“تبلدينا” عندما يتحول حب شجرة إلى “براند”

أحلام إبراهيم: أعتز بمنتوج يحمل ذاكرة وطن
الرياض: محمد يوسف عبد الرحمن ” ميدي”

ثمة مشروعات تبدأ برأس مال، وأخرى تبدأ بفكرة.
لكن قصة «تبلدينا» بدأت بشيء أكثر بساطة ودفئًا: علاقة امرأة بثمرة تعرفها، وشجرة تحب ظلها، ومذاق سوداني ظل حاضرًا في ذاكرتها.. لعشر سنوات، كانت أحلام إبراهيم تعد مشروب التبلدي بإتقان، دون أن تتعامل معه في البداية باعتباره مشروعًا تجاريًا. كان شغفًا تعرف تفاصيله، ومذاقًا تميزت به، حتى بدأ الناس يلاحظون الفارق..
ثم جاءت الطلبات
عائلات سودانية في الرياض بدأت تطلب كميات من مشروبها، خصوصًا خلال شهر رمضان. ومع تزايد الطلب، بدأت الفكرة التي ظلت في الهامش تأخذ مكانها في المقدمة: لماذا لا يصبح لهذا المشروب اسم؟ ولماذا لا يتحول هذا المذاق السوداني الأصيل إلى علامة تجارية؟
هكذا بدأت ملامح «تبلدينا» تتشكل.

شغف شخصي ثم فكرة تجارية
لم تكن أحلام تبحث عن هوية تجارية مصطنعة. كانت الهوية موجودة أصلًا؛ في شجرة التبلدي، في الثمرة، وفي المشروب الذي أتقنت إعداده سنوات طويلة.
تقول:
«حبي لشجرة التبلدي الظليلة وعشقي لمشروب التبلدي وإتقاني لعمله منذ عشر سنوات، تولدت لدي فكرة البراند تبلدينا».
كان تميز المنتج هو رأس المال الأول.
ومع انتشار المشروب بين العائلات، أصبح اسم أحلام مرتبطًا به، وتحول الإعجاب بالمذاق إلى طلب متكرر، ثم إلى فرصة حقيقية يمكن البناء عليها.. لكن التحول الأكبر لم يحدث داخل المنزل.. حدث أمام الجمهور.

في المهرجان.. الجمهور يكتشف «السر»
دخلت أحلام عالم المهرجانات للمرة الأولى برفقة شقيقتيها إخلاص وآلاء، من خلال براند «لوسي أند لوشي».
كانت المشاركة فرصة للتعريف بالمنتجات والوصول إلى جمهور أكبر، لكنها تحولت سريعًا إلى اختبار غير متوقع لمشروع لم يكن قد ولد رسميًا بعد.
مشروب التبلدي الذي كانت أحلام تعده جذب الانتباه.
تذوق الناس، أعجبوا، ثم بدأ السؤال يتكرر:
«من أين هذا المشروب؟»
كان السؤال، في ظاهره، عن مشروب؛ لكنه بالنسبة لأحلام كان إشارة إلى شيء أكبر.
تقول:
«كان الجمهور يعشق التبلدي الذي أقوم بإعداده، والكل يسأل من هذا المشروب».
عند تلك اللحظة، اتخذت الفكرة شكلها النهائي: براند مستقل، يحمل المشروبات البلدية وبعض الأكلات، ويضع التبلدي في قلب هويته.
الاسم جاء طبيعيًا، كما لو أنه كان ينتظر تلك اللحظة: «تبلدينا».

اسم يحمل شجرة.. وذاكرة
اختيار التبلدي لم يكن قرارًا تجاريًا بحتًا.. فالشجرة التي تُعرف عالميًا باسم الباوباب (Baobab)، واسمها العلمي Adansonia digitata، واحدة من أكثر الأشجار حضورًا في البيئة الأفريقية، وتُعرف في السودان أيضًا بالقنقليز أو القونقليز.
جذعها الضخم وقدرتها على تخزين المياه جعلاها نموذجًا للصمود في البيئات التي تتعاقب فيها مواسم الأمطار والجفاف.
وفي السودان، خصوصًا في كردفان ودارفور وغرب البلاد، تتجاوز الشجرة حضورها الطبيعي لتصبح جزءًا من المشهد والذاكرة.. أما ثمرتها، ذات اللب الأبيض والمذاق الحامضي الخفيف، فقد وجدت طريقها منذ زمن بعيد إلى المائدة السودانية، وكان مشروب التبلدي أحد أشهر أشكال حضورها.. ثمرة تحمل في داخلها فيتامين «C» والألياف الغذائية ومركبات مضادة للأكسدة، لكنها تحمل كذلك شيئًا لا تقيسه الجداول الغذائية: مذاق الذاكرة.
ومن هذه النقطة تحديدًا بنت أحلام مشروعها.. لم تأخذ منتجًا غريبًا وتبحث له عن سوق؛ بل أخذت منتجًا يعرفه الناس أصلًا، وحاولت أن تمنحه هوية جديدة ومساحة أكبر.
من ضيق الدار إلى فضاء الأعمال
كانت «تبلدينا» في بدايتها مشروعًا صغيرًا يدار من المنزل.. لكن المشاريع الصغيرة لا تكبر دائمًا بالمال وحده؛ أحيانًا يكبرها الإصرار، ويمنحها العملاء دفعتها الأولى.
تؤكد أحلام أن أسرتها وأبناءها وإخوانها وأخواتها كانوا جزءًا مهمًا من الرحلة، كما أن العملاء لعبوا دورًا حاسمًا عندما أصروا على أن يغادر المشروع نطاق التوزيع المنزلي إلى مساحة أوسع.
وتقول إن الدعم الذي وجدته لم يكن مجرد تشجيع عابر، وإنما كان سببًا مباشرًا في استمرار التجربة وتوسيع حضورها.. وتمنح أحلام شقيقتها الدكتورة آمنة إبراهيم مكانة خاصة في هذه الرحلة، إذ ظلت ترافقها في عدد من المهرجانات، وتقدم دعمها حتى في فعاليات شاركت فيها «تبلدينا» دون طاولة.
حين تصبح العلامة التجارية شريكًا في المشهد
لم تتوقف رحلة «تبلدينا» عند بيع المشروب.
مع الوقت، بدأت العلامة تشارك في عدد من المهرجانات بصفتها راعيًا وداعمًا، في انتقال لافت من مشروع يقدم منتجًا للجمهور إلى علامة تجارية تحاول أن تكون جزءًا من المشهد المجتمعي نفسه.
وكانت آخر مشاركاتها كراعٍ في تأبين الخالدي.. هذه الخطوة تمنح المشروع بعدًا جديدًا؛ فالعلامة لم تعد موجودة فقط خلف طاولة لبيع المنتجات، بل بدأت تضع اسمها في مساحة أوسع من الحضور والتفاعل والشراكة.
السؤال الأصعب: ماذا بعد المشروب؟
ربما يكون نجاح المنتج الأول هو أصعب اختبار لأي مشروع؛ لأنه يضع صاحبه أمام سؤال المستقبل.
وبالنسبة لأحلام، الإجابة واضحة: التبلدي أكبر من مشروب واحد.
تطمح إلى تطوير منتجات أخرى مصنوعة من التبلدي، وابتكار أفكار جديدة يمكن أن تمنح الثمرة استخدامات ومساحات تجارية أوسع.
وتقول: «أتمنى من الله القدير أن يتطور هذا المشروع الصغير ويتحول إلى مشروع أكبر، وبمنتجات أخرى مصنوعة من التبلدي وبأفكار جديدة بإذن الله».. إنها رؤية تتجاوز فكرة بيع منتج موسمي؛ نحو بناء علامة تستند إلى مكوّن سوداني أصيل، وتعيد تقديمه بصورة عصرية.
«تبلدينا».. مشروع صغير بحلم كبير
في ظاهر الحكاية، هناك مشروب سوداني معروف.
لكن خلف الكأس قصة أخرى: امرأة أحبت شجرة، وأتقنت منتجًا، ثم استمعت إلى جمهورها عندما بدأ يسأل، وحولت الأسئلة إلى فكرة، والفكرة إلى اسم، والاسم إلى علامة تجارية.
من مطبخ المنزل، إلى طلبات رمضان، إلى المهرجانات، ثم إلى الرعاية والشراكة المجتمعية؛ قطعت «تبلدينا» خطواتها الأولى دون أن تفقد أصلها.
وهنا تكمن خصوصية التجربة.
فأحلام إبراهيم لم تحاول أن تصنع مشروعًا بعيدًا عن بيئتها، بل فعلت العكس تمامًا؛ عادت إلى أحد أكثر المنتجات ارتباطًا بالذاكرة السودانية، وأعادت النظر إليه بعين رائدة الأعمال.
التبلدي بالنسبة إليها هو شجرة وصمود، ومذاق وذاكرة، ومنتج يمكن أن يحمل هوية المكان إلى مساحة أوسع.
أما «تبلدينا» فلا تزال، وفق رؤية صاحبتها، في بدايات الطريق.. فما بدأ بكأس من التبلدي قد ينتهي يومًا بعلامة سودانية لها رفوفها وأسواقها ومنتجاتها المتعددة.
والحكاية، على ما يبدو، لم تنضج بعد.. إنها فقط بدأت تؤتي ثمارها.




