جامعة ما بعد الحرب.. حين يصبح بناء المعرفة بداية إعادة بناء السودان

بقلم/ د. ماجدة مصطفى صادق

عميد كلية الاقتصاد والدراسات المالية والمصرفية

بعد أن تصمت المدافع، تبدأ معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة الحرب نفسها؛ معركة إعادة بناء الإنسان والمؤسسات والدولة. فالدول التي تخرج من الحروب لا تحتاج فقط إلى إعادة تشييد المباني والطرق والجسور والمستشفيات، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى استعادة قدرتها على إنتاج المعرفة والمهارات والكوادر القادرة على قيادة مرحلة جديدة. ومن هنا فإن الجامعة السودانية يجب ألا تُعامل في مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها قطاعًا خدميًا ينتظر دوره في قائمة إعادة الإعمار، بل باعتبارها واحدة من أهم الأدوات التي يمكن أن تقود عملية التعافي الاقتصادي والاجتماعي وبناء السلام.

الحرب في السودان لم تدمر المباني الجامعية وحدها، بل أصابت المنظومة التعليمية والعلمية في عمقها؛ فقد تشتت الطلاب وأعضاء هيئة التدريس، وتضررت المختبرات والمكتبات والسجلات والبنية التحتية، واضطر عدد كبير من الأكاديميين إلى مواصلة التدريس والبحث من خارج مناطقهم أو خارج السودان. وفي أبريل 2026، أشارت اليونسكو إلى أن نحو 80% من مؤسسات التعليم العالي في السودان لم تعد تعمل، مع أضرار واسعة طالت الجامعات والكليات والمختبرات والمكتبات والقاعات والمكاتب. وهذا يعني أن القضية لم تعد مجرد إعادة تأهيل مبنى هنا أو كلية هناك، وإنما أصبحت قضية حماية مستقبل أجيال كاملة من السودانيين.

ومن الخطأ أن تكون الاستجابة هي إعادة الجامعات إلى الصورة التي كانت عليها قبل الحرب. فإعادة بناء المباني القديمة بالتصميمات القديمة، وشراء المعدات القديمة، وإعادة البرامج الأكاديمية نفسها، لن تكون إلا عودة إلى نقطة البداية. المطلوب هو أن تتحول كارثة الحرب إلى فرصة تاريخية لإعادة تصميم الجامعة السودانية بما يتلاءم مع السودان الجديد واحتياجاته الاقتصادية والاجتماعية.

السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: كم جامعة دُمرت؟ بل: أي جامعة يحتاجها السودان بعد الحرب؟

العالم يقدم لنا تجارب مهمة يمكن للسودان أن يستفيد منها، دون أن ينسخها بصورة عمياء. ففي أوكرانيا، التي واجه نظامها التعليمي حربًا واسعة النطاق، لم يكن الحل هو انتظار انتهاء الحرب حتى يبدأ الإصلاح. بل تسارعت عملية التحول الرقمي، والتعليم عن بعد، وتحديث المختبرات، وتطوير البنية التحتية التعليمية. وقد دعم البنك الدولي مشروعًا لتحديث التعليم العالي الأوكراني بقيمة 200 مليون دولار، شمل تحسين جودة التعليم، وتطوير البنية الرقمية، وتحديث مرافق التعليم والبحث، وإنشاء مختبرات حديثة.

هذه التجربة تحمل رسالة واضحة للسودان: الجامعة التي يمكن أن تتوقف بالكامل عندما يتوقف الوصول إلى مبنى جامعي هي جامعة شديدة الهشاشة. أما الجامعة التي تستطيع أن تستمر عبر التعليم المدمج والمنصات الرقمية والمكتبات الإلكترونية والمحاضرات المسجلة والامتحانات الإلكترونية ومراكز التعلم البديلة، فهي جامعة أكثر قدرة على مواجهة الحروب والأزمات والكوارث.

لكن السودان يحتاج إلى نموذج يناسب ظروفه الخاصة. فالفجوة الرقمية وانقطاع الكهرباء وضعف الإنترنت تجعل الاعتماد الكامل على التعليم الإلكتروني غير واقعي. ولذلك يجب أن تكون الجامعة السودانية الجديدة جامعة مرنة تجمع بين التعليم الحضوري والتعليم الإلكتروني والتعليم المدمج، مع توفير مواد تعليمية قابلة للتنزيل والاستخدام دون اتصال دائم بالإنترنت، وإنشاء مراكز تعلم موزعة جغرافيًا، والاستثمار في الطاقة الشمسية باعتبارها جزءًا من أمن العملية التعليمية.

ولماذا لا تكون الجامعات السودانية الجديدة جامعات خضراء تعمل بالطاقة الشمسية؟ ولماذا لا تصبح الجامعة نفسها مختبرًا للطاقة المتجددة، بحيث يدرس طلاب الهندسة والاقتصاد والإدارة والبيئة تطبيقات الطاقة الشمسية داخل الجامعة ثم ينقلون المعرفة إلى القرى والمدارس والمستشفيات؟ إن الجامعة التي نحتاجها ليست جامعة تستهلك التكنولوجيا فقط، وإنما جامعة تنتج التكنولوجيا والحلول.

وهنا تأتي قضية المختبرات. لا ينبغي أن يكون الهدف مجرد إعادة شراء الأجهزة التي دمرتها الحرب. يمكن للسودان أن ينتهز الفرصة لإنشاء مختبرات بحثية وطنية مشتركة تخدم عدة جامعات في مجالات المياه والطاقة والزراعة والبيئة والهندسة والصحة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية. فبدل أن تمتلك كل جامعة مختبرًا مكلفًا قليل الاستخدام، يمكن بناء مراكز بحثية متخصصة ومجهزة تجهيزًا عاليًا، تكون متاحة للباحثين من مختلف الجامعات.

وهذا يقودنا إلى القضية الأهم: الإنسان.

فقدان المباني يمكن تعويضه، لكن فقدان العلماء والأساتذة والباحثين أصعب بكثير. ومع ذلك فإن السودان يمتلك ميزة مهمة: وجود أعداد كبيرة من الأكاديميين السودانيين في الخارج. ويمكن تحويل هذا الانتشار إلى قوة وطنية من خلال إنشاء شبكة عالمية للأكاديميين السودانيين، تسمح للأستاذ الموجود في القاهرة أو لندن أو برلين أو الرياض أو الدوحة أو واشنطن بأن يشارك في الجامعة السودانية من خلال التدريس عن بعد، والإشراف على الطلاب، وتحكيم الأبحاث، وتدريب أعضاء هيئة التدريس، وإنشاء مشروعات بحثية مشتركة. وهكذا لا تصبح هجرة العقول خسارة كاملة، وإنما تتحول إلى شبكة معرفية عالمية تخدم السودان.

والجامعة الجديدة يجب أن تعيد النظر أيضًا في تخصصاتها. فالسودان بعد الحرب لن يحتاج فقط إلى المزيد من الخريجين في التخصصات التقليدية، بل سيحتاج إلى تخصصات مرتبطة مباشرة بإعادة الإعمار والتحول الاقتصادي. سيحتاج إلى خبراء في اقتصاديات إعادة الإعمار، وإدارة الأزمات والكوارث، وإدارة المشروعات، والتخطيط الحضري، والطاقة المتجددة، والأمن الغذائي، والزراعة الذكية، والصحة في مناطق ما بعد النزاع، والتمويل التنموي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والحوكمة، والسلام والمصالحة.

فالطالب السوداني يجب ألا يتخرج وهو يحمل شهادة فقط، بل يجب أن يتخرج وهو يمتلك مهارة يستطيع أن يستخدمها في بناء وطنه.

وهنا يجب أن تنتقل الجامعة من نموذج “التعليم من أجل الحصول على الشهادة” إلى نموذج “التعليم من أجل بناء القدرة الوطنية”. فالاقتصاد السوداني بعد الحرب سيحتاج إلى إعادة بناء الطرق والجسور والموانئ والمستشفيات والمصانع وشبكات المياه والكهرباء والزراعة والقطاع المصرفي. ومن سيقوم بهذه المهمة؟ سيقوم بها خريجو الجامعات السودانية. لذلك فإن الاستثمار في الجامعة ليس إنفاقًا استهلاكيًا، بل استثمار مباشر في عملية إعادة الإعمار.

وقد أثبتت تجارب الدول الخارجة من الحروب أن التعليم العالي يمكن أن يؤدي دورًا يتجاوز نقل المعرفة إلى المساهمة في بناء السلام وإعادة بناء المؤسسات وتنشيط الاقتصاد. وتقدم البوسنة والهرسك مثالًا مهمًا على تعقيدات إعادة بناء المؤسسات بعد الحرب، وعلى ضرورة ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مجرد إعادة إنتاج للنظم القديمة.

ومن هنا يمكن للجامعة السودانية أن تصبح أيضًا مؤسسة للسلام. فإذا كان السودان يريد منع تكرار الحرب، فلا يكفي أن يعيد بناء المباني. يجب أن يعيد بناء ثقافة المجتمع. والجامعة هي المكان الطبيعي لتعليم الشباب الحوار، واحترام الاختلاف، والتفكير النقدي، وحل النزاعات، والمواطنة، والمسؤولية الاجتماعية، ومبادئ الدولة والقانون.

يمكن أن تنشأ داخل الجامعات مراكز لدراسات السلام وإعادة الإعمار والمصالحة الوطنية، تعمل على إنتاج الدراسات والبيانات والسياسات، وتجمع الأكاديميين والطلاب والمجتمع المدني وصناع القرار. فالجامعة لا يجب أن تكون مكانًا لدراسة الحرب فقط، وإنما يجب أن تكون مكانًا لتعلم كيفية منع الحرب.

والجامعة الجديدة يجب أن تكون مرتبطة أيضًا بالاقتصاد الخاص. فالسودان سيواجه بعد الحرب تحديات كبيرة في البطالة والفقر وخلق فرص العمل، ولن تستطيع الدولة وحدها استيعاب كل الخريجين. ولذلك ينبغي أن تصبح الجامعات حاضنات للابتكار وريادة الأعمال، وأن تساعد الشباب على إنشاء مشروعات في التكنولوجيا المالية، والزراعة، والطاقة الشمسية، والصناعات الغذائية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الرقمية، وإعادة التدوير.

نحن بحاجة إلى الانتقال من نموذج “الخريج الباحث عن وظيفة” إلى نموذج “الخريج القادر على خلق وظيفة”.

كما ينبغي أن يصبح القطاع الخاص شريكًا حقيقيًا للجامعة في تحديد احتياجات سوق العمل وتمويل البحوث وتوفير التدريب العملي وإنشاء المختبرات ودعم الابتكار.

أما البحث العلمي، فيجب أن يتحول إلى أولوية وطنية. السودان بعد الحرب سيكون بحاجة إلى معرفة دقيقة بحجم الخسائر وآثار الحرب على الفقر والنزوح والتعليم والصحة والزراعة والمصارف والعملة والاستثمار والبيئة. وهذه البيانات يجب ألا تبقى موزعة بين المؤسسات، بل ينبغي أن تتحول الجامعات إلى مراكز وطنية لإنتاج المعرفة وتحليلها وتقديمها لصناع القرار.

يمكن للجامعة أن تصبح “عقل الدولة”، ليس بمعنى أن تحل محل الحكومة، وإنما بمعنى أنها تقدم المعرفة والتحليل والبدائل التي تساعد الحكومة على اتخاذ قرارات أكثر عقلانية.

أما التمويل، فهو أحد أكبر التحديات. ولا يمكن أن تتحمل الدولة وحدها تكلفة إعادة بناء التعليم العالي في ظل ضخامة احتياجات السودان في الصحة والإسكان والمياه والطاقة والنقل. ولذلك يجب إنشاء صندوق وطني لإعادة بناء التعليم العالي، بمشاركة الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية والمانحين والصناديق العربية والأفريقية والسودانيين في الخارج والجامعات الأجنبية.

لكن هذا التمويل يجب أن يكون محكومًا بأعلى درجات الشفافية. يجب أن يعرف المجتمع السوداني من أين جاءت أموال إعادة بناء الجامعات، وأين ذهبت، وما تكلفة كل مشروع، ومن نفذه، وما نسبة الإنجاز. فإعادة الإعمار دون حوكمة يمكن أن تتحول إلى فرصة جديدة لإهدار الموارد.

والأهم من ذلك كله أن السودان لا يجب أن ينتظر انتهاء الحرب حتى يبدأ التخطيط للجامعة الجديدة. التخطيط يجب أن يبدأ الآن، من خلال حصر الأضرار، ورقمنة السجلات، وحصر الأكاديميين، وبناء الشبكة العالمية للعلماء السودانيين، وإعداد المناهج الجديدة، وتصميم المنصات الرقمية، وبناء الشراكات الدولية، وإعداد مشروعات التمويل.

فإعادة الإعمار تبدأ بالفكرة قبل أن تبدأ بالمبنى.

وقد يكون المشروع الأكثر أهمية للسودان في هذه المرحلة هو وضع رؤية وطنية بعنوان “جامعة السودان ما بعد الحرب”، وهي ليست بالضرورة جامعة واحدة، وإنما فلسفة جديدة للتعليم العالي السوداني: جامعة رقمية ومرنة، جامعة خضراء، جامعة بحثية، جامعة منتجة، جامعة مرتبطة بسوق العمل، جامعة مفتوحة على العالم، جامعة تجمع العقول السودانية في الداخل والخارج، وجامعة تساهم في بناء السلام وإعادة الإعمار.

لقد أظهرت التجربة الأوكرانية أن الحرب يمكن أن تدفع الجامعات إلى تسريع الرقمنة وتطوير القدرة على الاستمرار، كما أظهرت تجارب دول ما بعد النزاع أن إعادة بناء التعليم يمكن أن تكون جزءًا من إعادة بناء المجتمع والدولة، وليس مجرد إعادة خدمة تعليمية توقفت بسبب الحرب.

ولهذا فإن السودان أمام فرصة تاريخية، رغم قسوة اللحظة. الفرصة ليست في أن يعيد بناء ما دمرته الحرب فقط، وإنما في أن يبني شيئًا أفضل مما كان موجودًا قبل الحرب.

نحن لا نحتاج إلى جامعة تعود إلى عام 2022. نحتاج إلى جامعة تنظر إلى عام 2035؛ جامعة تستفيد من الذكاء الاصطناعي، وتنتج المعرفة، وتستخدم الطاقة النظيفة، وتحتضن الابتكار، وتربط التعليم بسوق العمل، وتستفيد من العلماء السودانيين في جميع أنحاء العالم، وتشارك في إعادة بناء الاقتصاد، وتساهم في بناء السلام.

لقد هدمت الحرب الحجر، لكن لا ينبغي أن تهدم المستقبل.

وإذا كان الطريق والجسر والمستشفى والمصنع يمكن إعادة بنائها بالمال والخبرة والتكنولوجيا، فإن الإنسان الذي سيشغلها ويحافظ عليها ويطورها لا يمكن استيراده إلى الأبد. ذلك الإنسان يجب أن يصنعه السودان، والجامعة هي المكان الطبيعي لصناعة هذا الإنسان.

ولهذا فإن بناء جامعة ما بعد الحرب ليس مشروعًا لإعادة بناء مؤسسة تعليمية فحسب؛ إنه مشروع لإعادة بناء السودان نفسه.

فإذا كانت الحرب قد هدمت الحجر، فإن معركة السلام تبدأ ببناء الإنسان، وإذا كان الإنسان هو الثروة الحقيقية للسودان، فإن الجامعة هي أحد أهم مصانع المستقبل السوداني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى