منى أبوزيد: كارما دولية..!

“الذين يظنون أنهم يحسنون إدارة الخراب في بلادنا من على البعد، ينسون أن عواصف الخراب لا تقرأ الخرائط” .. الكاتبة..!

الكارما ليست مصطلحاً طاقياً أو روحانياً فحسب، بل قانون بسيط وعميق في آنٍ واحد، “كل فعلٍ يترك أثراً، وكل أثرٍ يعود يوماً إلى صاحبه”. هي ليست انتقاماً، بل توازناً كونياً وحساباً أخلاقياً مؤجلاً..!

أغلبنا يظن أن القرارات السياسية تموت بانتهاء التصريحات، وأن الشحنات التي تعبر المطارات تُمحى من الذاكرة، وأن الذهب حين يغير وجهته يغير قصته. لكن الكارما تقول إن الأشياء لا تختفي، بل تتحول إلى نتائج، وارتدادات، ومصائر..!

في هذه الحرب لم تكن المأساة السودانية مجرد صراع داخلي على السلطة بين جيش ومليشيا، بل كانت أيضاً نتيجة راجحة لتدخلات خارجية رأت في هشاشة الدولة فرصة، وفي الخلافات استثماراً..!

حكومة أبوظبي تحديداً، لم تكن في هذا المشهد مراقباً بعيداً، بل كانت طرفاً فاعلاً اختار أن يدعم ويُسلّح ميليشيا الدعم السريع، وأن يمنحها ما يُطيل أمد هذه الحرب ويُعمِّق جراحها. هذه حقيقة جلية كان يثبتها منذ أول يوم مسار الأحداث وتوازن القوة على الأرض..!

حين يُضَخ السلاح في جسد وطنٍ منقسم، لا يُقوّى طرف بقدر ما يُمزَّق مجتمع. وحين يُنهب ذهب السودان ويُعاد تدويره في أسواق بعيدة، لا تكون المسألة تجارة بريئة، بل شرياناً يُستنزف من جسدٍ ينزف أصلاً..!

من النهب إلى السلب إلى الاغتصاب إلى القتل إلى التشريد إلى التجويع، وهذا ليس تسلسلاً لغوياً، بل واقعاً يومياً عاشه السودانيون منذ اندلاع هذه الحرب. أحياءٌ كاملة أُفرغت، بيوتٌ اقتُحمت، نساءٌ انتُهكت كرامتهن، أطفالٌ ناموا على ارتعاشات الخوف لا على حكايات ما قبل النوم..!

السودان لم يكن جنة قبل الحرب، لكنه كان وطناً قابلاً للحياة. كانت شوارعه تكتفي بضجيج السياسة لا ضجيج المدافع، وكانت أزماته تُناقش في المنابر ولا تُحسم بالرصاص. ثم جاء الدعم الخارجي من حكومة أبو ظبي ليُرجِّح كفة الفوضى، ويحوّل الصراع إلى جحيم مفتوح..!

الطمع في ذهب دارفور، في الأراضي الخصبة، في الموانئ المطلة على البحر الأحمر، جعل من السودان رقعة نفوذ جديدة وليس شعباً له أسماء ووجوه وأحلام. ومعلوم أن هناك فرق بين استثمار في بلد، واستثمار في انهياره. الفرق أخلاقي قبل أن يكون سياسياً..!

وهنا تعود الكارما “الدول أيضاً تخضع لقانون الأثر”، من يزرع الفوضى في أرض غيره لا يضمن أن تبقى حدوده صلبة. من يُغذي اقتصاد الحرب يُغامر بأن يصبح أسيراً لمنطقها، ومن يظن أن النار يمكن حصرها في جغرافيا محددة، ينسى أن الرياح لا تعترف بالخرائط..!

الكارما لا تعمل بعجلة نشرات الأخبار، بل بصبر التاريخ. وقد يتأخر الارتداد، لكن التوازن لا يُلغى. الكأس التي سُقيت لشعبٍ أعزل، لا تضيع في الهواء. بل تدور، ربما ببطء، لكنها تدور..!

هناك فرق بين قوةٍ تُبنى على استقرار الجيران، وقوةٍ تُبنى على أنقاضهم. بين نفوذٍ يحمي الإقليم ونفوذٍ يغامر بإشعال أطرافه. والسؤال الذي تطرحه ارتدادات الكارما اليوم – وتمظهرها في بعض الأحداث بعقر دار حكومة أبو ظبي – ليس عن السودان وحده، بل عن مصير كل من ظن أن بإمكانه إدارة الخراب من بعيد دون أن يطاله الشرر..!

                  munaabuzaid2@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى