حرب السودان.. نظرة بعيون عربية

بقلم: خالد ماسا
والمتابع للمشكل السوداني منذ أن كان في طور الخلاف بأدوات سياسية، إبان محاولات وضع إطار لاتفاق سياسي يعيد البلاد إلى سكة التحول المدني الديمقراطي، يلاحظ بأن ملف الخلاف ظل يتنقل بين الآليات الأفريقية، متمثلة في الاتحاد الأفريقي والمؤسسة الحكومية الأفريقية للتنمية / إيغاد، والوساطة العربية الداعمة للجهود الدولية، المتمثلة في المبادرة الرباعية بانضمام المملكة العربية السعودية والإمارات. وهذا المشهد بكل تحولاته يعكس بوضوح مكانة السودان في جدول الأولويات الإقليمية والدولية، وإن كان التدخل لحل الخلاف بالأدوات السياسية وقتها «فرض كفاية» على دول الإقليم والعالم، فإن انتقال الخلاف السوداني إلى أدوات أكثر عنفًا بحرب أبريل، صار الاهتمام والتدخل في مكانة «فرض العين» على الإقليم والعالم، بحسابات تأثيرات حرب السودان على الأمن والسلم الدوليين، وارتباط ذلك بالمصالح العربية والأفريقية والدولية ارتباطًا وثيقًا.
السودان في منتدى الدوحة الدوري
في ديسمبر من العام المنصرم، وفي منتدى الدوحة الدوري في نسخته (23)، وبحضور رؤساء دول ووزراء خارجية وخبراء سياسيين واقتصاديين وممثلي مؤسسات دولية، لم يغب ملف السودان عن أجندة المنتدى، خاصة وأن الحرب كانت قد دخلت في عامها الثالث. ومن منظور العدالة الدولية وحقوق الإنسان الذي تناوله المشاركون في المنتدى، تم التأكيد على تعزيز دور الدبلوماسية في حل الأزمة السودانية، التي قدمت حال النازحين واللاجئين بسبب الحرب كواحدة من أكبر الأزمات التي مرت بالعالم بالأرقام. إلا أن الملاحظ أيضًا هو أن المنتدى لم يخصص أجندة بعينها للأزمة السودانية، وإنما جاء ذكرها في السياق العام للمناقشات الإنسانية والسياسية، باعتبارات أولويات ترتيب القضايا لدى المدعوين للمنتدى.
الإعلام العربي وحرب السودان
ولن يجد المتابع للمنصات الإعلامية العربية وتغطياتها لمراحل الحرب السودانية كثير عناء في اكتشاف أن هنالك عوامل خارج الإطار المهني تؤثر في هذه التغطيات، سواء كانت ذات علاقة بالمساحة الزمنية المتاحة للملف السوداني، أو في ترتيب «المانشيت»، أو في مسألة استضافة الخبراء والمحللين وتقديم التقارير. وتأسيسًا على ذلك، كانت ردة فعل الرأي العام السوداني صعودًا ونزولًا مع هذه التغطيات، وصلت إلى حد التأثير على الموقف الرسمي بالمنع والإيقاف.
هل ستوقع الأزمة السودانية في دفتر الحضور لمنتدى الجزيرة (17)؟
«الجزيرة» كرقم مهم في خارطة الإعلام العربي، لم تتوقف اجتهاداتها في ساعات بثها الإخباري اليومي أو ما ينشر عبر منصاتها التفاعلية مع القضايا التي يشكل السودان حاليًا محورًا مهمًا فيها، بل مضت لأكثر من ذلك بإقامة منتداها الـ(17)، الذي تشهده العاصمة القطرية الدوحة في 7–9 فبراير الحالي، لمناقشة قضايا نعتقد بأنها في حالة تماس مباشرة مع الحالة السودانية ومناقشات سبل حلها عبر المنصات الإعلامية.
المنتدى يناقش ملف النظام الدولي متعدد الأقطاب، وبامتداد وتطاول أيام الحرب السودانية صار السودان «حلبة» لجولات صراع من الوزن الثقيل وتوسيع خارطة النفوذ الدولي، وترتفع قيمة الملف السوداني بارتفاع قيمته لدى الأقطاب المتصارعة. وهنا تبرز أهمية أن تتخذ السياسة السودانية منهجًا يعزز ويقدم الثوابت الوطنية على «التكتيك» المرتبط بأحوال ميدان الحرب وتقلباتها.
ويأتي في قمة أولويات الثوابت الوطنية بالنسبة للسودان وحدة الأرض والتراب السوداني، والحفاظ على مؤسسات الدولة، وحماية المصالح السودانية، واحترام السيادة الوطنية.
تأثرت الحالة السودانية كثيرًا بعدم وجود إجماع دولي حول سبل إيقاف الحرب وتحجيم آثارها الإنسانية والاقتصادية على السودانيين، إذ ظل القرار الدولي متأثرًا بقراءة المصالح قبل التعامل المباشر مع الفاعلين الأساسيين في تأجيج الحرب السودانية، أو منتهكي القرار الدولي الذي ابتدأ بحظر السلاح ومنع تمويل الحرب، وانتهى بتسمية ما يحدث بأنه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
المنتدى يناقش قضايا النزاعات والأمن الإقليمي، وبالضرورة لا يمكن إغفال تأثيرات حرب السودان على أمن البحر الأحمر، فالسودان بوضعه الجيوسياسي يعتبر لاعبًا أصيلًا في أمن البحر الأحمر، بل يمكن القول بأن رغبات بعض الجهات في السيطرة على الموانئ المطلة على هذا الإقليم الأمني المهم هي أحد محددات هذه الحرب.
الملف المهم، والذي يجب أن يجد الاهتمام الأكبر منا نحن كسودانيين في مناقشات منتدى الجزيرة (17)، هو ملف تأثيرات الإعلام في النزاعات، فبانعدام وجود خطة إعلامية وطنية واستراتيجيات إعلامية تستوعب ما صنعته الحرب، سيكون من الصعب وجود إسهام حقيقي للإعلام في حل النزاع السوداني، الذي تلعب فيه أدوات التضليل وخطاب الكراهية الدور الكبير.
الإجابة على سؤال كيف سيتحقق السلام في السودان هي واحدة من مسؤوليات الإعلام في تهيئة شروط المناخ الملائم للتعافي الوطني، وتغيير التصورات الخاطئة حول سبل إيقاف الحرب في السودان.
في منتدى الجزيرة (17) في الدوحة، لن يكون السودان حاضرًا على وجه الخصوص، ولكن على مستوى القضايا العامة التي ستناقش من قبل الحاضرين، فإنها تصلح كإطار ومنهج عمل يسهم في حلول عملية للقضايا التي صنعتها الحرب، بما فيها قضايا ما بعد الحرب وملف الإعمار، الذي يتحمل الإعلام مسؤولية الترويج له وخطط تنفيذه منذ اليوم الأول بعد الحرب.
النفخ في «كير» تخريب العلاقات السودانية المصرية باستغلال قضايا اللاجئين لا يدعم القضية السودانية، ولا يدعم جهود استعادة الدولة السودانية المبنية على احترام حق المواطن وحماية حقوقه المكفولة بنص العهد الدولي لحقوق الإنسان.



