نقر الأصابع/ سراج الدين مصطفى/ جمال فرفور .. تجربة مائية.. !!

حينما كان الموسيقار الراحل محمد الامين فى الثامنة والعشرين فقط من عمره كان قد انجز الملحمة الوطنية الخالدة التى رسخت اسمه في الذاكرة السودانية، وقدم (وحياة ابتسامتك) و(بهجة) ولحّن (سوف يأتى) و(زاد الشجون) و(بتتعلم من الايام) وهي اعمال صنعت وجدان امة ووضعت اسمه في مقام الكبار مبكرا ثم توالت تجربته الابداعية عاما بعد عام، حتى صار علامة فارقة في تاريخ الغناء السوداني وصوتا يعبّر عن القيم الوطنية والاحاسيس الانسانية العميقة، وظل عبر الزمن نموذجا للفنان صاحب المشروع الفكري والجمالي الواضح الذى يعرف ماذا يريد وماذا يقدم ولماذا يقدم.. ورغم ان المقارنة من حيث المقام الفني ليست منطقية بين محمد الامين وجمال فرفور، الا ان حضور الاسمين فى الساحة يفرض مثل هذه المقارنات، فمحمد الامين خلال سنوات قليلة صنع مجده، بينما ظل جمال فرفور طوال اكثر من ثلاثين عاما يدور فى حلقة من الاغنيات الخفيفة التى تفتقر الى العمق والجودة، وتفتقد المشروع الغنائي المتماسك، فاغنياته اقرب الى (حلاوة قطن) تذوب بسرعة ولا تترك اثرا فى الوجدان، ولا تعيش طويلا فى ذاكرة الناس، ورغم كثافة انتاجه الا ان الخلل واضح بين الكم والكيف، فقد اعتمد على كثرة الانتاج دون ان يمنح الجودة حقها، فخرجت اغنياته ضعيفة لا تصمد امام الزمن، وتتلاشى مع اول موجة نسيم كفقاعات الصابون.
جمال فرفور لم يستند الى مشروع غنائي واضح المعالم، ولم يطرح رؤية فكرية او جمالية يمكن ان تميزه عن غيره، لذلك لجأ في اوقات كثيرة الى الفرقعات الاعلامية ليبقى فى دائرة الضوء، كما حدث في واقعة فصله من اتحاد الفنانين او الفيديو الذي ظهر فيه وهو يقبل يد الشيخ الامين عمر الامين، في مشهد حمل تعابير متكلفة ومحتوى فقير لا يشبه رصانة الفنان ولا ينسجم مع صورة الفنان الذى يفترض ان يكون فنانا في سلوكه قبل صوته، وهو بذلك يقدم نموذجا لتجربة مائية بلا لون ولا طعم ولا رائحة، لا تستند الى مشروع ولا تترك اثرا باقيا فى الذاكرة الفنية للسودانيين.



