عكس التيار: يوميات مشاتر في دار صباح

نساء دار صباح… حافظات الزمن

مدخل الخامس

بقلم/ مهند أحمد الصاوي

 

في دار صباح كانت النساء يعرفن أشياء لا تعرفها الساعات.. الساعة تعرف الوقت.. أما النساء فكن يعرفن العمر.. ولذلك لم أثق يومًا في الساعات كما وثقت في أمهاتنا.

كانت الساعة تقول إن النهار بدأ.. بينما كانت أمي تعرف أن النهار الحقيقي يبدأ عندما ينتهي صوت الديكة، وتخرج أول امرأة إلى الحوش لتكنس الليل من أمام الباب. كنت أظنها تكنس التراب، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها كانت تكنس الخوف أيضًا، وتفسح للطريق مكانًا كي يمر منه النهار.. وكانت الساعة تقول إن سنة كاملة مرت.

بينما كانت جدتي تقول: “لا… دي سنة الجراد.”فتصبح السنة كلها جرادًا.. أو تقول: “دي السنة المات فيها ود بخيت.” فتصبح السنة رجلًا واحدًا. أو تقول: “دي السنة القامت فيها الحرب الأولى.” فتصبح السنة خوفًا.

في دار صباح لم يكن الزمن يُقاس بالأرقام.. كان يُقاس بالناس.

كانت النساء يحملنه في صدورهن كما تحمل الأرض بذورها.. كل امرأة كانت مكتبة صغيرة تمشي على قدمين، لكن أحدًا لم يكن يناديها مكتبة.. كانوا يقولون: أم فلان.. حاجة فلانة.. بت فلان. خالة. عمة. جدة.

أسماء تبدو عادية، لكنها كانت تخفي تحتها أرشيفًا كاملًا للبلاد.. كنت أظن وأنا صغير أن جدتي تعرف كل شيء.. ولم يكن ذلك بسبب الحكمة وحدها.. بل بسبب الذاكرة.. كانت تعرف من تزوج من.. ومن اختلف مع من.. ومن هاجر.. ومن عاد.. ومن مات بعيدًا.. ومن دفن قريبًا.. ومن فقد أرضه.. ومن فقد عقله.. ومن فقد قلبه.

كأن السودان كله كان يمر عبرها ثم يواصل سيره.. ولم أفهم ذلك إلا بعد سنوات.. الدولة كانت تكتب وثائقها في الأدراج.. أما النساء فكن يكتبن وثائقهن في اللحم الحي.. الدولة تحفظ أسماء الناس في الملفات.

أما النساء فيحفظنهم في القلب.. ولذلك لا أميل إلى القول إن المرأة شاهدة على الحرب.. فالشاهد يرى.

ثم يروي.. أما المرأة السودانية فقد كانت الوعاء الذي نجت فيه الحياة نفسها من الحرب.

كانت تحمل ما عجزت البنادق عن حمله، وما عجزت الدول عن حفظه.

 

ثم جاءت الحروب.. وجاء معها لصوص من نوع جديد.. لم يسرقوا الذهب.. ولم يسرقوا المال.. سرقوا البيوت.. والشوارع.. والقرى.. وأسماء الأمكنة.

وحاولوا سرقة الذاكرة نفسها.. لكنهم لم يعرفوا أن الذاكرة لم تكن تسكن الجدران.. كانت تسكن النساء.

كانت النساء يمشين خلف النزوح، وهن يحملن ما هو أثقل من المتاع.. يحملن رائحة البيوت القديمة.. وأسماء الأشجار التي قُطعت.. وأصوات السواقي التي جفت.. وخرائط القرى التي لم تعد موجودة إلا في الذاكرة.

ويحملن كذلك مفاتيح لا تفتح أبوابًا، لكنها تفتح البكاء.

خرجت امرأة من دارفور تحمل طفلًا وحقيبة.. وخرجت امرأة من الخرطوم تحمل أمها وصندوق صور.

وخرجت امرأة من الجزيرة تحمل مفتاح بيت لم يعد موجودًا.

وخرجت امرأة من سنار تحمل شجرة نسب كاملة داخل رأسها.

وخرجت امرأة من كردفان تحمل أسماء الموتى حتى لا يموتوا مرتين.

ولم تكن هؤلاء نساء جهات متفرقة.

كن السودان وهو يمشي على قدميه.

هكذا انتقلت البلاد.. ليس في الشاحنات.. ولا في الطائرات.. ولا في خرائط المنظمات.. بل في صدور النساء.

 

وأحيانًا يخيل إلي أن الوطن، كلما انهار مكان فيه، احتمى داخل امرأة.. كأن المرأة تصبح وطنًا مؤقتًا للذاكرة حتى يعود الوطن.. وحين يطول الغياب، لا تعود تحفظ الذاكرة فقط، بل تحفظ إمكانية العودة نفسها.. لهذا لا أخاف كثيرًا على البيوت حين تهدمها الحرب.. أخاف على النساء إذا تعبن.

فالبيت يمكن أن يُبنى مرة أخرى.

أما الذاكرة، فإذا انكسرت، فلن يعرف الأبناء من أين يبدأون الطريق.

 

أحيانًا أشعر أن السودان كله امرأة عجوز.. امرأة تجلس تحت شجرة نيم.. تضع أمامها إبريق الشاي.. وتعرف أسماء الجميع.. الأحياء.. والأموات.. والغائبين.. والعائدين.

ولا تنتظر من التاريخ اعتذارًا.

بل تنتظر أن يكف الناس عن تمزيق ما ظلت تخيطه بصبرها طوال عمرها.

كلما احترق جزء من البلاد، كانت امرأة ما تلتقط الرماد.

تنفض عنه الغبار.

وتبحث بينه عن صورة.

أو شهادة ميلاد.. أو سبحة أب.. أو ثوب عرس.. أو خصلة شعر لطفلة.. ثم تخبئ تحت الرماد جمرة صغيرة، وتقول: “سيأتي صباح آخر.” وربما لهذا السبب لم تمت البلاد بعد.

في دار صباح لا أستطيع أن أفكر في النساء باعتبارهن ضحايا.. فالضحية تتلقى الألم.

أما هؤلاء فقد حملن الألم، ثم أعدن تشكيله.. حولنه إلى خبز.. وإلى دعاء.

وإلى أغنية.. وإلى حكاية.. وإلى ذاكرة.

وإلى وطن صغير يعيش داخل كل بيت حتى يعود الوطن الكبير.

لهذا، كلما سألني أحد: أين يحتفظ السودان بتاريخه الحقيقي؟

لا أنظر إلى الأرشيفات.

ولا إلى الوزارات.

ولا إلى الوثائق الرسمية.

أنظر إلى النساء.

فهن الذاكرة الأخيرة للحرب.

وهن البذرة الأولى للحياة التي تأتي بعدها.

وإذا كانت دار صباح هي الجهة التي تشرق منها الشمس، فإن نساء دار صباح هن اللواتي أبقين للشمس سببًا كي تشرق كل صباح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى