جوبا… سلامٌ أضاعته كثرة البنود

هوامش السيادة
بقلم/ ابوذر عوض الكريم احمد
كان السودان يومها يبحث عن نافذةٍ يدخل منها الهواء، فإذا به يفتح أبواباً كثيرة للسياسة، ويترك نافذة الدولة نصف مفتوحة.
جاء اتفاق جوبا في أكتوبر 2020 حاملاً وعداً كبيراً: أن تنتهي البنادق من الحديث، وأن تبدأ الدولة في الكلام. وكان ذلك في ذاته أمراً يستحق الترحيب؛ فالحرب لا تصنع وطناً، والرصاص لا يكتب دستوراً، والدم الذي يسيل في الأطراف لا يمكن أن يكون طريقاً إلى الخرطوم إلا إذا كانت الخرطوم قد فقدت بوصلتها.
لكن الاتفاق، مثل كثير من الاتفاقات السودانية، حمل في داخله فضيلته وعلته معاً.
*له ما له… وعليه ما عليه.*
له أنه خاطب جذوراً حقيقية من مظالم الهامش، واعترف بأن السودان القديم لم يكن عادلاً في توزيع السلطة والثروة والتنمية، وفتح الباب أمام عدد من الحركات المسلحة للانتقال من الخندق إلى السياسة. كما وضع ترتيبات تتصل بالسلطة والثروة والأمن والعدالة الانتقالية، وأراد أن يجعل من السلام مشروعاً يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار.
وهذه صفحة ينبغي ألا تُمحى من التاريخ.
لكن الصفحة الأخرى أكثر إزعاجاً.
فقد جاء الاتفاق مثقلاً بالتفاصيل والترتيبات والمسارات، حتى بدا أحياناً كأن السودان يحتاج إلى اتفاقية لشرح الاتفاقية، ثم إلى لجنة لشرح اللجان، ثم إلى اجتماع لتفسير ما خرج به الاجتماع السابق.
وكانت المشكلة الأكبر أن السلام السوداني ظل في كثير من الأحيان أسير معادلة غريبة: من يملك السلاح يفاوض، ومن يفاوض يحصل على نصيب من الدولة.
وهذه معادلة خطيرة، لأنها لا تعالج ثقافة الحرب؛ بل قد تمنحها درساً جديداً.
فإذا كانت أقصر الطرق إلى السلطة تمر عبر البندقية، فما الذي يمنع بندقيةً أخرى من أن تبحث عن طريقها؟
الدولة لا ينبغي أن تكون جائزة نهاية الحرب.
الدولة هي التي تنهي الحرب.
وهنا كان ينبغي أن يكون جوهر جوبا: إدماج المقاتلين في مؤسسة وطنية واحدة، لا تكريس واقعٍ يصبح فيه لكل حركة حسابها، ولكل قائد نفوذه، ولكل مجموعة ترتيباتها.
فالجيش الواحد ليس مجرد بند في اتفاقية؛ إنه المعنى العملي للسيادة.
وحين تتعدد البنادق التي تحمل السلاح باسم الدولة، تبدأ الدولة نفسها في فقدان اسمها.
لقد كشفت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 هشاشة بعض ترتيبات ما بعد جوبا. فبدلاً من أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً إلى جيش قومي واحد، ظلت قضية الترتيبات الأمنية معقدة وغير مكتملة، ووجدت بعض الحركات الموقعة نفسها أمام امتحان الولاء للدولة في واحدة من أخطر لحظات السودان.
*وهنا ظهرت الحقيقة بلا مساحيق:*
الاتفاق الذي لا ينجح في تحويل البندقية إلى مؤسسة، يظل هدنةً مؤجلة الانفجار.
*ومع ذلك، فإن ظلم جوبا أيضاً أن نحملها وحدها كل أخطاء السودان.*
فالاتفاق لم يصنع الانقسام السياسي السوداني من العدم، ولم يخترع أزمة الدولة، ولم يخلق وحده اقتصاداً منهاراً، ولا نخبة سياسية أدمنت المناكفات أكثر مما أدمنت صناعة المستقبل.
كانت جوبا ابنة مرحلة مضطربة، وولدت في دولة منهكة، وسط انتقال سياسي مرتبك، واقتصاد يترنح، ومؤسسات ضعيفة، وطبقة سياسية تتعامل مع السلطة أحياناً كأنها غنيمة حرب لا أمانة وطن.
لكن المعضلة أن السودان ظل يعالج أزماته بالمسكنات السياسية.
نختلف؟ نوقع اتفاقاً.
نحمل السلاح؟ نوقع اتفاقاً.
نطالب بالسلطة؟ نوقع اتفاقاً.
ثم نكتشف بعد سنوات أن المشكلة لم تكن في نقص الاتفاقيات، وإنما في غياب الدولة التي تجعل الاتفاق قابلاً للحياة.
لقد امتلأ التاريخ السوداني بالمواثيق أكثر مما امتلأت البلاد بالطرق والمستشفيات والمدارس.
وعرف السياسيون كيف يكتبون بنوداً لتقاسم السلطة، لكنهم لم يتعلموا بالقدر نفسه كيف يقسمون عدالة التنمية.
عرفوا كيف يتفاوضون على الوزارات، لكنهم لم يتفاوضوا بما يكفي على مستقبل قريةٍ لا ماء فيها.
عرفوا عدد المقاعد التي يحتاجها هذا الطرف أو ذاك، لكنهم لم يعرفوا عدد المدارس التي يحتاجها طفل في أقصى الهامش.
وهنا تحديداً تكمن مأساة السودان.
الهامش لا يحتاج إلى وزير من أبنائه بقدر ما يحتاج إلى دولة تحمي حق أبنائه.
ولا يحتاج الإقليم إلى حصة في مجلس السيادة بقدر حاجته إلى طريق ومستشفى ومدرسة وأمن وفرصة عادلة.
فإذا تحولت العدالة إلى محاصصة، أصبح السلام مجرد إعادة توزيع للكراسي.
وإذا تحولت الدولة إلى كعكة تفاوضية، أصبح المواطن آخر من يُستشار في أمر وطنه.
لذلك فإن مراجعة اتفاق جوبا اليوم يجب ألا تكون بحثاً عن مذنبٍ واحد.
علينا أن نسأل السؤال الأصعب:
ماذا تعلمنا؟
تعلمنا أن السلام لا يُختزل في توقيع.
وأن السلاح لا يصبح وطنياً لمجرد أن صاحبه جلس إلى طاولة التفاوض.
وأن الاعتراف بمظالم الهامش ضرورة، لكن تحويل تلك المظالم إلى امتيازات سياسية دائمة ليس عدالة.
وتعلمنا، قبل كل شيء، أن السودان لن يستقيم بعشرات مراكز القوة، ولا بجيوش متعددة، ولا بسياسة تقوم على شراء الهدوء بالمناصب.
السودان يحتاج إلى دولة تستوعب الجميع، لا دولة يتنازعها الجميع.
دولة يكون فيها القانون أعلى من الحركة، والمؤسسة أعلى من القائد، والمواطنة أعلى من القبيلة والجهة، والجيش مؤسسة وطنية لا ورقة تفاوض.
فهذا هو السلام الذي يستحقه السودان.
أما السلام الذي يطلب من المواطن أن يدفع ثمنه من جيبه، وأن يرى السياسيين يتقاسمون المناصب بينما تتقاسم البلاد الحرب والفقر والنزوح، فذلك ليس سلاماً كاملاً؛ إنه مجرد استراحة بين جرحين.
*هوامش السيادة*
السيادة لا تبدأ من القصر، ولا تنتهي عند طاولة التفاوض.
السيادة أن تكون للدولة بندقية واحدة، وراية واحدة، وقانون واحد، وقرار واحد.
أما الدولة التي تحتاج في كل أزمة إلى اتفاق جديد لتثبت أنها دولة، فقد آن لها أن تتوقف عن كتابة الاتفاقيات قليلاً… وتبدأ في كتابة هيبتها.
فالوطن لا يُبنى بكثرة الذين يتقاسمون كراسيه، وإنما بقلة الذين يؤمنون أنه ليس كرسياً لأحد…



