيون مع الباحثين والمحللين الذين يتناولون قضايا بلادهم من خارج حدودها فذلك جزء طبيعي من الجدل الفكري والسياسي لكن الجديد والمثير للقلق أن تتحول بعض المنصات البحثية إلى ساحات لإعادة إنتاج صور نمطية وأحكام مسبقة عن السودان تحت غطاء التحليل الأكاديمي فحين تصدر تصريحات مجحفة أو معلومات غير دقيقة عن السودان من شخصية أكاديمية معروفة مثل الباحثة المصرية أماني الطويل فإن القضية لا تصبح مجرد رأي قابل للأخذ والرد بل تتحول إلى مسألة تتعلق بمصداقية المعرفة نفسها وبالمسؤولية الأخلاقية للباحث تجاه الحقائق التي يقدمها للجمهور.
*السودان ليس مادة خاماً للفرضيات :*
المشكلة الأساسية في كثير من التحليلات الخارجية أنها لا تنطلق من السودان كما هو بل من السودان كما يتخيله أصحاب تلك التحليلات سودان يُعاد تشكيله وفق قوالب فكرية جاهزة وسودان تُقرأ أحداثه من خلال عدسات أيديولوجية ضيقة كذلك سودان تُفسَّر أزماته بمنطق الانتقاء لا بمنطق الإحاطة الشاملة وعندما يحدث ذلك يصبح الباحث أسيراً لفكرته المسبقة بدلاً من أن يكون أسيراً للحقيقة وإذا كانت الحرب السودانية نتاجاً لتداخل عوامل داخلية وإقليمية ودولية فكيف يمكن الحديث عنها بصورة متوازنة مع تجاهل أدوار بعض القوى المؤثرة والتركيز حصراً على أطراف بعينها إن أي تحليل جاد للأزمة السودانية يجب أن يخضع جميع الفاعلين للمعيار نفسه فلا توجد جهة تستحق النقد وأخرى تستحق الحصانة ولا يوجد طرف يُحاسب على أفعاله وطرف آخر تُبرَّر أخطاؤه تحت عناوين سياسية أو أيديولوجية وهنا تحديداً يفقد التحليل قيمته العلمية عندما يتحول إلى اصطفاف سياسي متنكر في ثوب أكاديمي.
*السودان الذي لا يراه البعض:*
هناك سودان حقيقي لا يظهر في بعض التحليلات سودان ملايين النازحين الذين فقدوا منازلهم وسودان المدن التي دمرتها الحرب وسودان الأسر التي دفعت أثماناً باهظة من دمائها وأرزاقها وسودان المواطنين الذين لا تعنيهم معارك النخب بقدر ما يعنيهم أن يعيشوا بأمان وكرامة هذا السودان لا يمكن فهمه من خلال الخرائط الذهنية الجاهزة أو الانطباعات العابرة أو الأحكام المسبقة.
*أزمة الوصاية الفكرية :*
ما يثير الحساسية لدى كثير من السودانيين ليس النقد في حد ذاته بل نبرة الوصاية التي تظهر أحياناً في بعض الخطابات التحليلية وكأن السودانيين عاجزون عن فهم مصالحهم بل وكأن مستقبل بلادهم يجب أن يُصاغ في مراكز الأبحاث لا في إرادة شعبهم واخيرآ وكأن الآخرين أدرى بالسودان من أهله ولقد أثبت التاريخ مراراً أن الشعوب هي التي تصنع مستقبلها لا المحللون ولا التقارير ولا الندوات المغلقة.
*بين المعرفة والانحياز :*
من حق أي باحث أن يتبنى رؤية سياسية ومن حقه أن يختلف مع هذا الطرف أو ذاك لكن ليس من حقه أن يقدّم موقفه السياسي على أنه الحقيقة المطلقة وليس من حقه أن يختزل شعباً كاملاً في صورة نمطية أو توصيفات عامة وليس من حقه أن يتعامل مع السودان باعتباره حالة قابلة للتشريح النظري دون الالتفات إلى تعقيداته التاريخية والاجتماعية والثقافية.
إن السودان لا يحتاج إلى من يتحدث باسمه بقدر ما يحتاج إلى من يسمع صوته ولا يحتاج إلى أوصياء بقدر ما يحتاج إلى شركاء يحترمون سيادته وحق شعبه في تقرير مصيره.
أما الباحث الحقيقي فهو الذي يقترب من الحقيقة مهما خالفت قناعاته لا الذي يقترب من قناعاته ولو ابتعد عن الحقيقة.
ولهذا فإن الرد على أي معلومات مغلوطة أو أحكام مجحفة لا يكون بالغضب ولا بالتجريح وإنما بإعادة الاعتبار للوقائع وبالدفاع عن حق السودان في أن يُقرأ كما هو لا كما يريد الآخرون أن يكون.
فالسودان رغم الحرب والجراح والانقسامات سيبقى أكبر من أن تختصره ندوة وأعمق من أن تفسره فرضية وأقوى من أن تعيد تعريفه كلمات قيلت خارج حدوده.
*أوهام الوصاية الفكرية في زمن الحرب :*
منذ اندلاع الحرب في السودان تحولت المأساة السودانية إلى مادة دائمة ودسمة على موائد مراكز الدراسات والندوات الإقليمية والدولية وأصبح كثيرون يتحدثون عن السودان أكثر مما يتحدث السودانيون أنفسهم ويشرحون للسودانيين أسباب أزماتهم ويقدمون لهم وصفات جاهزة لمستقبل بلادهم وكأن شعباً يمتد تاريخه لآلاف السنين أصبح بحاجة إلى من يعرّفه بنفسه.
وفي هذا السياق تبرز بين الحين والآخر تصريحات وتحليلات صادرة عن بعض الباحثين والخبراء الإقليميين تثير تساؤلات مشروعة حول مدى دقتها ومدى اقترابها من الواقع السوداني ومدى تأثرها بحسابات سياسية وإقليمية تتجاوز حدود البحث الأكاديمي المجرد.
إن المشكلة ليست في حق أي باحث أو أكاديمي في إبداء رأيه فهذا حق مكفول للجميع وإنما المشكلة تبدأ عندما تتحول الفرضيات إلى حقائق مزعومة والتقديرات الشخصية إلى مسلمات والتصورات السياسية إلى أحكام نهائية تصدر بحق شعب بأكمله.
*السودان ليس هامشاً في دفاتر الآخرين :*
ظل السودان لعقود طويلة ضحية لرؤى خارجية متناقضة فمرة يتم تصويره باعتباره دولة فاشلة لا أمل في بقائها ومرة باعتباره مشروع تقسيم ينتظر التنفيذ ومرة باعتباره ساحة صراع بالوكالة بين القوى الإقليمية والدولية.
لكن ما يغيب عن كثير من هذه القراءات أن السودان ليس مجرد مساحة جغرافية على الخريطة وليس مجرد ملف أمني أو سياسي تتداوله مراكز التفكير بل هو وطن حي له ذاكرته وتاريخه وشعبه ومؤسساته وقدرته على النهوض رغم كل ما تعرض له من أزمات.
لقد سقطت عبر التاريخ عشرات التوقعات التي بشرت بانهيار السودان النهائي لكن السودان ظل قائماً بينما اختفت كثير من النظريات التي ادعت فهمه وأزمة بعض المحللين البحث عن السودان الذي يريدونه وكثير من التحليلات لا تنطلق من السودان الحقيقي بل من السودان الذي يتخيله أصحابها.
سودان يناسب تصوراتهم الفكرية أو يخدم قراءاتهم السياسية أو يتوافق مع مصالح القوى التي ينظرون من خلالها إلى المشهد.
ولهذا تبدو بعض التحليلات وكأنها تبحث عن أدلة تؤكد استنتاجاتها المسبقة بدلاً من أن تبحث عن الحقيقة نفسها.
فعندما يتم تجاهل حقائق ميدانية واضحة أو التقليل من تأثير عوامل معينة أو تضخيم أدوار أخرى يصبح التحليل أقرب إلى المرافعة السياسية منه إلى البحث العلمي.
*الحرب السودانية واجتهادات البعض :*
إن ما يعيشه السودان اليوم لا يمكن تفسيره بشعار واحد أو عنوان واحد أو شماعة واحدة.
فالحرب الحالية نتاج تراكمات سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية معقدة امتدت لسنوات طويلة كما أنها تأثرت بعوامل داخلية وإقليمية ودولية متشابكة ولذلك فإن اختزال الأزمة في تفسير أحادي لا يخدم الحقيقة بل يساهم في تضليل الرأي العام وإبعاد الأنظار عن الجذور الحقيقية للأزمة.
*من يملك حق الحديث باسم السودانيين :*
السؤال الذي يفرض نفسه دائماً هو من منح بعض الباحثين والمعلقين حق الحديث باسم الشعب السوداني؟
من الذي فوضهم لتحديد ما يريده السودانيون؟
ومن الذي منحهم سلطة توزيع شهادات الوطنية والديمقراطية والثورية على أبناء السودان؟
إن السودانيين مهما اختلفوا يظلون الأقدر على فهم تعقيدات بلادهم والأكثر إدراكاً لحساسياتها الاجتماعية والثقافية والسياسية وقد أثبتت التجارب أن كثيراً من الوصفات التي صيغت في العواصم البعيدة انهارت عند أول اختبار على الأرض.
علمآ بأن الوصاية الفكرية لا تبني الأوطان ومن أخطر ما تواجهه الدول في أوقات الأزمات ظهور خطاب يتعامل معها باعتبارها غير قادرة على التفكير في مصالحها أو إدارة شؤونها.
وهذا النوع من الخطاب لا يختلف كثيراً عن الوصاية السياسية حتى وإن ارتدى ثوب التحليل الأكاديمي.
فالأوطان لا تبنى بالتعليمات القادمة من الخارج ولا بالنظريات التي تُصاغ بعيداً عن الواقع وإنما تبنى بإرادة شعوبها وقدرتها على التعلم من أخطائها وصناعة مستقبلها بنفسها.
*السودان بين الحقيقة والرواية :*
اليوم تدور حول السودان معركة لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية على الأرض إنها معركة الرواية ومن يروي ما حدث؟ ومن يحدد المسؤوليات؟ ومن يفسر الأحداث؟ ومن يصوغ صورة السودان أمام العالم؟
إن مسؤولية السودانيين لا تقتصر على الدفاع عن الأرض والدولة بل تشمل أيضاً الدفاع عن الحقيقة وعن حقهم في رواية قصتهم بأنفسهم.
فكل فراغ في السرد تملؤه روايات أخرى وكل صمت يفتح المجال لتفسيرات قد لا تعبر عن الواقع وليس المطلوب من الباحثين أن يجاملوا السودان ولا أن يتبنوا مواقف السودانيين ولا أن يتخلوا عن حقهم في النقد.
المطلوب فقط أن يكون النقد قائماً على الوقائع لا الانطباعات وعلى الحقائق لا الافتراضات وعلى التوازن لا الانتقائية.
أما السودان ورغم الجراح العميقة التي أثخنته بها الحرب فإنه سيظل أكبر من أن تختزله ندوة أو يختصره تقرير أو تحتكره رواية واحدة.
فالشعوب التي صنعت تاريخها بعرقها ودمائها لا تسمح لأحد بأن يكتب مستقبلها نيابة عنها.
والسودان كما كان دائماً سيبقى ملكاً لأهله لا لمفسريه ولا لمنظريه ولا لأولئك الذين يظنون أن الخرائط تُرسم بالكلمات أكثر مما تُرسم بإرادة الشعوب.
فإذا صحت التصريحات المنسوبة إلى الدكتورة أماني الطويل في الندوة المغلقة التي استضافها مركز ترندز بالإمارات فإن القضية تتجاوز حدود الاختلاف السياسي أو الأكاديمي لتلامس واحدة من أخطر المدارس الفكرية التي عرفها التاريخ الحديث وهي المدرسة التي تفسر أزمات الشعوب بخصائص عرقية أو ثقافية مزعومة بدلاً من تفسيرها بالظروف السياسية والاقتصادية والتاريخية.
إن أخطر ما في هذا الطرح ليس قسوته على السودانيين فحسب وإنما محاولته نقل الأزمة السودانية من دائرة السياسة إلى دائرة الطبيعة البشرية وكأن المشكلة ليست في الحروب والانقلابات والتدخلات الخارجية وضعف مؤسسات الدولة وإنما في الإنسان السوداني نفسه وهنا تكمن الخطورة عندما يعود خطاب التفوق العرقي بثوب أكاديمي إن الحديث عن “مكون زنجي متخلف” أو ربط التخلف بلون البشرة أو الأصل العرقي لا يختلف جوهرياً عن النظريات العنصرية التي سادت أوروبا خلال القرنين التاسع عشر والعشرين.
فالتاريخ الإنساني أثبت أن التقدم والتخلف ليسا صفات عرقية اليابان مثلآ لم تتقدم بسبب عرقها وكوريا الجنوبية لم تنهض بسبب لون بشرتها وسنغافورة لم تصبح قوة اقتصادية بسبب تكوينها الإثني كما أن الحروب الأهلية التي شهدتها أوروبا لم تكن نتيجة “خلل جيني” لدى الأوروبيين بل إن القارة الأوروبية نفسها عاشت قروناً من الحروب الدينية والمجازر والانقسامات قبل أن تصل إلى وضعها الحالي.
فكيف يصبح التخلف صفة ملازمة للسودانيين وحدهم؟
«غلبة المكون الزنجي على العربي» نظرية عنصرية لا أساس لها وهذه المقولة هي أخطر ما جاء في التصريحات فهي تنتمي إلى مفاهيم استعمارية عفا عليها الزمن وتحمل بذور العنصرية والانقسام السودان لم يكن يومًا «مزيجًا متنافرًا» بل هو نسيج بشري متجانس ومتكامل تكون عبر آلاف السنين من التفاعل بين الثقافات والأعراق وخرج منه شعب سوداني واحد له هويته الخاصة لا يوجد «مكون عربي» مقابل «مكون زنجي» في صراع دائم بل هما معًا يشكلان جوهر الهوية السودانية فالعرب في السودان ليسوا مستوردين والقبائل الأفريقية ليست منفصلة بل تزاوجت الدماء وتقاربت المصائر وصارت لغة واحدة وتاريخًا مشتركًا
إرجاع الأزمة إلى «طبيعة التكوين البشري» هو محاولة مكشوفة لتحويل العجز الإداري والسياسي والضغوط الخارجية إلى «عيب خلقي» في الشعب نفسه وهي ذات النظرية التي استخدمتها الاستعمار لتبرير نهب الشعوب تحت ذريعة «عدم أهليتها للحكم»
فإذا كان التكوين هو السبب فكيف بنى السودان حضارات عظيمة ونجح في تحقيق نهضات اقتصادية واجتماعية في فترات استقراره الأزمة ليست في البشر بل في السياسات التي تُفرض عليهم والثروات التي تُسلب منهم.
*السودان الذي تجاهلته هذه القراءة :*
إذا كان السوداني عاجزاً بطبيعته عن بناء الدولة كما يُقال فكيف نشأت الممالك السودانية القديمة؟ وكيف قامت حضارات كوش ونبتة ومروي؟ وكيف حافظ السودان على وحدته الجغرافية والسياسية لعقود طويلة رغم تنوعه الهائل؟ وكيف أنتج آلاف الأطباء والمهندسين والأكاديميين الذين يعملون اليوم في مختلف أنحاء العالم؟ وكيف ساهم السودانيون في بناء مؤسسات حديثة داخل السودان وخارجه؟
إن اختزال شعب كامل في صورة نمطية واحدة ليس تحليلاً سياسياً بل حكم مسبق.
*هل أصبح اللاجئ السوداني عبئاً أم ضحية :*
من المؤسف أن يُنظر إلى ملايين السودانيين الذين فروا من الحرب باعتبارهم عبئاً.
الحقيقة أن هؤلاء لم يغادروا بلادهم بحثاً عن الرفاهية لقد خرجوا هرباً من القتل والقصف والانهيار الإنساني والسودانيون الذين لجؤوا إلى مصر أو غيرها من الدول كانوا ضحايا حرب لا صناعها.
*هل السودان «عبء» أم هو أصل الحضارة وشريان الحياة :*
من قال إن السودان عبء فالتاريخ يقول عكس ذلك تمامًا السودان هو مهد حضارة كوش التي حكمت مصر نفسها كأسرة 25 فرعونية ووحّدت وادي النيل وزرعت الأمن والاستقرار حين ضعفت القاهرة
النيل الذي يمر عبر السودان هو مصدر الحياة الوحيد لمصر فما يصل إلى أسوان لا يأتي من السماء بل يمر عبر أراضٍ سودانية وتغذيه روافدها ويحمل خيرات تكوّنت في تربتها فإذا كان هناك «عبء» فهو عبء مشترك بل السودان هو المانح الأصلي لهذا النعيم لا العبء
ففي عهد الإدارة المشتركة 1899–1956، استخرجت بريطانيا ومصر من السودان ذهبًا وقطنًا ولحومًا وبنتا مشاريع لخدمة اقتصادهما بينما تركتا البنية الأساسية متداعية وورث السودان الاستقلال بلا مؤسسات حقيقية
فكيف يُوصف «المانح» بأنه «عبء»؟ هذا انقلاب للحقائق لا يصمد أمام قراءة بسيطة للتاريخ.
كما أن العلاقة بين مصر والسودان لم تكن يوماً علاقة طرف يمن على الآخر فالشعبان تربطهما علاقات تاريخية وإنسانية عميقة وقد تعاونا وتبادلا الدعم في مراحل مختلفة من تاريخهما الحديث.
*بين الجيش والدعم السريع.. مساواة تفتقر إلى الدقة :*
إن المساواة المطلقة بين مؤسسة الدولة العسكرية وبين قوة مسلحة متمردة تمثل تبسيطاً شديداً للواقع قد تُوجه انتقادات للجيش السوداني كما تُوجه لأي مؤسسة حكومية لكن ذلك لا يلغي الفارق الجوهري بين مؤسسة وطنية قائمة منذ تأسيس الدولة السودانية وبين تشكيل عسكري نشأ خارج البنية التقليدية للقوات المسلحة إن تقييم أداء الأطراف المتحاربة شيء وإنكار الفوارق القانونية والمؤسسية بينها شيء آخر.
*أزمة السودان ليست سودانية فقط :*
من السهل تحميل السودانيين وحدهم مسؤولية ما حدث لكن أين مكان التدخلات الإقليمية؟
وأين تأثير الصراعات الدولية على البحر الأحمر والقرن الأفريقي؟
وأين دور التمويل الخارجي والتنافس الجيوسياسي؟
وأين آثار العقوبات والحصار والضغوط الاقتصادية التي عاشها السودان لعقود؟
إن أي قراءة تستبعد هذه العوامل لا تقدم صورة كاملة للأزمة.
*السودان ليس مشروعاً لإعادة الصياغة :*
من أخطر ما يردده بعض المنظرين الإقليميين الحديث عن “إعادة صياغة السودان” فالأوطان ليست مشاريع هندسية تُعاد برمجتها من الخارج والشعوب ليست مواد خاماً يعاد تشكيلها وفق رؤى الآخرين السودان يحتاج إلى السلام والاستقرار وبناء المؤسسات والتنمية لكنه لا يحتاج إلى وصاية فكرية أو سياسية من أي جهة كانت.
«خطر على الأمن ويحتاج احتواء» من الذي يصنع الخطر؟
*زعم أن السودان «خطر مستمر على أمن المنطقة» يضع الحقائق رأسًا على عقب:*
الخطر الحقيقي لا يأتي من الشعب السوداني، بل من التدخلات الخارجية التي تحول أراضيه إلى ساحة صراع، وتزود الميليشيات بالسلاح والمال لتمزيق وحدته
عندما يكون السودان مستقرًا، يكون هو درع الأمن والاستقرار للمنطقة كلها، يمنع مرور الجماعات المسلحة، ويحمي طرق التجارة والحدود المشتركة
أما ما يُسمى «الحاجة إلى احتواء»، فهو تعبير ملطف عن الرغبة في فرض وصاية خارجية وتجريد السودان من قراره الوطني وكأن شعبه عاجز عن إدارة شؤونه إلا تحت إشراف الغير والواقع يثبت أن أي محاولة لـ «الاحتواء» لا تخدم إلا مصالح المحتوين لا مصالح الشعب السوداني وإذا كانت الحروب دليلاً على التخلف فإن التاريخ لا يخلو من أمة متقدمة واحدة.
وإذا كانت الأزمات دليلاً على فشل الشعوب لكان نصف العالم اليوم شعوباً فاشلة.
*«عدم القدرة على إدارة الموارد» أم منعها من الإدارة :*
اتهام السودانيين بعدم إدارة ثرواتهم يتجاهل حقيقة قاسية لم يُترك لهم المجال أبدًا ليديروا حيث ان السودان يملك ثروات لا تُحصى ذهب نفط، أراضٍ زراعية مياه معادن وغابات لكن منذ الاستقلال وحتى اليوم تعرض لـ حصارات متتالية عقوبات دولية وتدخلات خارجية تمنع استغلالها لصالح شعبه
حين انفصل الجنوب عام 2011، أخذ معه 75% من النفط، نتيجة سياسات ضغط خارجي لا فشل إداري داخلي واليوم تُستخرج أطنان الذهب يوميًا من دارفور وكردفان لكنها لا تصل لخزينة الدولة بل تذهب لتمويل ميليشيا «الدعم السريع» وشركائها الخارجيين وعلى رأسهم نفس الجهة التي استضافت هذه الباحثة في ملتقاها
كل محاولة لفرض سيطرة كاملة على الموارد تقابل بضغوط وتهديدات فهل يُعقل أن تُتهم الضحية بالعجز بينما السارق يُصفق له؟
*الجيش السوداني «رأس المشكلة» أم الدرع الأخير الذى يحتمى خلفة الوطن :*
وصف الجيش بأنه سبب البؤس يتجاهل دوره الحقيقي في اللحظة المصيرية فهذا الجيش هو المؤسسة الوطنية الوحيدة المتبقية التي تقف في وجه مخطط تفكيك السودان ووقف تمدد الميليشيا التي دمرت المدن وشردت الملايين هو الذي يرفض اليوم أي حلول وسط تُضفي شرعية على انقسام البلاد ويرى أن المعركة وجودية لمنع تحول السودان إلى نسخة أخرى من ليبيا وما يُعاب عليه من تأخير أو صعوبات هو نتيجة حرب غير متكافئة فهو يواجه ميليشيا تمتلك تمويلًا مفتوحًا من الخارج وأسلحة حديثة وغطاءً دوليًا صامتًا بينما يحارب الجيش بقدراته الذاتية لحماية الشعب والسيادة
فبدلاً من أن يُشكك في وطنيته كان الأولى أن يُسأل لماذا يُدعم الخارج من يدمّر السودان ويُحارب من يحميه لكن الأمم لا تُقاس بلحظات ضعفها بل بقدرتها على النهوض منها والسودان رغم المأساة التي يعيشها ليس بلداً فاشلاً بطبيعته ولا شعباً عاجزاً بحكم تكوينه ولا عبئاً على أحد إنه وطن جريح يمر بواحدة من أصعب مراحل تاريخه لكنه يظل قادراً على النهوض متى ما توفرت له فرصة عادلة بعيداً عن الحروب والتدخلات والأحكام المسبقة أما السودانيون فلن يحتاجوا إلى من يخبرهم من هم لأن تاريخهم الطويل سبق كل النظريات وسيبقى بعد أن تختفي كثير من هذه النظريات.
الخلاصة التى نسعى إليها هى ان السودان ليس «عبئًا»، بل هو عمق استراتيجي وحضاري للمنطقة كلها شعبه ليس «خطرًا»، بل هو من يدفع الثمن لضمان أمن جيرانه وتكوينه البشري ليس عيبًا بل هو مصدر قوة وثراء ثقافي لا يضاهى وشعبه ليس «عاجزًا» بل صمد عبر قرون من الحكم التركي الاستعمار البريطاني والحصار الاقتصادي والحروب المفروضة عليه وجيشه ليس «رأس المشكلة» بل هو الجدار الأخير الذي يمنع انهيار الكيان تمامًا.
من يصفه بـ «البائس» ويرجع أزمته إلى تكوينه البشري عليه أن ينظر إلى الحقيقة الكاملة والأزمة ليست في السودان ولا في شعبه بل في الأطماع التي تتربص به وفي الخطابات التي تُصاغ لتبرير نهبه وتفكيكه أما السودانيون فسيبقون أصحاب الحق وسيستعيدون دولتهم وثرواتهم مهما طال الزمن لأن الوطن لا يُوصف بعبء والشعب لا يُحكم عليه بالعجز إلا من يريد أن يبقى هو المسيطر والمستفيد.



