ليس منا من يروع ضيفه والمصريون بالسودان ضيوف كرام

بقلم: علاء الدين محمد أبكر
إن ما جرى في الخرطوم من مقتل اثنين من الأشقاء المصريين وجرح ثالث، حادثة مؤسفة ومؤلمة بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وهي حادثة لا تشبهنا ولا تشبه أخلاق شعبنا السوداني الذي عرف على مدى التاريخ بالحكمة والصبر والشهامة، وعرف بأن الضيف عنده أمانة في عنقه، يطعمه من جوع ويؤمنه من خوف.
الشعب السوداني الذي يفرش الأرض لضيفه ويقاسمه اللقمة، لا يمكن أن يقبل أن يروع آمن أو يقتل أعزل بين ظهرانيه، مهما كانت المبررات. هذه ليست شيمنا، وليست من قيمنا التي تربينا عليها في بيوتنا وخلاوينا.
وبالمقابل، وبنفس القدر من الأسف والألم، فإن حادثة قصف وقتل المعدنين السودانيين في الصحراء تعتبر كذلك حادثة مؤسفة ومفجعة. والمؤلم أكثر أنها لم تكن المرة الأولى، بل تكررت للمرة الثانية، الأولى كانت في شهر يونيو الماضي، ومرت دون تحقيق شفاف يطفئ نار الأسر المكلومة. وتكرار الحادثة يفتح الباب واسعا أمام الشكوك والاحتقان، ويجعل من الضروري وضع حد حاسم لهذا المسلسل الدموي.
وحتى لا يتصاعد الأمر وينزلق البلدان إلى مربع الفتنة الذي يتمناه أعداء الشعبين، يجب منح القانون فرصة كافية، هنا في السودان وهناك في القاهرة فالقانون وحده هو طوق النجاة، وهو الذي يعلو ولا يعلى عليه. ففي السودان يجب أن يأخذ القانون مجراه كاملا في حادثة الخرطوم، ويقدم الجناة إلى عدالة ناجزة وشفافة. وفي مصر، يجب أن يتم تحقيق شفاف ومعلن في حادثة قصف المعدنين، فأرواح السودانيين ليست رخيصة لتذهب هدرا في صحراء بلا شاهد.
ويكفي أن نتأمل تصريحات بعض وسائل الإعلام المصرية التي تزعم أن ما جرى كان في إطار حماية حدود بلادها، وهنا مربط الفرس وهنا بيت القصيد. فالسؤال الذي يجب أن تجيب عليه لجنة تقصي الحقائق هو: أين بالضبط تم قصف المعدنين السودانيين؟ هل كان ذلك داخل العمق المصري أم داخل الحدود السودانية أو في المنطقة المتنازع عليها؟ تحديد الإحداثيات بدقة هو الذي سيحدد طبيعة الحادثة، هل هي دفاع مشروع عن الحدود أم اعتداء على سيادة دولة جارة وقتل لمواطنيها داخل أرضهم.
ولكن، وحتى لو افترضنا جدلا وجود تعد على الحدود، وهذا ما لم يثبت بعد، فإن كل الأعراف الدولية والقوانين الإنسانية تقول إن التعامل مع متسللين مدنيين عزل لا يكون أبدا بالقصف الجوي. فأي كان نوع التعدي على الحدود لا ينبغي استخدام القوة المفرطة ضد عمال عزل من السلاح. هؤلاء ليسوا جيشا غازيا، بل هم شباب دفعهم الفقر وضيق ذات اليد للبحث عن جرامات من الذهب في جوف الصحراء بمعاول بدائية.
والسؤال المنطقي والمشروع الذي يفرض نفسه هنا بقوة: هل رصد الجانب المصري وجود تسليح ثقيل يمتلكه هؤلاء المعدنون مما استدعى استخدام سلاح الطيران؟ هل كانوا يحملون مدافع مضادة للطائرات أم صواريخ؟ أم أنهم كانوا يحملون أحلامهم الفقيرة وأحلام أسرهم في حياة كريمة؟ إن استخدام الطيران الحربي ضد مدنيين عزل، إن صح، يمثل تجاوزا خطيرا لكل قواعد الاشتباك وحقوق الإنسان.
إن تشكيل السودان للجنة لتقصي الحقائق خطوة في الاتجاه الصحيح، ونطالب بأن تكون لجنة فنية محايدة تضم خبراء في الحدود والطيران، وأن تعلن نتائجها للرأي العام بكل شفافية. ومن حق أسر الشهداء في السودان وفي مصر المطالبة برفع الأمر إلى العدالة، فالقانون يعلي ولا يعلى عليه في أي مكان، هكذا يقول المنطق وهذا هو الإجراء السليم الذي يحفظ الحقوق ويمنع تكرار المأساة.
ولكن بالمقابل، وفي هذه اللحظات الحرجة، نطالب الجميع بضبط النفس وعدم أخذ الحقوق بالأيدي، فالانتصار للذات والانتقام الأعمى لا يصح ولا يبني وطنا ولا يحقق عدالة. نريد سيادة القانون الذي هو الفيصل بين الناس، هو الذي يقتص للمظلوم من الظالم، سواء كان الظالم فردا في الخرطوم أو طائرة في الصحراء.
يجب أن يشعر الرعايا المصريون في السودان بالأمان المطلق، في أسواقهم وبيوتهم وأماكن عملهم، إلى حين عودتهم إلى بلادهم سالمين. فوجودهم بيننا أمانة، وحمايتهم واجب أخلاقي قبل أن يكون قانونيا. وكذلك نفس الشيء ينطبق تماما على ملايين السودانيين في مصر، الذين يجب أن ينعموا بالأمان والاحترام والتقدير، فالعلاقة بين الشعبين أكبر من حادثة عابرة، وتاريخ الجوار والنيل والمصير المشترك أعمق من أي خلاف طارئ.
أتمنى صادقا أن يتجاوز البلدان الشقيقان هذه الأزمة العابرة بالحكمة وإنفاذ القانون والعدالة، وإزالة كل الأسباب التي تعكر صفو العلاقة بين البلدين، عبر ترسيم واضح للحدود، وتنظيم لعمل التعدين، وقنوات اتصال أمنية مباشرة تمنع تكرار مثل هذه الحوادث. حتى لا ندع مجالا لدعاة الفتنة في الداخل والخارج الذين يتربصون بهذه العلاقة التاريخية ويريدون إشعال النار بين شعبين شقيقين تربطهما أواصر الدم والدين والتاريخ.



