(صيانة) الخطاب السياسي في زمن الحرب .. خطاب مناوي نموذجًا ..

ملح الأرض

بقلم/ خالد ماسا


والخطاب المعني هنا بالنقد والصيانة بالضرورة لن يكون ذاك الذي «تطفح» به مستنقعات الكراهية الآسنة، أو ذاك الخطاب المستخدم من قبل «حديثي الولادة» في العنبر السياسي التفاعلي، حيث لا سقف أخلاقي ولا أوتاد معرفية في الخطاب، بقدر ما إنها خطابات تتغذى على التناول الشخصي، وتكتسب روادها من مخاطبتهم بلغة «العيب» الاجتماعي.

 

صدور الخطاب الأخير لحاكم إقليم دارفور، مني أركو مناوي، والتقييم الأولي له قبل الشروع في تفكيك التفاصيل، يُظهر بأن الخطاب كان قد أحدث ما يشبه «الزلزال» في الرأي العام، وردود الأفعال عليه، سواء تلك التي تأتي من الصف المؤيد للقائد في القوات المشتركة، أو تلك التي صنعت من الخطاب «دروة» يُضرب عليها الرصاص نقدًا وتجريمًا لأي مفردة في التصريح.

 

الشيء الثاني الذي لا يمكن التغافل عنه هو السياق الذي صدر فيه التصريح وتوقيته، وهو سياق الحرب بالنسبة للشخص الذي صدر منه التصريح، «مني أركو مناوي»، وهو قائد لفصيل كبير ومؤثر في التحالف الذي يخوض الحرب ضد مليشيا الدعم السريع، وقواته موجودة في الميدان الآن. أما بالنسبة للمتلقين للخطاب، فرسائله كانت قد وصلت لأكثر من بريد، لتجيء الردود عليه متباينة وحادة في بعض الأوقات.

 

في هذا النوع من الخطاب، أو في غيره من الخطابات التي يصدرها السياسيون، تعودت الصحافة، ومن خلالها الرأي العام، أن يسمعوا الاستدراك، أو قل إطلاق عمليات «الصيانة» المستعجلة لآثار الخطاب، إما بالتنصل تمامًا من الخطاب وإنكاره، وهو الشيء الذي أصبح صعبًا في ظل التوثيق الرقمي بمختلف أشكاله، أو الادعاء بإخراج الخطاب من سياقه، أو الحاجة لخطاب يشرح تفاصيل لم يتم ذكرها في الخطاب الأول.

 

الخطاب الأخير الذي أطلقه القائد مناوي أخذ كفايته من مظان السوء ورغائب يتعشم أصحابها الركوب على صهوة الرد على الخطاب لتحقيق أهداف سياسية، ونحن هنا بصدد التعامل معه كمدخل لتشريح أزمة الخطاب السياسي السوداني، وكيف يتحدث قادة الحركات المسلحة عن الدولة، وكيف يتعاملون مع السلاح بوصفه أداة للتفاوض السياسي، وكيف تتحول الخلافات داخل المعسكر الواحد، بسبب الخطاب السياسي، إلى تهديد يهز قواعد التحالف، بينما يدفع ذلك المشهد إلى المزيد من الالتباس.

 

في قراءة ردود الفعل على الخطاب الأخير لحاكم إقليم دارفور، كانت أغلبيتها تتعامل معه كانعكاس أو ردة فعل لأزمة صنعتها الحرب، بينما المؤكد هو أن الخطاب السياسي، وعلى امتداد الفترة الزمنية حتى قبل الحرب، كان جزءًا من الأزمة وليس مجرد انعكاس لها. فالكلمات التي تصدر عن القيادات السياسية والعسكرية في زمن الحرب ليست كلامًا عابرًا يمكن تجاوزه أو عدم التعليق عليه، بل هي مجموع رسائل إلى المقاتلين في الميدان، ويتأثرون بها، وهي خطابات يستقبلها بريد الخصوم والمواطنين والمجتمع الدولي، وبحسب السياق الذي خرجت فيه وطبيعة المتلقي وفهمه، قد تسهم في فتح الطريق أمام التسوية وتهدئة المناخ السياسي العام، أو يحدث العكس بصب الزيت على نار هي في الأصل مشتعلة، تمهيدًا لمواجهة جديدة بين الخصوم أو الحلفاء أنفسهم.

 

(*) الغائب الحاضر في الخطاب ..

 

كل من استمع لخطاب السيد/ مني أركو مناوي لم يفت عليه تصريح التمرد على الدولة التي تدعم بناء المليشيات، وهذا هو الحاضر الأول في الخطاب، وبالضرورة، ولولا ارتباط هذا القول بأشياء أخرى لم يصرح بها مني أركو مناوي، لاتفق الكل معه في رفض فكرة تكوين المليشيات.

 

لا يمكننا الفصل بين ما تم التصريح به في الخطاب وبين الهواجس التي تحيط بتفكير صانع الخطاب بخصوص «توازنات القوى»، باعتبار أن ما هو كائن الآن يمنحه امتيازًا قد لا يكون متاحًا له حال تمت صناعة مراكز قوى أخرى ينتج عنها إعادة تركيب المعادلة كلها.

 

الرسالة هنا بالضرورة المقصود بها بريد الحلفاء في السلطة والميدان العسكري، وأن دخول فاعلين جدد بأي ثقل، عسكري كان أو سياسي، من شأنه أن يؤثر جدًا على قواعد التحالف.

 

في الخطاب، استخدم القائد مني أركو مناوي مفهوم «مال دافع الضرائب» للتعبير عن رفضه دعم أي جهة لتصبح معادلًا جديدًا لوجوده كحليف للجيش في معركته الحالية، وهو مفهوم ذو حمولات عالية للذي يقرأه بمعزل عما هو غائب صراحة في الخطاب، باعتبار أن المحاصصة التي جاءت به إلى موقعه الحالي بالأساس قائمة على اقتسام السلطة والثروة، وبالتالي فإن دخول شركاء جدد قد يعني قسمة جديدة لمال المواطن السوداني «دافع الضرائب».

 

مفارقة كبيرة احتواها خطاب مناوي الأخير بالجمع بين متناقضات جعلت من الخطاب نفسه صيدًا سهلًا أمام منتقديه، بقوله إنه مع الدولة، وفي ذات الوقت القول بأنه سيتمرد عليها، إذ يأتي السؤال عن كيف يطالب قائد سياسي وعسكري بمفهوم الدولة التي تحتكر السلاح، ثم في ذات الوقت يجعل التمرد عليها خيارًا مطروحًا إذا خالفت الدولة رؤيته؟

 

التناقض بين مبدأ الدولة ومنطق القوة المسلحة؛ فالدولة التي يُحتكم إليها عند الاتفاق لا يمكن أن تصبح خصمًا يُهدَّد بالتمرد عند الاختلاف.

 

الإصلاح المطلوب في الخطاب السياسي هو مراجعة قواعد الضبط فيه قبل التصريح به، حتى لا يأتي حمالًا للأوجه، وبالتالي يتم تفسيره بما يقنع بأنه يستبطن رسائل لا يمكن للرأي العام أن يتغافل عنها، وفي الخطاب الذي نتناوله الآن نجد أنه لم يوضح موقف السيد مني أركو مناوي بوضوح من قضية المليشيات.

 

الاختبار الحقيقي لمحتوى التصريح الصادر من حاكم إقليم دارفور ليس في إعلان رفض المليشيات بالطريقة التي جاءت في الخطاب، بل كانت الصيانة المطلوبة في الخطاب تستوجب الإعلان عن قبول حاكمية قاعدة واحدة على الجميع: «لا قوة مسلحة خارج منظومة وطنية موحدة»، وهي القوات المسلحة السودانية، وألا استثناء لحركة أو فصيل من عموم هذه القاعدة بسبب تحالفه مع الجيش أو مشاركته في الحرب حاليًا، والاعتقاد بأن الأوضاع الحالية في الميدان تعطي البعض، وفي مقدمتهم مناوي نفسه، امتيازًا يعلو على القاعدة العامة، وتلك هي رسالة الخطاب الأخير في بريد القوات المسلحة.

 

الإصلاح المطلوب في الخطاب السياسي يقودنا للسؤال، بناءً على خطاب مناوي الأخير: وهو بلسان من كان يتحدث السيد القائد، وهو يستخدم مفهوم «مال دافعي الضرائب»؟ هل كقائد لفصيل مسلح، أم كمتحدث بلسان مواطن الإقليم الذي يشغل منصب حاكمه؟

 

ما يستوجب الانتباه إليه هو أن استدعاء مفهوم أموال دافعي الضرائب ودماء الأطفال في خطابه الأخير ليمنح الخطاب قوة أخلاقية واضحة، أراد القائل أن يستثمرها، لكنه بذلك فتح الباب أمام سؤال كبير، هو: أين كان حق المواطنين في معرفة مصير المال العام وأوجه صرفه، وحجم الإنفاق على التشكيلات المسلحة التي أنتجها اتفاق سلام جوبا، وشروط دمجها، وما هي الجهة التي تراقب تمويلها؟ إذ لا يجوز أن تتحول معاناة الناس إلى ذخيرة بلاغية يتم استثمارها في الخطاب من دون التزام بالشفافية والمساءلة، ما يجعل الخطاب جميلًا من الخارج ويفتقر للمعنى من الداخل.

 

الاستدراكات التي طالعناها فيما عاد إليه مناوي للتوضيح، إضافة إلى اجتهادات المناصرين له، أعطتنا الانطباع بأن الاستدراك قد حل محل الخطاب الأصلي لكثرة الصيانة والتوضيحات التي دخلت عليه، وفيه كذلك اعتراف بالخلل الواضح في الخطاب الأول. وهنا تتضح مسؤولية السياسي عن الألفاظ التي تصدر عنه، والمطلوب هنا ليس محاكمة النوايا ولا افتراض أن السيد/ مناوي كان قد قرر بالفعل العودة إلى التمرد وأن ينفض يده من التحالف الحالي، وإنما القصد هو محاسبة الخطاب على دلالاته العامة، وعلى التناقضات التي أنتجها، وعلى أثره المحتمل في بلد تتعدد فيه مراكز القوة المسلحة ويعيش ظرفًا دقيقًا لا يحتمل أي التباس من شأنه أن يعكر الفضاء العام.

 

وحتى لا يتخيل البعض بأن خطاب السيد مني أركو مناوي هو وحده الذي يحتاج للإصلاح والصيانة، فبقراءة ردود الأفعال والخطاب المضاد سنكتشف بأن أزمة الخطاب السياسي أزمة عامة، وتظهر فيها «تقرحات» كبيرة تتمثل في «خطاب التخوين»، حيث تتحول مناقشة الخطاب والموقف إلى عملية اغتيال صاحب الخطاب نفسه.

 

ومع التأكيد على أنه لا حصانة من الانتقاد للحركات المسلحة وتاريخها وتحالفاتها وطموحاتها السياسية، إلا أن تجاوز خطابات ردود الفعل يجب ألا يتجاوز ذلك إلى حدود الشخصي الذي لا مكان له في النقد السياسي المهني.

 

نحن نريد إصلاحًا في بنية الخطاب السياسي، ونريد خطابًا سياسيًا يحاكم المواقف والأفعال بكل الأدوات المتاحة والمحكومة بالاشتراطات المهنية والأخلاقية، وليس خطابًا يحاكم الأنساب والانتماءات والهويات، بحيث نتمكن من مواجهة العنصرية السياسية بخطاب يستدعي بدوره لغة الإهانة والإقصاء، والقول بأن هنالك فرقًا بين توثيق المسؤولية عن جرائم محددة في تاريخ ما من عمر الدولة السودانية، وبين تحويل الاتهام إلى وسيلة لإسقاط الخصم سياسيًا وأخلاقيًا. فساعة أن يختفي النقاش حول مستقبل الدولة واحتكار السلاح بطريقة موضوعية، يظهر الخطاب المتطرف المحتشد بالشتائم والكراهية التي لا تخدم أي استقرار سياسي.

 

يجب علينا أن نفهم أنه ليس كل خطاب غاضب يمكن اعتباره خطابًا مقاومًا بالدرجة الأولى، وليس كل هجوم يتم شنه على خطاب قائد سياسي يمكن اعتباره دفاعًا عن الدولة، فقد يكون الكاتب وصاحب الرد محقًا في بعض أسئلته، لكنه يضعف حجية الخطاب حين يستبدل البرهان بالتجريح.

 

وهذا لا يعني إطلاقًا أننا بصدد المساواة بين الأطراف في المسؤولية أو منع النقد الحاد والمباشر، بل يعني أن تكون قوة النقد متناسبة مع قوة الأدلة، لا مع درجة العداء للخصم.

 

وجزء مهم من جوانب الإصلاح في الخطاب السياسي يتعلق بالفصل بين نقد المبدأ الذي يتبناه السياسي وبين التعبير الذي يخرج منه في صياغة الخطاب. فعلى سبيل المثال، في الخطاب موضوع النقاش، فإننا مع المبدأ الرافض لإنشاء المليشيات، ولكن بالضرورة ضد تبني فكرة التمرد على الدولة للتعبير عن حالة الرفض هذه.

 

وفي الخطاب السياسي، الإصلاح يقتضي أن تكون الغاية المعلنة صحيحة، كما يجب أن تكون الوسائل السياسية المستخدمة للوصول لهذه الغايات متسقة مع ما هو معلن. وبدلًا من حفلة الشواء المتبادلة التي أشعلها الخطاب وردود الفعل عليه، كان من الممكن أن يتحول رفض تشكيل الميليشيات إلى مبادرة مؤسسية واضحة، بدلًا من أن يبقى ذلك مادة للخطب والتأويلات وفش الغبائن.

 

كان من الممكن للخطاب أن يشير إلى رفض إنشاء قوات موازية كمطلب وطني ضروري، لكن ذلك لا يعفي صاحب الخطاب من توضيح موقفه بشأن القوات القائمة فعليًا، والجهة التي ستدمجها، والضمانات التي تمنع إعادة إنتاجها بأسماء جديدة.

 

(*) الإعلام .. هل يشرح الأزمة أم يوسّعها؟

 

الردود التي نقرأها على خطاب السيد/ مناوي تصلح أيضًا لفتح ملف حول أداء الإعلام السوداني خلال الحرب، وهل كانت مساهمته إشعار خصم أم إضافة في الشأن السوداني؟ فالإعلام الذي يتعامل مع كل تصريح باعتباره فرصة لتعبئة الجمهور ضد الخصم، بدلًا من فحص الوقائع وتفسير المصالح، قد يتحول إلى امتداد للصراع السياسي. وكذلك الإعلام الذي يكتفي بترديد مبررات حلفائه يفقد قدرته على مساءلتهم. والإصلاح يتطلب التمييز على عدة مستويات مهنية، أولها مستوى «الخبر»، وتناول ماذا قال مناوي فعلًا، وإجراء المقاربة مع ما جاء في التوضيحات لاحقًا.

 

ثم يأتي الإصلاح لمستوى «التحليل» المتعلق بالسياق العسكري والسياسي الذي يجعل التصريح مهمًا ويعطيه الدلالات والقيمة، وهو شيء يلزم استصحابه لكمال عملية التحليل.

 

ثم من بعد ذلك يأتي المستوى المتعلق بمسألة «الرأي»، والسؤال عن هل يتسق الموقف المذكور في الخطاب مع مشروع الدولة التي يدّعي صاحبه الدفاع عنها؟

 

يجب لفت الانتباه إلى أن الخلط بين هذه المستويات التي مررنا عليها أعلاه ينتج بيئة تُقدَّم فيها التأويلات باعتبارها حقائق مطلقة، وتتحول فيها العناوين المثيرة التي تستدعي التطرف والانفلات الخطابي إلى بديل عن التحقق. والسياسي يملك حق تصحيح ما يراه تحريفًا لمسار خطابه السياسي، ومن حق الجمهور أيضًا معرفة النص الكامل للخطاب وسياقه، وما إذا كان التوضيح اللاحق قد أجاب عن جوهر الاعتراض أم اكتفى بمهاجمة منتقدي الخطاب.

 

التهديد بالتمرد والمجيء عليه في الخطاب ليس مجرد تعبير عن خلاف آني، فقد يسهم تكراره في جعل العودة إلى الحرب خيارًا سياسيًا مألوفًا، وفي إقناع المقاتلين والجمهور بأن السلاح هو المرجعية الأخيرة عند تعثر التفاهمات السياسية. وفي المقابل، فإن التهديدات المضادة والتخوين الجماعي قد تدفع الخصوم إلى مزيد من المواقف المتصلبة.

 

إصلاحيًا، المطلوب في الخطاب السياسي هو الإجابة على سؤال: ما الذي يمكن أن يحدث حال رفضت الدولة أو الآخرون مطالبك السياسية، وما هي الوسائل التي ستستخدم وقتها؟

 

نعم، لا يمكن إصلاح الخطاب السياسي بمعزل عن بنية المصالح التي تنتجه. فإذا ظل السلاح مصدرًا للسلطة والتمويل والامتيازات، فستظل الدعوات إلى الاعتدال اللغوي محدودة الأثر، والمطلوب إصلاح الحوافز السياسية والمؤسسية التي تجعل التصعيد أكثر نفعًا لبعض الفاعلين من التسوية.

 

فالأزمة في السودان ليست في أن بعض السياسيين يرفعون أصواتهم أكثر مما ينبغي، بل في أن السياسة نفسها لم تتحرر بعد من منطق السلاح. لذلك لا تكفي صيانة الكلمات إذا بقيت المصالح التي تنتجها كما هي، ولا يكفي رفض المليشيات في خطب الجماهير إذا ظلت شرعية القوة المسلحة هي العملة الأعلى قيمة في سوق السياسة السودانية..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى