“الوثيقة السنارية” في صحيفة العودة: صناعة السلام من منصة التلاحم الرسمي والشعبي والأمني بالخرطوم

تقرير: مصطفى أحمد عبد الله
شهدت العاصمة الخرطوم خطوة تاريخية واستراتيجية نحو الاستقرار الاجتماعي والسياسي في السودان، حيث جرت مراسم توقيع “الوثيقة السنارية للصلح والتعايش السلمي” بين مكونات مجتمع ولاية سنار بفندق السلام روتانا، برعاية رئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وإشراف وحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل الطيب إدريس، وبقيادة وتنظيم المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي برئاسة الدكتور النور الشيخ النور.
لم تكن الوثيقة مجرد تفاهم سياسي، بل كانت في جوهرها بلسمًا إنسانيًا لرتق النسيج الاجتماعي النازف وتخفيف معاناة المواطنين وإفرازات الحرب المعقدة. وتجلى هذا البعد الإنساني في الدور المحوري الذي بذله الدكتور إبراهيم العوض، وزير الصحة والتنمية الاجتماعية المكلف ورئيس لجنة المصالحات بولاية سنار، رفقة أعضاء لجنته المخلصين؛ حيث قادت اللجنة حراكًا مكثفًا يربط بين الرعاية الصحية والاستقرار النفسي والاجتماعي، مكرسين جهودهم لتضميد النفوس، وإحياء قيم الإخاء، والتمهيد الإنساني لعودة النازحين واللاجئين إلى قراهم وديارهم بأمان وكرامة.
من الناحية السياسية، يرسل هذا الحدث رسالة قوية تؤكد التزام الدولة بتبني المصالحات القاعدية كركيزة أساسية لبناء السلام المستدام وتأمين الجبهة الداخلية ضد ممارسات الميليشيا المتمردة.
وأوضح رئيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، د. النور الشيخ النور، أن “الموديل السناري” يشكل لبنة أساسية وخارطة طريق ستعقبها خطوات منظمة ومماثلة في بقية ولايات السودان، مما يجعل من المصالحة المجتمعية أداة سياسية فاعلة لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وتهيئة المناخ للتنمية المستدامة الشاملة.
شكل الجانب الأمني والعسكري الركيزة الأساسية لحماية هذا الوفاق وضمان تطبيقه على الأرض؛ حيث برز الدور القيادي لوالي سنار المكلف، اللواء الركن ربيع عبد الله آدم (الزبير)، الذي قاد بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والعسكرية بالولاية جهوداً حثيثة لتهيئة الأجواء الأمنية والسياسية المناسبة لإنجاح هذه المصالحة.
وعملت الأجهزة الأمنية في سنار كصمام أمان لتثبيت أركان الاستقرار، وتأمين المسارات والمناطق المستهدفة بعودة المواطنين، وتوفير الحماية اللازمة لإنفاذ بنود الوثيقة وتفويت الفرصة على المتربصين بأمن الولاية وسكانها.
برزت الزعامات التقليدية والطرق الصوفية كصمام أمان حقيقي وضامن أساسي لإنفاذ بنود هذه الوثيقة؛ حيث قادت قامات أهلية رفيعة مثل الناظر إبراهيم الفودا، والناظر صلاح محمد المنصور العجب، والعمدة محمد صالح، والدكتور موسى منزول إبراهيم، هذا الوفاق التاريخي بمباركة ومشاركة من الشيخ موسى هلال وحشود من قيادات المجتمع.
وأثبتت الإدارة الأهلية قدرتها التاريخية على قيادة العمل المجتمعي، ونبذ الخلافات والجهوية، والمشي بين الناس بالحسنى لإعلاء المصلحة الوطنية العليا وتثبيت دعائم السلم الاجتماعي.
لضمان عدم بقاء هذا الاتفاق حبراً على ورق، أقرت الوثيقة حزمة من الآليات التنفيذية الصارمة للمرحلة القادمة، تشمل:
تشكيل مجالس سلم فرعية على مستوى محليات وقرى ولاية سنار لمراقبة الالتزام بالميثاق وحل النزاعات الطارئة ودياً.
تأسيس لجان مشتركة لتسهيل والإشراف على عودة النازحين واللاجئين إلى ديارهم وتوفير الحماية الأمنية والرعاية الصحية لهم.
إطلاق برامج إعمار شاملة بالتنسيق بين حكومة الولاية والمجلس الأعلى للسلم الاجتماعي لإعادة تأهيل المرافق الحيوية المتضررة.
إن هذه التوليفة الفريدة بين الالتزام الإنساني، والوعي السياسي، والحكمة الأهلية تضع ولاية سنار في ريادة قاطرة التعافي الوطني، مما يستوجب تضافر كافة الجهود الرسمية والشعبية لتحويل نصوص هذا الميثاق إلى واقع معيش يبشر بمستقبل يسوده السلام والاستقرار في كل ربوع السودان.
