الإدارة الأهلية.. وقود الحرب وممسكات الوحدة الاجتماعية

ملح الأرض
بقلم/ خالد ماسا
وربما لا يحمل الجيل الحالي من الشباب السودانيين أي صورة ذهنية عن “الإدارة الأهلية” بغير تلك التي أظهرتها الحرب، أو تلك النسخة التي قدمها النظام البائد خلال عقود حكمه المنصرمة، وصارت تلك الصورة هي الراسخة في الذهن كلما استدعت الأحداث والذاكرة تمثيل هذه الإدارات في المشهد العام السوداني.
قوة تأثيرات الصورة الحالية مع الحرب، وتراكم ما قبلها خلال سنوات الحكم الذي أسقطته الثورة، ومواقف كثيرة ظلت محسوبة على جزء كبير من قيادات الإدارة الأهلية، ربما تكون هي التي أثرت على تلك الصورة التي كان الإطار العام فيها يقول بأن “نظام” الإدارات الأهلية لا يمكن إنكار أنه كان ولا يزال أحد أهم ممسكات المجتمع السوداني، بل وعلى الرغم من دخول مفاهيم الدولة الحديثة، على الأقل نظريًا، في أدبيات النادي السياسي في السودان، إلا أن الثابت هو أن هذا النظام ظل محتفظًا بقدرته ومكانته وتأثيراته القوية في المجتمع السوداني، وأنه، وفي أوقات وأحداث كثيرة، لا يزال يمثل أحد أهم الكوابح التي تحول دون انهيار الدولة السودانية وتفككها.
إذًا لا يمكن القفز مباشرة إلى النظر إلى سلبيات خلط “زيت” العمل السياسي بماء نظام الإدارة الأهلية، واختيار بعض القيادات في الإدارات الأهلية طريقًا يختلف تمامًا عن المهام والأدوار الأصيلة لنظام الإدارات الأهلية في تطبيب جراحات المجتمع السوداني واستعادة تماسكه المهتز على الدوام بسبب السياسة والاختلاف حول تقسيم السلطة والثروة، دون الانتباه إلى أنه لا تزال هنالك قيادات لا يمكن إنكار الأدوار الوطنية التي يقومون بها في ظل أحداث استطاعت تفكيك مؤسسات حديثة وقائمة على نظم وأفكار المجتمع المدني، ومع ذلك انزلقت إلى مزالق تفكيك المجتمع وتفكيك تماسكه.
(*) حراس السلم ووقود الحروب..
وهنا لا بد لنا من الرجوع بالذاكرة قليلًا، وتحديدًا في شهر يناير من العام 2022م، حيث وقف قائد المليشيا المتمردة وقتها مخاطبًا جمعًا من قيادات الإدارة الأهلية، وموجهًا خطابه إليها، وإجراء “المقاربة” مع الخطاب الأخير في أغسطس 2026م، والذي وضع فيه رسائله في بريد بعض من القيادات الأهلية التي اختارت الانحياز لمشروع تفكيك الدولة السودانية على أسس “قبلية” وجهوية.
المقاربة التي نريد أن نعقدها مع الخطابين نؤسس لها بأن الإدارة الأهلية كنظام، عندما تم إنشاؤها، كان أحد أهم الدوافع لذلك هو أن تكون محددًا من محددات تماسك المجتمع السوداني، وأحد أدوات فض النزاعات، والرصيد المجتمعي لدى السودانيين لإدارة ثروة التنوع فيه.
حرب أبريل، كمستجد على المشهد العام السوداني، أثرت وبشكل كبير، سواء كان هذا التأثير على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الأمني، وهو تأثير وصل إلى حدود التهديد لوجود الدولة السودانية من عدمه، وبالتالي لم يكن نظام الإدارة الأهلية والقيادات فيه بمنأى عن هذه التأثيرات، وأن الحرب نقلت جزءًا من تركيبة هذا النظام من مربع الوساطة وحفظ السلم والأمن الداخليين في السودان إلى مربع “الاصطفاف”، بحيث لم يعد غائبًا عن عين المتابعين تحول جزء من قيادات الإدارة الأهلية من حالة كونها “مرجعيات اجتماعية” إلى منصات اجتماعية للتعبئة العسكرية والتحشيد للحرب في السودان على أسس تتعارض مع الأسس التي نشأ بها نظام الإدارة الأهلية.
المنهج الذي اتبعه قائد المليشيا في لغة خطابه الموجه لقيادات من الإدارة الأهلية في يناير 2022م اختار فيه مستلزمات ما يحتاجه في ذلك التوقيت، فحدثهم عن مفهوم “الحياد” ونبذ العنصرية والجهوية، وحثهم على بناء قاعدة وفاق وطني والاجتهاد مع الدولة لفض النزاعات القبلية، كما وجه القيادات بعدم الانحياز والاصطفاف مع طرف، قائلًا بأن صناديق الاقتراع هي السبيل الوحيد لتقديم حلول مستدامة للمشكل السوداني.
وفي عمر الشعوب فإن المسافة بين يناير 2022م وأغسطس 2026م مسافة ليست بالبعيدة بالقياسات الزمنية لإحداث تحولات جوهرية في فهم وفكر الرجل لأدوار الإدارة الأهلية في السودان، لولا أن الحرب وما حدث بسببها قد مرر مياهًا كثيرة من تحت الجسر، وبالتالي انتقلت اللغة التي ذكرناها أعلاه من مربعات الوعي الكامل بالأدوار الإيجابية التي من الممكن أن تلعبها قيادات الإدارة الأهلية في الأزمات إلى مربعات الاستخدام السيئ والسالب لها.
خطاب أغسطس الأخير لم يكن غير طلب للتعبئة العسكرية، تم فيه اعتبار الإدارات الأهلية ما هي إلا عبارة عن “مفاتيح” لمخازن عسكرية يمكن عن طريقها توفير الإمداد البشري كوقود للحرب في السودان.
وقود لحرب لو أجرت القيادات التي استجابت لهذا الاستدراج جرد حساب دقيقًا على مخازنها من القوة البشرية، فإنها ستكتشف إلى أي مدى هي الخسائر، وإلى أي مدى أن الانحراف عن الأدوار الأصيلة لنظام الإدارة الأهلية قد ينزع عنها وقار الزعامة والقيادة والحكمة.
كان الخطاب الأخير عبارة عن محطة للاستنفار القبلي الواضح، وإعادة ترسيم خارطة المجتمع السوداني وفقًا لجغرافيا أوجدتها الحرب، وتقوم على فكرة “الحواضن الاجتماعية”، الشيء الذي يتقاطع مع ما ذكرناه سابقًا عن أدوار حقيقية وجيدة يمكن أن تلعبها الإدارة الأهلية في إدارة ثراء التنوع في السودان.
لغة الخطاب العامة، والتي تحمل لغة الديمقراطية والدفاع عن حقوق المهمشين وأصحاب المظالم التاريخية، عندما يتم وضعها في قوالب الروافع الاجتماعية ومنصات الإدارات الأهلية، فهي لا تصبح غير وقود للحرب، والمزيد من الإفقار، وتعقيد الطريق أمام نشوء الدولة الحديثة، والتي تقوم فيها الحقوق والواجبات على أساس المواطنة.
نداءات خطاب أغسطس الأخير لقائد المليشيا لم تفرضها قناعات بأدوار إيجابية للإدارات الأهلية، بقدر ما كانت الدوافع فيه ذات علاقة بواقع صنعته الحرب في ميدان القتال، وتحديدًا في الشهر المنصرم، بالتحولات التي حدثت في إقليم كردفان، وخسارة جغرافيا كانت تسيطر عليها المليشيا، وتمثل المدن فيها خطوط إمداد بشري كبيرة، وبالتالي انتقلت الإدارة الأهلية من جزء من مركبات المعادلة الاجتماعية إلى مركب أصيل في المعادلة العسكرية.
(*) الانتقال من الزعامة إلى مقاول تعبئة..
لم يعد سرًا من أسرار الحرب أن بعضًا من القيادات الأهلية، بسبب العصبية القبلية أو حتى لأسباب أخرى، كانت قد تخلت عن عمامة وجلباب اتزان الزعامة، واختارت اللغة التي يستجيب لها تجار الحروب، وهي لغة التمويل والمال، ليتحول البعض منهم إلى مقاولي “نفير” يدفعون بفلذات أكبادهم إلى أتون الحرب ومحرقتها.
الحرب غيرت معايير “الزعامة” لدى البعض، وأصبحت تقاس عندهم، ويتسابقون عليها، بالتنافس على “العدد” الذي يقدمونه للحرب، بدلًا من الدماء التي تحقنها حكمة ورجاحة عقل الإدارة الأهلية.
وبالضرورة فإن “تخريب” الأدوار الإيجابية للإدارات الأهلية ليست مسؤولية المليشيا وحدها كما ذكرنا، فهي أيضًا مسؤولية كل من قاموا بفتح “باب خلفي” في النادي السياسي السوداني لإدخال قيادات من الإدارات الأهلية ليلعبوا الدور السياسي حتى بدون مؤهلات لذلك، ليخسر السودان كثيرًا من رصيد ومخزون رجاحة العقل ومنطق الحكمة والزعامة، فلم يكسب النادي السياسي الجديد، وخسرت الإدارة الأهلية.
خطورة الأمر، والتي يجب التنبيه إليها، هي أن الحرب، طال أمدها أو قصر، ستنتهي يومًا ما، والسياسيون سيتغيرون، وستتغير مواقفهم من بعضهم البعض، ولكن الشروخ التي تتركها الاستخدامات السيئة للإدارة الأهلية في جسد التركيبة الاجتماعية في السودان ستبقى، وستبقى معها كل محفزات الانقسام والصراع القائم على أسس قبلية وجهوية.
تخسر الإدارة الأهلية، بسبب تحولها إلى جزء من أدوات التعبئة الحربية، أحد أهم أسس بنائها وتقلدها للزعامة، والقائمة على التوافق والتراضي والاستجابة التامة للزعامة التي يختارها المجتمع عبر آليات مسلّم ومعترف بها، لتدخل معايير الولاء والاصطفاف في ميدان القتال كأداة للتقييم والتعيين واعتماد الشرعية، وهذا بالضرورة تخريب حقيقي لنظم بناء الإدارة الأهلية، والتي كانت نتاج تراكم سنين طويلة.
ليس من مصلحة الدولة السودانية الآن فقدان الأدوار المهمة والتاريخية للإدارة الأهلية، وإنه صار، بعد كل هذه التكاليف التي دفعتها، أولوية للعودة إلى الأدوار الحقيقية والإيجابية للإدارة الأهلية بوقف التعبئة القبلية، والتصدي بشكل جاد لخطاب الكراهية، ومنع تجنيد الشباب والقصر واستخدامهم كوقود للحرب، والاضطلاع بأدوار مهمة في فض النزاعات، وعقد المصالحات، ولعب أدوار في عودة النازحين إلى قراهم، وحماية المدنيين.
أخطر ما في هذه الحرب أنها لم تكتفِ بتدمير المدن، بل حاولت تحويل القبيلة من مظلة اجتماعية إلى ثكنة عسكرية. وإذا كانت الإدارات الأهلية قد أسهمت، بدرجات متفاوتة، في إطالة أمد الصراع عبر التعبئة والاستقطاب، فإن أمامها اليوم فرصة تاريخية لاستعادة رسالتها الأصلية: حماية المجتمع لا تجييشه، وإطفاء الحرائق لا إشعالها. فالدولة يمكن أن تُعاد بناءً، لكن المجتمع إذا تهشم تحت وطأة العصبية والسلاح، فلن تعيده اتفاقات السياسة وحدها.



