حمى الضنك والموت الجماعي في سنار

بقلم/ زين العابدين الطيب عثمان
سنار… المدينة الجميلة بأهلها وطيبتهم وكرمهم وتكاتفهم والضاربة بجذورها في تاريخ السودان ووجدانه. مدينة تستحق الحياة الكريمة والخدمات الأساسية التي تليق بمكانتها وأصالة إنسانها، لكنها ظلت تعاني من القصور في الخدمات التي تمس حياة مواطنيها وكرامتهم حتى أصبح ضعف الاستعداد وتراجع الخدمات مدخلاً لمآسٍ كان بالإمكان الحد منها بالمسؤولية وحسن الإدارة.
واليوم تواجه سنار مأساة صحية مؤلمة مع تفشي حمى الضنك وما يصاحبها من معاناة وفقد للأرواح. وهي أزمة تكشف خطورة القصور في الوقاية والرعاية الصحية وتضع الجهات المسؤولة أمام سؤال لا يحتمل التأجيل: كيف يُترك المواطن في مواجهة المرض حين تغيب الاستجابة الفاعلة وتتراجع القدرة على توفير العلاج؟
إن مكافحة الأوبئة تبدأ بصحة البيئة والنظافة العامة وتصريف المياه الراكدة وردم البرك ومكافحة البعوض ولا تكتمل إلا بتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية وتأهيل المرافق الصحية ودعم الكوادر الطبية. وأي خلل في هذه المنظومة يضاعف معاناة المواطنين ويهدد حياة من تعوقهم ظروفهم عن الوصول إلى الرعاية اللازمة.
أرواح المواطنين ليست أرقاماً في سجلات الوفيات وصحتهم ليست امتيازاً تمنحه السلطات بل حق أصيل وواجب لا يجوز التفريط فيه. لذلك لا بد من مراجعة أوجه القصور في الوقاية والاستجابة وتحديد المسؤوليات بدلاً من ترك المواطنين لمواجهة المرض وحدهم.
وتزداد المأساة حين يضطر بعض المرضى وأسرهم إلى اللجوء إلى وصفات شعبية وعلاجات غير مثبتة الفاعلية مثل القرع والحبة السوداء والأعشاب الأخرى بحثاً عن النجاة في ظل صعوبة الحصول على الرعاية الطبية ارتفاع قيمة تكلفة العلاج ومع احترام الموروث الشعبي فإن هذه الوسائل لا تُعد علاجاً مثبتاً لحمى الضنك ولا ينبغي أن تحل محل الرعاية الطبية. فالمرض قد يتطور إلى مضاعفات خطيرة تستوجب التدخل العاجل لإنقاذ الحياة.
إن ما تحتاج إليه سنار اليوم هو تحرك ميداني عاجل يضع إنقاذ الأرواح في مقدمة الأولويات. ونطالب الجهات الصحية والسلطات المختصة والمنظمات الإنسانية بتوفير الأدوية والمستلزمات الطبية والمحاليل الوريدية وفق الاحتياجات العلاجية ودعم المستشفيات والمراكز الصحية بالكوادر والإمكانات اللازمة وإطلاق حملات فعالة لمكافحة البعوض وإزالة بؤر تكاثره ومعالجة مشكلات النظافة وتصريف المياه وضمان وصول المرضى إلى العلاج دون عوائق.
إن إنقاذ سنار مسؤولية تتطلب تضامن المجتمع ومساندة المصابين وأسرهم ونشر الوعي الصحي والتعاون في مواجهة انتشار المرض. لكن هذا التضامن لا يعفي السلطات من واجباتها ولا يجوز أن يتحول إلى غطاء للقصور أو وسيلة لتحميل المواطنين تبعات إخفاق المؤسسات المعنية.
سنار لا تحتاج إلى التعاطف وحده بل إلى تحرك ينقذ الأرواح وخدمات تحمي الناس ومحاسبة تضمن ألا تتكرر المأساة.
نسأل الله أن يحفظ سنار وأهلها وأن يتغمد المتوفين بواسع رحمته ومغفرته وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل وأن يرفع عن أهلنا هذا البلاء.
سنار ليست وحدها… وأرواح أهلها أمانة لا يجوز التفريط فيها.
معاً من أجل إنقاذ سنار ومعاً من أجل الحق في الصحة والحياة.



