تصريحات مناوي تفتح أخطر ملفات الحرب السودانية

المشهد الآن
علم الدين عمر
وضع الكرة في ملعب وزارتي العدل والإعلام
هل كان ما جرى في 15 أبريل تمرداً مسلحاً أم مشروعاً متكاملاً للإستيلاء على الدولة؟
رواية جديدة عن الأيام التي سبقت الحرب.. وأسئلة تنتظر التحقيق والتوثيق
حقيقة إنقلاب يوم العيد.. وإعلان حميدتي أميراً لعرب الشتات بالسودان من (سرتو) !!!
فتحت التصريحات الجديدة التي أدلي بها السيد مني اركو مناوي رئيس حركة جيش تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور حول تمرد مليشيا الدعم السريع والحرب التي أشعلتها علي أنقاض إنقلاب عسكري كامل الدسم بدأت ترتيباته منذ فترة قبل الخامس عشر من أبريل الباب واسعاً أما سيل من المعلومات المدهشة التي كشفت عن حجم المؤامرة والإحاطة التي تمت في هذا الملف ..التفاصيل حول تحريك قوات المليشيا من دارفور وتشاد والنيجر وأفريقيا الوسطى وغيرها من الدول وتعبئتها الواضحة لإقتحام الخرطوم وأعتقال أو إغتيال القائد العام للجيش ورئيس مجلس السيادة والقادة الآخرين وإنهاء الوضع الدستوري بالكامل والحديث عن زفة (سرتو).. المدينة البدوية التي استمدت رمزيتها من إستقبال الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر أيام القومية العربية وإزماع المليشيا وداعميها إعلان المتمرد حميدتي أميراً لعرب الشتات بالسودان بمشاركة قوي إقليمية كبيرة أعدت عدتها لتنفيذ الإنقلاب واعتماد ساعة الصفر وقت صلاة عيد الفطر المبارك والإحتفال بسرتو بعد خمسة عشر يوماً بمشاركة دول وكيانات دولية وإقليمية كبيرة..
هذه التفاصيل الهامة التي أعلن عنها السيد مناوي يجب إخضاعها للتحليل الدقيق.. العميق لفهم أبعاد مخطط الإستيلاء علي الدولة السودانية وابتلاعها لصالح المؤامرة وتعيين رجل جاهل ومحدود الإمكانيات والتعليم والسند ومشكوك في أصوله رفقة شقيقه غير الملم حتي بأبجديات العمل العسكري ناهيك عن المدني..لتبقي الأسئلة الهامة بحاجة لإجابات أكثر أهمية حول حقيقة ماجري.. وليطلع الشعب السوداني علي التضحيات الكبيرة التي بذلتها قواته المسلحة والقوة المساندة ودفعها الشعب نفسه وتكللت بتحطيم هذه المؤامرة بالكامل والحفاظ على السلامة العامة وسيادة الدولة ووحدة التراب السوداني..
كلما تقدمت الحرب السودانية نحو عامها الرابع.. اتضح أن معركة السلاح ليست سوى وجه واحد للأزمة.. بينما يبقى الوجه الآخر هو معركة الحقيقة.. فما جرى في الخامس عشر من أبريل لا يمكن الإستمرار في قراءته كإشتباك مفاجئ بين الجيش ومليشيا الدعم السريع.. بل لابد من فهمه كحدث معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية والإقليمية..وما زالت كثير من تفاصيله محل نقاش وتحقيق..
وفي هذا السياق.. جاءت تصريحات رئيس حركة جيش تحرير السودان وحاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي لتعيد فتح واحد من أكثر الملفات حساسية.. فمناوي..الذي كان جزءًا من المشهد السياسي والأمني خلال الفترة الإنتقالية..طرح رواية مفصلة عن الترتيبات التي سبقت إندلاع الحرب..وقدم توصيفاً يؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد تمرد..بل مشروع واسع للإستيلاء على الدولة وإنهاء مؤسساتها..
وتنبع أهمية هذه التصريحات من أنها لا تقتصر على وصف المعارك..فقد تناول الرجل مرحلة الإعداد لها..وهي المرحلة التي لا تزال كثير من تفاصيلها بحاجة إلى تحقيق مستقل وتوثيق مؤسسي..يضع وزارة الثقافة والإعلام والسياحة في مواجهة مسؤولية وطنية واضحة لا تقل أهمية عن العمل العسكري والأمني..
فبحسب ما أورده مناوي..بدأت الترتيبات العسكرية قبل إندلاع الحرب بفترة..وشملت عمليات حشد وتحريك لقوات وعناصر مع وجود تصور لحسم سريع يستهدف مؤسسات القيادة والسيطرة في العاصمة..بما يعني أن الهدف لم يكن مجرد فرض واقع عسكري جديد. بل تغيير النظام القائم بالقوة وإنهاء الوضع الدستوري خلال ساعات..
ومن منظور عسكري.. فإن السيطرة على القيادة العامة.. ومراكز القيادة.. ووسائل الاتصال.. والمؤسسات السيادية..تمثل في أدبيات الإنقلابات المسلحة عناصر الحسم الأولى.. ولذلك فإن أي حديث عن خطط تستهدف تلك المواقع يستحق دراسة دقيقة من الجهات المختصة.. بعيداً عن المزايدات السياسية..
كما تضمنت تصريحات مناوي إشارات إلى ترتيبات سياسية ورمزية لما بعد نجاح العملية.. وهو ما يعكس – بحسب روايته – أن التفكير لم يكن مقتصراً على إسقاط المؤسسات..إنما امتد إلى بناء مشهد سياسي جديد فور اكتمال السيطرة..فالحرب دخلت مرحلة مختلفة بعد تغير موازين القوى في عدد من الجبهات.. وأصبح النقاش يتجه تدريجياً من إدارة المعركة إلى كتابة تاريخها.. وفي مثل هذه المراحل تبدأ الشخصيات الفاعلة في تقديم رواياتها..سواء لتفسير مواقفها.. أو لتوثيق ما تعتقد أنه جرى خلف الكواليس..
إن قيمة هذه التصريحات لا تكمن في اعتمادها كحقيقة نهائية فحسب.. وإنما في أنها تضيف معطيات تستوجب المقارنة مع شهادات بقية الفاعلين والوثائق الرسمية وأي تحقيقات مستقبلية..الأمر الذي يقع علي عاتق وزارة العدل لتقوم بدروها في حصر وتوثيق الشهادات ومقارنتها ومقاربتها مع الوقائع المثبتة لتعزيز قضية الدولة في التقاضي والعدالة والتأريخ..
وفي المقابل.. فإن الثابت الذي لا خلاف عليه هو أن الحرب خلفت آثاراً إنسانية واقتصادية وسياسية عميقة.. وأن مؤسسات الدولة تعرضت لهزة غير مسبوقة..بينما تمكنت القوات المسلحة..مدعومة بالإرادة الشعبية من مواصلة القتال ومنع انهيار الدولة بالكامل..وهو ما غيّر مسار الصراع مقارنة بما كان متوقعاً في أيامه الأولى..
إن السودان يحتاج اليوم إلى مشروع وطني شامل لتوثيق الحرب.. يجمع الشهادات والوثائق والقرائن.. ويخضعها للتحقيق العلمي والقانوني.. حتى لا يبقى تاريخ هذه المرحلة رهيناً للروايات المتعارضة أو الذاكرة الإنتقائية..
لقد فتحت تصريحات مني أركو مناوي باباً واسعاً للنقاش..وفتحت مساراً مباشراً للتحقيقات..والأدلة.. والوثائق.. والشهادات المتقاطعة..فالطريق نحو سلام مستدام يمر عبر مواجهة التاريخ أولاً بقدر من الشفافية والعدالة..
ويبقى السؤال الأهم..هل ينجح السودان..بعد انتهاء هذه الحرب في تأسيس عملية وطنية مستقلة لكشف حقيقة ما جرى قبل الخامس عشر من أبريل وأثناءه وبعده؟ لأن معرفة الحقيقة شرط أساسي لبناء دولة أكثر إستقراراً وأكثر قدرة على حماية مؤسساتها ومنع تكرار المأساة..




