طوكر الخضراء.. كيف استحالت إلى غبراء؟!

موازين

بقلم/ أبوعيشة كاظم


لم تبدأ عراقيل ومعوقات النهضة الزراعية بمشروع دلتا طوكر الزراعي بالانقطاع الكامل لخور بركة الذي حدث هذا العام، ولكن ظلت الأزمات والعوارض تلازم أفكار وخطط التنمية الزراعية المستدامة بالمشروع منذ أكثر من خمسين عامًا على أقل تقدير.

لعل من نافلة القول إن هذه الأنحاء من جغرافية السودان هي هبة خور بركة وعطية البحر المالح، ولكن، للأسف، فإن الحكومات الوطنية المتعاقبة على بلادنا أهملت وأهدرت كل أسباب وفرص إحداث النهضة الزراعية بمشروع دلتا طوكر الزراعي.

مشروع دلتا طوكر الزراعي يُعد من أخصب الأراضي الزراعية في الشرق الأوسط وأفريقيا، والمشروع الذي تبلغ مساحته ٤٠٦ آلاف فدان (١٦٠٢٤) كلم²، موزعة على ٨٢ حوضًا ومربعات، والمربع يساوي ١٦٠ فدانًا.

بدأت الزراعة في دلتا طوكر على عهد محافظ سواكن في حقبة التركية السابقة، أحمد ممتاز باشا، في العام ١٨٦٧م، في دلتا طوكر الثلاثة: الغربية والوسطى والشرقية، بالري الفيضي من خور بركة الموسمي، والذي ينبع من المرتفعات الإريترية (الهضبة الإريترية)، ويُسمى هناك بنهر عنسبا الموسمي.

وحمل الإقليم، الذي عاصمته مدينة كرن الإريترية، ذات الاسم (إقليم عنسبا)، تبنّيًا للنهر الذي يحمل البشرى لأهالي المرتفعات الوسطى في الضواحي الشمالية الغربية للعاصمة الإريترية أسمرا، ولكل قاطني ضفاف النهر الذي يُسمى في جنوب ولاية البحر الأحمر في السودان بخور بركة.

وانقطع هذا العام جريان خور بركة عن دلتا طوكر لأول مرة منذ حوالي مئة وستين عامًا، وساد الهلع والجزع والقلق كل مجتمعات البحر الأحمر؛ لأن ما حدث يُعد نذير جفاف وقحط وجوع ومسغبة لكل القاطنين على ضفاف خور بركة على وجه الخصوص، ولكل الذين يزرعون ويحصدون أراضي المشروع من كل ربوع البحر الأحمر.

وتعمدت استخدام المترادفات المخزية المتنوعة للحال الذي سيحيق بالزُّرّاع إثر انقطاع فيضان النهر العتيق، لعكس الآثار الجانبية لكل المهتمين بأحوال أولئك وهؤلاء جميعًا، ليبذلوا وسعهم في وضع التدابير العاجلة والمستقبلية لتفادي الكوارث المحتملة لجفاف الدلتا.

استحالت دلتا طوكر الخضراء إلى رقعة غبراء؛ لأنها افتقدت الرعاية التي ظلت توليها الحكومات الاستعمارية للدلتا، وانتشرت غابات المكسيت، والتي استُجلبت شتولها للدلتا في الأصل لمحاربة الزحف الصحراوي الذي أحاط بالدلتا حينذاك، ولكنها تحولت إلى أحراش كثيفة أضرت بالمشروع الزراعي.

وظلت تصاحب أعمال تنفيذ خطط الري الموسمية إخلالات وتجاوزات أدت إلى جفاف بعض أقسام الدلتا وبعض الأحواض والمربعات، رغم تدفق الفيضان، الأمر الذي يؤدي إلى عطش مساحات واسعة من الدلتا لعدة مواسم، مما يجعل أصحاب الإضمان والمزارعين عاجزين عن نظافة وصيانة التربة بشكل دائم، والذي بدوره يؤدي إلى ضعف وانتفاء مقومات اخضرار الدلتا.

كما أن ضعف فيضان خور بركة وانحسار المساحات المروية بالدلتا في بعض المواسم أسهما بشكل متنامٍ في تقلص المساحات المزروعة، الأمر الذي ضاعف من الأراضي الغبراء في دلتا طوكر.

إن مشروع إعادة طوكر إلى سابق عهدها خضراء زاهية، والتغلب على أسباب تخلف فرص النهضة الزراعية بمشروع دلتا طوكر الزراعي، يستدعيان التحرك الفوري من أهلها في كل المحاور، والسعي لإيجاد آليات ووسائل فعالة وجادة لنظافة الدلتا من المكسيت، ووضع خطة ري آمنة وعادلة، واستحداث وسائل ري بديلة، وتنويع التركيبة المحصولية بما يحقق عائدات مجزية وسريعة للمزارعين.

أعزائي قراء «موازين» الأفاضل، إنها رؤى أردت أن أشارك بها من غياهب حوش آل كاظم بحي المشيل بمدينة بورتسودان، لتصحيح مسارات أفكار إحداث النهضة الزراعية بمشروع دلتا طوكر الزراعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى