إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.. السودان أولاً

هذا قولي

بقلم/ هيثم حسن السوباط


 

إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.. السودان أولاً

 

في ظل ما يعيشه السودان من حرب ودمار وتشرد وانقسام، أصبحنا في أمسّ الحاجة إلى مراجعة مواقفنا، والتفكير بعمق في مستقبل وطننا، بعيداً عن العصبيات القبلية والحسابات الحزبية والمصالح الضيقة. فالأوطان لا تُبنى بالتناحر، ولا تُحمى بالارتهان للآخرين، ولا تُستعاد عافيتها حين ينشغل أبناؤها بإثبات خطأ بعضهم أكثر من انشغالهم بإنقاذ وطنهم.

 

إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

 

ليست هذه العبارة مجرد حكمة نتداولها في مجالسنا، بل هي درس بليغ في واقعنا السوداني؛ فحين يتفرق القطيع، يصبح أفراده أكثر عرضة للخطر، وحين ينقسم أبناء الوطن إلى معسكرات متناحرة، يجد الآخرون في خلافاتهم فرصة للتدخل وتحقيق مصالحهم.

 

علينا أن نكون أكثر وعياً بطبيعة العلاقات الدولية. فالدول لا تتحرك في الغالب بدافع العاطفة، ولا تتخذ قراراتها حباً في شعب بعينه، وإنما وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية. وقد تتقاطع هذه المصالح مع تطلعات الشعوب في بعض المراحل، لكنها قد تتعارض معها في مراحل أخرى.

 

فلا ينبغي لنا أن نتصور أن دولة تدعم الديمقراطية في السودان تفعل ذلك بالضرورة حباً في السودانيين، كما لا ينبغي أن نعتقد أن دولة تدعم الجيش أو تتحدث عن وحدة السودان تفعل ذلك من دون حسابات ومصالح تخصها. المعيار الحقيقي ليس الشعارات المرفوعة، وإنما طبيعة السياسات والنتائج التي تترتب عليها، ومدى انسجامها مع مصالح السودان وشعبه.

 

وهنا تكمن مسؤوليتنا الوطنية: أن نتعامل مع العالم بوعي، لا بسذاجة سياسية؛ وأن نحترم علاقاتنا الخارجية، دون أن نمنح أي دولة حق الوصاية على قرارنا الوطني.

 

المشكلة ليست في أن تكون للسودان علاقات مع دول العالم، ولا في أن يتعاون مع هذه الدولة أو تلك، وإنما في أن يتحول خلاف السودانيين إلى وسيلة يستقوي بها بعضهم على بعض، فيفتحون أبواب البلاد أمام صراعات المصالح الخارجية، بينما يدفع المواطن البسيط ثمن هذه الحسابات من أمنه واستقراره ومستقبله.

 

لقد أثبتت التجارب أن الانقسام الداخلي يضعف قدرة الشعوب على الدفاع عن مصالحها، وأن غياب الحد الأدنى من التوافق الوطني يجعل أي مشروع لإنقاذ البلاد أكثر تعقيداً. وحين يصبح الولاء للحزب أو القبيلة أو الجماعة مقدماً على الولاء للوطن، تضيع البوصلة، ويتحول الاختلاف السياسي من وسيلة للتنافس على خدمة الشعب إلى معركة مفتوحة لا منتصر فيها.

 

يا أهل السودان، ليس المطلوب أن نتفق على كل شيء، وإنما أن نتفق على أن السودان يجب أن يبقى فوق الجميع.

 

من حقنا أن نختلف حول الديمقراطية، وشكل الحكم، ومستقبل المؤسسات، وطبيعة المرحلة الانتقالية، ومن حق كل سوداني أن يتمسك برأيه ويدافع عن قناعاته. لكن ليس من حقنا أن نجعل خلافاتنا سبباً في تمزيق النسيج الوطني، أو أن نسمح للمصالح الحزبية بأن تتقدم على دماء السودانيين وحقوقهم.

 

كما أن الدعوة إلى الوحدة لا تعني إلغاء النقد، ولا تبرير الأخطاء، ولا إعفاء أي جهة من المسؤولية. بل تعني أن تكون المحاسبة من أجل إصلاح الوطن، وأن يكون الاختلاف وسيلة للوصول إلى حلول، لا ذريعة لتعميق الانقسام.

 

إن المواطن السوداني الذي فقد منزله، أو نزح عن قريته، أو تعطلت مصالحه، أو عجز عن توفير احتياجات أسرته، لا تعنيه كثيراً انتصارات الخطابات الحزبية بقدر ما تعنيه عودة الأمن، وتوفير الغذاء والدواء، وفتح المدارس والمستشفيات، واستعادة الحياة الكريمة.

 

هذا المواطن هو الذي يجب أن يكون في مركز اهتمامنا، لا أن نستخدم معاناته وقوداً لصراعاتنا السياسية.

 

إن بناء السودان يحتاج إلى إرادة وطنية مستقلة، وإلى حوار جاد بين أبنائه، وإلى دولة تحمي مواطنيها وتخضع مؤسساتها للقانون، وإلى علاقات خارجية تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة. ويحتاج قبل ذلك كله إلى إدراك أن مصيرنا المشترك لا يمكن أن يُترك رهينة لخلافاتنا.

 

فلنترك العصبية، ولنتجاوز الأحقاد، ولنتحرر من فكرة أن خصمنا السياسي عدو للوطن بالضرورة. ولنجعل معيارنا هو الموقف من مصالح الشعب، واحترام حقوقه، والعمل على إنهاء الحرب وبناء السلام واستعادة الدولة.

 

السودان لا يحتاج إلى سودانيين متشابهين في آرائهم، بل إلى سودانيين مختلفين يتفقون على حماية وطنهم.

 

فمهما اختلفت توجهاتنا، ستظل هذه الأرض وطننا جميعاً، ولن نجد بديلاً عنها حين تضيق بنا السبل.

 

فلنتذكر أن الذئب لا ينتظر إلا لحظة التفرق، وأن قوة القطيع في تماسكه، لا في تشابه أفراده.

 

السودان أولاً، والمواطن أولاً، ومصلحة الوطن فوق كل انتماء.

 

إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى