أم درمان القديمة: المدينة المنسية والمطالبة بعمدة شعبي لإنقاذ إرثها وتاريخها

بقلم: توفيق إسماعيل توفيق

أم درمان القديمة.. تاريخ ينبض بالمجد وواقع يئن تحت وطأة النسيان الحكومي

 

 

أم درمان القديمة، ليست مجرد حارة على ضفاف النيل العظيم، ولا مساحة جغرافية عابرة في الذاكرة السودانية، بل هي النبض التاريخي الخالد، والمدينة التي حفرت اسمها بأحرف من نور في وجدان الأمة. هي الحاضنة الكبرى لكل معاني النخوة، والكرامة، والشموخ الوطني، والملتقى الفريد الذي توحدت على أرضه أطياف السودان المختلفة في أروع لوحة للتعايش السلمي والتنوع الثقافي والقبلي الذي لا مثيل له. لكن العجب كل العجب، أن هذه المدينة العريقة التي أنجبت القادة وصنعت التحولات الكبرى في تاريخ العمل السياسي السوداني، باتت اليوم تعيش مفارقة مؤلمة؛ فهي “المدينة المنسية” التي تكالبت عليها معاول الإهمال والقصور من مختلف الحكومات المتعاقبة.

*معاشيون وموظفون.. صانعو المجد وضحايا التجاهل*:

يسكن هذه الديار الرعيل الأول؛ الموظفون الأوفياء والقطاع العريض من المعاشيين محدودي الدخل وأسرهم ، أولئك الذين أفنوا زهرة أعمارهم في خدمة مؤسسات الوطن وبنائه بصدق وأمانة. هؤلاء الرجال والنساء الذين عُرفوا بالعزة والكرامة والأنفة، يعيشون اليوم في ظروف صعبة وقاسية، يصارعون غلاء المعيشة وتردي الخدمات الأساسية، وكأن جزاء الإخلاص المطلق للوطن هو النسيان والتهميش. لقد ظلت هذه الفئة الكريمة صامدة برغم مرارة الواقع، تذرو رياح الإهمال أحلامهم البسيطة في عيش كريم يليق بتاريخهم المجيد.

*تراجع الخدمات وغياب التواصل الاجتماعي*:

إن بؤس البنية التحتية وضعف الخدمات الضرورية في أم درمان القديمة يعكسان بجلاء حجم الفجوة بين تضحيات المواطنين واستجابة الجهات الرسمية. والأدهى والأمر هو ذلك الشرخ الواضح في التواصل الاجتماعي والرسمي، حيث يغيب المسؤولون وأصحاب القرار عن مشاركة أهل المنطقة أفراحهم وأتراحهم ومناسباتهم الثقافية والاجتماعية، مما خلق شعوراً عميقاً بالغربة والقطيعة بين القاعدة والقمة، وأكد أن المدينة تُترك وحدها في مواجهة أزماتها المتراكمة.

*الإهمال الأكبر.. اغتيال طموحات الشباب وبنية تحتية محطمة*:

ولعل الجرح الأعمق الذي يدمي قلب أم درمان القديمة هو الإهمال الفادح الموجه لقطاع الشباب. فهذه الشريحة الحية التي تمثل عماد الحاضر وذخيرة المستقبل، تعاني الأمرين جراء غياب الملاعب المهيأة، والمراكز الشبابية المعطلة، وانعدام أي استثمار حقيقي في طاقاتهم وقدراتهم. إن ترك البنية التحتية الرياضية والثقافية عرضة للتآكل والدمار يعكس قصوراً استراتيجياً خطيراً، وينذر بضياع أجيال كاملة تركت بلا سند ولا رعاية في بيئة تفتقر لأبسط مقومات الإبداع والتطور.

*العمل السياسي والريادة المغدورة*:

لا يمكن لأحد أن يتجاوز الدور التاريخي الرائد لأم درمان القديمة في صياغة مسار العمل السياسي الوطني. لقد كانت المنبر الذي تنطلق منه أصوات الحرية، والبوصلة التي توجه الأحزاب والتنظيمات بمختلف مشاربها وتنوعها السياسي. ومع ذلك، فإن هذا الإرث النضالي العظيم لم يشفع لها لدى الساسة والحكومات؛ إذ جرى استغلال طاقاتها الثورية في مواسم الحصاد الانتخابي والسياسي، ليتم بعدها إلقاؤها في غيابات الإهمال والنسيان بمجرد وصول النخب إلى مقاعد السلطة.

*ملاذ التنوع الثقافي ومطلب العمدة الشعبي*:

وسط هذا القتامة، تظل أم درمان القديمة مضيئة بفرادة نسيجها الاجتماعي؛ فهي المدينة الأكثر تنوعاً واحتضاناً للقبائل والثقافات المختلفة، وهي النموذج الحي والعملي لإمكانية العيش المشترك في أسمى آياته وأبهى صور التلاحم. ومن رحم هذه المعاناة، ومن عمق هذا الإرث الحضاري الفريد، يبرز مطلب شعبي ملح وضروري لا تحتمل المماطلة: ضرورة تعيين عمدة لأم درمان القديمة؛ شخصية اعتبارية قوية، غيورة على تراب هذه المدينة، تتفرغ تماماً لرعاية شئونها، وتكون صوتاً صادقاً لمعاشييها وشبابها، وحلقة وصل حقيقية تحفظ هيبتها وتدافع عن حقوقها المسلوبة.

*خاتمة*:

إن أم درمان القديمة ليست مساحة ميتة في جغرافيا الخرطوم، بل هي روح السودان المصغرة. وإهمالها ليس مجرد تقصير خدمي، بل هو إجحاف بحق التاريخ والوطن بأسره. آن الأوان لالتفاتة حقيقية، ورد اعتبار تاريخي يعيد للمدينة المنسية ألقها ومكانتها المستحقة قبل أن تنطفئ آخر شعلة من منارات مجدها القديم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى