علم الدين عمر يكتب : العسجد والنهضة.. كيف ولماذا ؟؟!! الصحافة تتنزع حقها.. وللآخرين حقوق.. (2-2)

حاجب الدهشة..
ومن كرامات الصحافة التي لا تسقطها الظروف ولا توقفها الضغوط..القدرة علي استشعار الخطر بمجرد ظهور صور الخبر.. إنتفضت الصحافة السودانية بالأمس ولسويعات معدودة لسيادة السودان علي منظومته الرقمية المالية.. بهدؤ عاصف.. فأستجابت الدولة فوراً وأمتلكت من الثقة بالنفس والشجاعة المؤسسية ماجعلها تراجع قرار منح شركة العسجد رخصة محول مالي بعد ظهور معطيات جديدة وتساؤلات مشروعة من الرأي العام..
إعلان بنك السودان المركزي سحب رخصة شركة العسجد يمثل – في تقديري – خطوة موفقة تستحق الإحترام.. ليس لأنها أنهت الجدل.. ولكن لأنها أكدت أن باب المراجعة ما يزال مفتوحاً.. وأن القرار الإداري ليس نصاً مقدساً إذا اقتضت المصلحة العامة إعادة النظر فيه..
صحيح أن الطريقة التي أُدير بها الملف منذ بدايته ألحقت ضرراً بليغاً بصورة المؤسسات.. وأثارت سيلاً من الأسئلة والإنتقادات حول منهج الدولة في إدارة الملفات الإستراتيجية.. إلا أن تصحيح المسار يظل دائماً أفضل من الإصرار على الخطأ.. والمراجعة خير من المكابرة.. والشفافية أكثر كلفة في بدايتها.. لكنها أقل كلفة بكثير من فقدان الثقة في نهايتها..
إستجابة بنك السودان لضغط الصحافة والرأي العام ليس إنتصاراً لطرف على آخر.. فهذه ليست معركة بين السلطة والصحافة.. ولا منافسة بين مؤسسة الدولة والإعلام الوطني.. إنها الصورة التي ينبغي أن تكون عليها الدولة السودانية.. مؤسسات تتخذ القرار.. وصحافة مهنية تمارس دورها في التبصير وكشف مواطن الخلل.. ورأي عام يقظ يطالب بالإفصاح.. ثم تعود المؤسسة فتراجع وتصحح كلما استدعت الضرورة.. هذا ليس تراجعاً.. بل تكامل وطني ناضج بين مستويات المسؤولية المختلفة هدفه حماية القرار العام وتعزيز الثقة وتحصين السيادة الوطنية..
لقد أثبتت هذه الواقعة أن الصحافة الوطنية حين تنعتق من الإنفعال وتلتزم بالأسئلة المهنية المجردة لا تعرقل الدولة ولا تنازعها سلطتها بقدر ما تؤدي إحدي أهم وظائفها في حماية المشهد الوطني العام.. فالصحافة ليست خصماً للمؤسسات. الصحافة شريك في بناء الوعي العام.. وخط دفاع متقدم عن سلامة القرار.. ووسيلة موثوقة لإختبار السياسات قبل أن تتحول أخطاؤها إلى أزمات يصعب احتواؤها..
لم يكن ما أثير حول هذه الرخصة استهدافاً لأحد.. كان دفاعاً عن حق المجتمع في أن يعرف كيف تُدار الملفات التي تمس إقتصاد وسيادة الدولة ومعلوماتها وأسرارها..
في المقابل..فإن العدالة نفسها تقتضي ألا تتحول شركة العسجد إلى متهم يصدر بحقه حكم جماهيري قبل أن يقول كلمته..من حق الشركة أن تعرض للرأي العام حقيقة موقفها القانوني.. وهيكل ملكيتها.. وطبيعة شراكاتها إن وجدت..وأن تنفي أو تؤكد ما تداولته المنصات المختلفة والأسافير المفتوحة.. الشفافية قيمة عامة.. تبدأ من مؤسسات الدولة ولا تنتهي إلى كل من يتقدم لإدارة مرفق يرتبط بأموال المواطنين أو بالبنية التحتية للإقتصاد الوطني..
غير أن القضية لم تعد قضية العسجد وحدها..بل أصبحت قضية المنهج بأكمله.. هنالك شركات أخري تم منحها ذات الرخصة بصمت عاصف كذلك فماذا عنها؟ وهل ما زالت الرخصة الممنوحة لها قائمة؟ وهل خضعت للمعايير الفنية والأمنية والإجرائية ذاتها؟ وهل إستوفت كل مطلوبات التأهيل والحوكمة وإدارة المخاطر؟ هل يتشمل المراجعة جميع الرخص بمعيار واحد.. حتى يطمئن الجميع للعدالة أم يتوقف الأمر عند العسجد وتموت القصة؟ وتدفع هذه الشركة فاتورة الإعلام الكثيف الذي أضر بها وهو يقيم الإحتفالات ويغرق الوسائط بالصور المستفزة..
ثم إن بناء الإقتصاد الرقمي لا يبدأ من التطبيقات والمنصات.. الأمر كله يبدأ من بناء الثقة في المؤسسات التي تمنح التراخيص وتشرف عليها.. فالمستثمر الحقيقي لا يبحث عن السوق الواسعة بقدر بحثه عن قواعد مستقرة.. وإجراءات معلنة.. ومنافسة عادلة.. ومؤسسات يمكن الوثوق بقراراتها.. وكلما ارتفع مستوى الثقة ارتفعت معه قيمة الدولة ومؤسساتها وتعززت جاذبية الإستثمار.. وانخفضت كُلفة المخاطر..
إن ما جرى ينبغي يتم النظر إليه كفرصة لإرساء تقليد مؤسسي جديد.. تصبح فيه الشفافية قاعدة وإلتزام.. ربما أُغلقت الآن صفحة العسجد.. لكن كتاب الثقة لم يُغلق بعد.. وما ننتظره الآن ليس بياناً جديداً.. ولا تبريراً لما حدث.. إنما سياسة جديدة.. تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والإعلام..
إنتصرت الصحافة السودانية للدولة ومؤسساتها قبل أن تنتصر لنفسها.. وخيراً فعلت السيدة محافظة البنك المركزي التي ننتظر منها توضيحاً لبقية القصة حتي تكتمل حلقاتها ويطمئن الرأي العام لصحة الإجراء وسلامة القرار وإمكانية رد الحقوق إلي أهلها.. وننتظر العسجد لنحكم لها أو عليها مرة أخري.



