السودان.. دولة القرارات وغياب التشريعات..

ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

وقد يبدو من الوهلة الأولى أن ما يحاصر الشعب السوداني ويضيّق عليه مساحات الاستقرار في حياته هو «ضنك» المعيشة وحده، إضافة إلى الآثار المترتبة على الحرب اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا، إلا أن قدرة الشعب السوداني وعبقرية تعايشه مع كل الظروف جعلتاه صاحب دربة كبيرة في امتصاص هذه الآثار ووضعها في مربع «العادي» بعد أربع سنوات عجاف أكلت الزرع والضرع والمدخرات، إلا أنه الآن يرى بأن الدولة نفسها، كلما حمل عنها المواطن من الأعباء، تعيد عليه القول: هل من مزيد؟

العبء هو أن المواطن السوداني يعيش في دولة تتعدد فيها القرارات التي تمس معاشه اليومي في «الملح والملاح»، وتتداخل فيها السلطات المنقوصة أصلًا بغياب سلطات التشريع، حتى تلك التي «لايقتها» المواد المتبقية على قيد الحياة مما سُمّي بالوثيقة الدستورية، بينما يغيب الوضوح بشأن الجهة التي تملك إصدار القرار، والجهة التي تملك إلغاءه، والآلية التي تضمن احترامه ومساءلة من أصدره.

السودان كدولة لا يعاني بالضرورة من نقص القرارات؛ فعلى رأس الساعة تُصدر القرارات، ويتلقاها المواطن السوداني كعلاج «الفانسدار» على مرارتها، بل يعاني من غياب «المنظومة» التي تجعل القرارات منسجمة وملزمة وقابلة للمراجعة والمحاسبة. وبالضرورة، المشكلة ليست أن الحكومة تتخذ قرارات خاطئة فحسب، فهذا هو المفروغ منه، بل إن المواطن لم يعد يضمن أن القرار الحكومي الصادر يمر عبر «مسار مؤسسي» واضح، أو أن قرارات إلغائه تعود لتتبع المسار القانوني المطلوب اتباعه.

(*) حين يصبح القرار أقوى من المؤسسة..

يدخل المواطن السوداني في منطقة «رمادية» بسبب أنه يتلقى قرارًا حكوميًا من جهة، ثم يأتي التوجيه من مستوى آخر في السلطة بتغييره أو حتى إلغائه، دون إعطاء حق السؤال عن كيفية صناعة القرارات في المطبخ الحكومي، وهو الأحوج في هذا التوقيت للشعور بالدولة ومؤسساتها وهيبة القرار فيها، وأنه بالفعل قد بدأ في خطوات استعادة حياته الطبيعية بعد حرب أورثته هذا الشعور والإحساس.

الثابت والمعلوم بالضرورة في منطق إدارة الدولة أن التوجيه ليس بديلًا تلقائيًا عن الإجراء القانوني، وأنه ينبغي التمييز بين سلطة التوجيه السياسي والاختصاص الإداري والسلطة القانونية اللازمة لتعديل القرار أو إلغائه وفق صلاحيات يحكمها التشريع الحاكم في الدولة. ولأنه لا توجد في هيكل الدولة الجهة التي تضع الإطار القانوني الحاكم للهياكل، فلا أحد يسأل المسؤول عن دراسة الجدوى الاقتصادية، على سبيل المثال، لأي قرار أصدرته رئاسة الوزراء، ومدى التنسيق بين هياكل الدولة ومؤسساتها ذات الصلة بالقرار، وبالتالي لن يكون السؤال حاضرًا لحظة تغييره أو إلغائه.

الخلل المصاحب للقرارات في كامل دورتها، منذ التخلّق وإلى نهايتها بالإلغاء أو التجميد في الدولة السودانية، يقول إن الوصول إلى المسؤول الأعلى أقصر بكثير وأسهل من الوصول إلى الحل والطريق القانوني لصناعة القرارات أو إلغائها، وتتحول مسألة معالجة السياسات العامة إلى مسألة نفوذ واتصالات تصيب أو تخيب عند المحاولة.

هياكل الدولة بكل مستوياتها، عندما تحتاج إلى إصدار القرارات أو إلغائها للتدخل الشخصي، هي لا تكشف بذلك عن حالة إجراء حكومي صحيح، وإن عالج قضايا يراها الناس بأنها كانت خاطئة، بل يكشف ذلك عن العطب الحكومي في آلية الحكم.

فما تم تداوله الأسبوع المنصرم، على سبيل المثال، بخصوص قرارات سابقة لمجلس الوزراء بحظر استيراد بعض المنتجات، والقول بتدخلات سيادية لإلغاء الحظر المذكور، وطريقة تلقي الرأي العام لهذا النوع من الأخبار، يلفت الانتباه أولًا إلى أن المواطن نفسه، وبكثرة سيطرة هذا المنهج عليه، تلقّى الخبر بكامل الترحيب والتصديق بأن المشكلة الاقتصادية المؤثرة على معاشه اليومي حلها يتركز في قرار، لتنتهي كل المعاناة، دون أن يسأل عن أداء المنظومة التنفيذية والخلل في دراسة القرارات. وإذا كانت هناك قرارات تنفيذية أو وزارية مرتبطة بقرار مجلس الوزراء المذكور، فهل أُلغي أصل القرار أم أُوقفت بعض آثاره التي صارت ظاهرة للعيان ومؤثرة على الاقتصاد؟

لا بد من الاستفسار والسؤال هنا، وقبل تصديق ما يُنشر من أخبار بخصوص الإبقاء على قرارات سابقة وسريانها أو إلغائها، عن تكييف الوضع القانوني للقرار الأصل بعد صدور قرار بإلغائه؛ لأن هنالك تراتبية تتلقى بها الجهات ذات الصلة في الدولة، مثل الجمارك والمصارف والمنافذ وغرفة المستوردين، تحتاج إلى تبليغها بالقرار أو إلغاء العمل به عبر مخاطبات رسمية تجعل القرار نافذًا وواجب التنفيذ لديها.

بهذه الوضعية في منظومة قرارات الدولة، لا يستطيع المستوردون ولا المنتجون المحليون ولا المستثمرون أن يخططوا لالتزاماتهم التجارية إذا كان ما يسمعونه في التصريحات لا يتطابق بالضرورة مع ما تواجهه معاملاتهم في السجلات والإجراءات الرسمية. فليست المشكلة في أن تتراجع الحكومة عن قراراتها؛ فالتراجع في حد ذاته قد يكون إجراءً تصحيحيًا مطلوبًا، لكن المشكلة أن يصبح قرار التراجع نفسه ملتبسًا، فلا يعرف المواطن أو المستثمر أو الموظف العام أي نص عليه أن ينفذ في هذه الحالة، ليزداد الأمر تعقيدًا.

موضوع قائمة السلع محظورة الاستيراد بقرار من مجلس الوزراء، لو عدنا إليه أولًا، سنجد بأنه كان قد صدر بذات صبغة الالتباس هذه حول تاريخ إصداره والمنتجات المشمولة بالقرار، وقبل أن يستوعب المتأثرون بالقرار صدمته، هم الآن يواجهون بالتباس آخر قادتهم إليه أخبار الإلغاء وتجميد العمل بما صدر من قرارات. وهذا من الأمراض التي تصيب الجهاز الحكومي، ويتم تشخيصها إما بمتلازمة «ازدواجية القرار» أو مرض «تداخل الاختصاصات». والدول المهتمة بالعلاج الجذري لهذه الأمراض الرسمية تبني البروتوكول القانوني الذي يحدد مسارات بالتشريعات، منها تخرج، ومنها كيفية الإلغاء، دون أي التباس يجعل المتأثرين بذلك في حالة من الحيرة كالتي يعيشها السودانيون الآن.

مطالبة الغرفة القومية للمستوردين بإصدار قرار رسمي وصريح يُلغى بموجبه القرار رقم (74) والمتعلق بالحظر، تنقلنا من نقطة نقد القرار الاقتصادي إلى التساؤل حول بنية السلطة التنفيذية: وهل توجد حكومة واحدة أم مراكز متعددة لإصدار القرارات وفق تشريع ثابت ومحدد؟ وعندما يصدر القرار (74) من مجلس الوزراء، ثم يجري التعامل مع تعديله من خلال توجيه صادر عن رئاسة مجلس السيادة، يصبح واجبًا على جهاز الدولة توضيح العلاقة بين المؤسستين وحدود اختصاص كل منهما. وفي حالة هذا القرار، لا بد وأن نعود إلى رئاسة مجلس الوزراء لمعرفة أسباب عدم قدرتها على الدفاع عن قرارات أصدرتها، ومن المفترض أنها كانت قد أكملت حلقات دراسة جدواها الاقتصادية واستوفت مطلوباتها التشريعية التي تمنحها الحصانة اللازمة للنفاذ أو المراجعة.

هل أصبح تجاوز المؤسسة التنفيذية في هياكل الحكم أمرًا طبيعيًا، وأن كل خلاف في السياسة الاقتصادية ينتهي بالتصعيد إلى مستوى أعلى؟ فما هي الجدوى من التفويض الوزاري والاجتماعات الحكومية والتنسيق بين الوزارات والهياكل المحشوة بالموظفين أصحاب الامتيازات و«كوم» المستشارين الذين تصرف عليهم الدولة من جيب المواطن والخزانة العامة؟

يجب ألا نتوقف كثيرًا عند هذه الحالة من قرارات الحظر للاستيراد أو الإلغاء؛ فعلى ما يبدو أن هذا أمر عادي في جدول اضطراب رسمي لأجهزة وهياكل الدولة، ولكن ينبغي أن نتعرف على تشخيص أكثر دقة للحالة السودانية، والتي لا تعبّر عن حالة خلاف طبيعي بين أجهزة ومؤسسات الدولة بقدر ما أنها تعبّر عن حالة اختلاف في القواعد الحاكمة لعمل المؤسسات والهياكل. ففي حالة كهذه، توفّر الوثيقة الدستورية الانتقالية لعام 2019، والنصوص والتعديلات النافذة في أكتوبر 2026 مرجعًا قانونيًا تاريخيًا مهمًا يجب العودة إليه؛ إذ ميّزت بين مجلس السيادة ومجلس الوزراء والسلطة التشريعية تمييزًا واضحًا في التعريف، وأسندت إلى مجلس الوزراء السلطة التنفيذية العليا في البلاد، ورسمت الحدود والصلاحيات لتصان القرارات وتُعرف طريقة تعديلها وإلغائها؛ لأن أخطر ما في حالة تضارب القرارات ليس أن تنتصر مؤسسة على أخرى، بل أن يتحول المواطن السوداني إلى الطرف الذي يدفع ثمن صراع لا يعرف قواعده، بينما تظل المسؤولية موزعة بين جهات عديدة في هياكل الدولة.

غياب البرلمان وسلطة التشريع في زمن الفترة الانتقالية كان «القندول الشنقل الريكة»، والسبب الذي ذهب بأولى خطوات استعدال مسار بناء مؤسسات الدولة، فما بالك بدولة زمن الحرب وغياب المؤسسات التي تراقب القرارات في الدولة؟ فعلى الرغم من غياب البرلمان، فإن القوانين واللوائح القائمة قد تظل نافذة، لكن غياب مؤسسة تشريعية فاعلة يضعف الرقابة على السياسات العامة ويحد من النقاش العلني والمساءلة السياسية. وغياب الجسم الرقابي يدفعنا للاعتقاد بأنه هو السبب في إضعاف القرار القاضي بحظر الاستيراد من الأساس، وأن جهة إصداره لم تُخضع تداعياته على الأسعار والإمدادات والإنتاج المحلي لتقييم معلن. وليس كل قرار حكومي يُعتبر تشريعًا بالمعنى الدستوري، وكذلك ليس كل تعديل لسياسة عامة بحاجة إلى إصدار قانون جديد، لكن كل إجراء يجب أن يصدر من جهة مختصة وفق الأداة القانونية المناسبة، وأن يكون قابلًا للمراجعة والمساءلة.

وقرارات الإلغاء، بحسب الفهم العام الملتبس، لا تُعتبر جزءًا من المساءلة؛ لأن إلغاء القرار لا يجيب على سؤال المسؤولية عن الأضرار الناجمة التي وقعت خلال فترة التطبيق، ولا يفسر كيف جرى اتخاذه دون توقع آثاره المحتملة، كالتي عاشها الشعب السوداني. ولا يكفي أن تكون للدولة سلطة إصدار الأوامر والقرارات، بل يجب أن تكون هناك سلطة رقابية تسأل عن أسبابها، وآليات قانونية تراجع مشروعيتها، ومؤسسات تحاسب المسؤولين عن الأخطاء والخسائر والأضرار.

على الدولة ومؤسساتها أن تعلم بأن المواطن ليس مختبرًا للسياسات الحكومية، ولا يجوز أن تصبح الأسواق المكان الذي تكتشف فيه الدولة، بعد تنفيذ وإصدار القرارات، أنها تحتاج إلى مراجعة.

فالقرارات الاقتصادية ليست معزولة عن بعضها؛ فحظر الاستيراد والسياسة الجمركية وتوافر النقد الأجنبي وسعر الصرف وحماية الإنتاج المحلي كلها ملفات مترابطة، ومعالجة أحدها بمعزل عن البقية قد تنقل الأزمة من موضع إلى آخر بدلًا من حلها. والإشارات المتضاربة تربك السوق كثيرًا؛ فعندما يسمع التاجر إعلانًا برفع الحظر، بينما لا تزال الإجراءات التنفيذية غير واضحة، تتزايد مخاطر التأخير والتكاليف وعدم اليقين، وقد ينعكس ذلك على المستهلك حتى قبل أن يتضح أثر القرار في المعروض والأسعار. ولا ينبغي أن يحتاج المواطن إلى انتظار تدخل جديد من مسؤول أعلى حتى تعرف الدولة أن قرارًا اقتصاديًا ما أضر بمعيشته؛ فجزء من وظيفة المؤسسات أن تتوقع الضرر، لا أن تكتشفه بعد وقوعه ثم تبحث عن مخرج استثنائي.

ونحن نقرأ ما يحدث من قرارات، نقف بين محطتي الحظر والاستيراد، وكلاهما يحتاج، كسياسة، إلى التعريف المضبوط. فالحظر ليس سياسة إنتاج، ومنع السلعة المستوردة لا يخلق مصنعًا محليًا، ولا يوفر الكهرباء والتمويل والنقل، ولا يضمن جودة البديل المحلي أو كفايته للاحتياج.

والاستيراد المفتوح كذلك ليس سياسة معيشية مكتملة، ورفع القيود قد يزيد المعروض، لكنه لا يضمن انخفاض الأسعار بصورة مستدامة إذا استمرت اختلالات سعر الصرف والتمويل والتوزيع. ووزارات الدولة التي تتنقل بين الحظر ورفع الحظر من دون نشر تقييم واضح لا تقدم سياسة اقتصادية، بل تقدم سلسلة من ردود الأفعال. وحين تغيب السياسة يصبح القرار بديلًا عن التخطيط، ويصبح التراجع بديلًا عن التقييم.

يمكننا القول بأنه قد يكون قرار رفع حظر استيراد بعض السلع قرارًا صحيحًا، وقد يكون الحظر نفسه قد استند إلى مبررات اقتصادية تستحق النقاش، ولكن صحة القرار أو خطأه لا يحسمان السؤال الأهم: هل توجد منظومة مؤسسية تضمن أن القرارات تُتخذ وفق اختصاصات واضحة، وتُنفذ باتساق، وتُراجع عند الضرورة، ويُحاسب المسؤولون عن نتائجها؟ هذا هو السؤال الذي يحتاج إلى إجابة تزيل الحيرة بين دولة القرارات ودولة التشريعات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى