قبل إعلان سياسات بنك السودان للعام 2027..
الخبير المصرفي د. الطيب عبد الله: الإصلاح الاقتصادي مسؤولية الدولة كلها وليس البنك المركزي وحده

الخبير المصرفي د. الطيب عبد الله: الإصلاح الاقتصادي مسؤولية الدولة كلها وليس البنك المركزي وحده
يجب توجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات ذات الأولوية وفي مقدمتها الزراعة و…… !
ندعو لتنسيق السياسات النقدية والمالية والإنتاجية ووضع مؤشرات قابلة للقياس لتعزيز الاستقرار الاقتصادي
نجاح الإصلاح الاقتصادي يتطلب تحديد مسؤوليات واضحة لمؤسسات الدولة تبدأ بوزارة المالية
ضعف الإنتاج والصادرات وتراجع التحويلات يحدّ من تدفقات النقد الأجنبي
لابد من توجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية والحد من توظيفه في المضاربات
السياسة النقدية مهما بلغت كفاءتها لا تستطيع بمفردها تحقيق الاستقرار الاقتصادي
نحتاج لبناء توقعات واقعية وتعزيز الثقة في السياسات الاقتصادية
مع اقتراب عام 2026 من نهايته، يستعد بنك السودان المركزي لإعداد سياسات العام المقبل، في وقت تبرز فيه أهمية مراجعة نتائج السياسات الحالية، وتقييم ما تحقق منها وما واجهته من تحديات، وسط ظروف اقتصادية استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على القطاعات الإنتاجية والمصرفية.
وأكد الخبير المصرفي د. الطيب عبدالله أن الإصلاح الاقتصادي مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة كافة، ولا يمكن تحميل البنك المركزي وحده مسؤولية استقرار الأسعار وسعر الصرف وتحسين الأوضاع المعيشية، مشدداً على ضرورة تكامل السياسات النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية لتحقيق التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
ركيزة التعافي الاقتصادي
وقال عبدالله إن سياسات بنك السودان المركزي للعام 2026 استندت إلى رؤية تهدف إلى جعل القطاع المصرفي ركيزة للتعافي الاقتصادي ومدخلاً لإعادة الإعمار، من خلال مسارين أساسيين؛ يتمثل الأول في توجيه التمويل المصرفي نحو القطاعات ذات الأولوية، وفي مقدمتها الزراعة والصناعة والطاقة والنقل والإسكان، إلى جانب تشجيع صيغ التمويل الإسلامي، ودعم التمويل الأصغر والمتوسط، وتيسير الضمانات للفئات التي فقدت مستنداتها وأصولها بسبب الحرب.
موضحاً أن المسار الثاني ركز على تسهيل الخدمات المصرفية للنازحين والعائدين، وتوسيع الشمول المالي عبر الصيرفة الإلكترونية والوكلاء، وإعادة تأهيل القطاع المصرفي واستعادة انتشاره في الولايات المتأثرة، فضلاً عن تعزيز الحوكمة والرقابة المصرفية وضبط السيولة والسعي إلى استقرار الأسعار وسعر الصرف.
وأوضح الخبير المصرفي أن هذه التوجهات تمثل رؤية سليمة لربط التمويل المصرفي بإعادة تشغيل الطاقات الإنتاجية، بدلاً من التعامل معه باعتباره مجرد قروض تُمنح وتُسترد، مبيناً أن المصارف والمواطنين والاقتصاد الوطني جميعهم تأثروا بالحرب، الأمر الذي يجعل عملية إعادة الإعمار بحاجة إلى جهود تتجاوز حدود السياسة النقدية.
تراجع قيمة الجنيه
وأشار عبدالله إلى أن انشغال المواطنين بأسعار الدولار وتراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف المعيشة أمر طبيعي، غير أن توجيه المسؤولية كاملة إلى البنك المركزي ينطوي على خلط بين أدوات المعالجة ومصادر المشكلة الاقتصادية.
وبيّن أن البنك المركزي يمتلك أدوات تتعلق بالسياسة النقدية والسيولة والرقابة المصرفية وإدارة النقد الأجنبي، لكنه لا يملك بمفرده زيادة الإنتاج الزراعي والصناعي، أو توفير الكهرباء والطرق والموانئ، أو التحكم في الإنفاق العام.
ولفت إلى أن تراجع قيمة العملة الوطنية يرتبط، في جانب أساسي منه، بالفجوة بين موارد البلاد من النقد الأجنبي واستخداماته، موضحاً أن ضعف الإنتاج والصادرات وتراجع التحويلات يحدّ من تدفقات النقد الأجنبي، ويجعل الإجراءات النقدية وحدها غير كافية لمعالجة الاختلالات.
وأضاف أن التضخم يرتبط كذلك بتراجع المعروض من السلع وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، فضلاً عن آثار تمويل عجز الموازنة بالتوسع النقدي، الأمر الذي يستدعي الجمع بين الانضباط المالي والسياسات النقدية المتزنة وزيادة الإنتاج.
تحديد مسؤوليات
وشدد عبدالله على أن نجاح الإصلاح الاقتصادي يتطلب تحديد مسؤوليات واضحة لمؤسسات الدولة، تبدأ بوزارة المالية التي تقع على عاتقها مسؤولية ضبط الإنفاق العام، وتقليل الاعتماد على تمويل العجز، وتحسين الإيرادات، وتوجيه الموارد نحو القطاعات الإنتاجية.
كما دعا وزارات الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية والمعادن إلى العمل على زيادة الإنتاج وتحسين جودته وتعزيز قدرته التنافسية، بما يتيح تحويل الموارد المتاحة إلى صادرات ذات قيمة مضافة.
وأكد أهمية دور وزارة التجارة والجهات المنظمة للصادرات في تبسيط إجراءات التصدير وإزالة العقبات أمام المصدّرين، وضمان عودة حصائل الصادر عبر القنوات الرسمية، بما يعزز موارد البلاد من النقد الأجنبي.
وأشار إلى أن وزارات الطاقة والنقل والبنى التحتية مطالبة بتوفير الكهرباء والوقود والطرق والموانئ اللازمة لاستمرار النشاط الاقتصادي، فيما يتعين على الجهات المعنية بالاستثمار تهيئة بيئة مستقرة وجاذبة لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية.
ودعا المصارف والقطاع الخاص إلى توجيه التمويل نحو الأنشطة الإنتاجية، والحد من توظيفه في المضاربات، مع الالتزام بمبادئ الشفافية والحوكمة.
وأكد أن هذه الأدوار تكمل بعضها بعضاً، موضحاً أن التمويل المصرفي لن يحقق أهدافه ما لم تتوفر للمزارع الأرض والمدخلات ووسائل النقل، وللمصنّع الطاقة اللازمة للتشغيل، وللمصدّر الإجراءات الميسرة والأسواق المناسبة. وحذر من أن ضخ التمويل في ظل ضعف الإنتاج قد يؤدي إلى زيادة السيولة في مواجهة معروض محدود من السلع، بما يفاقم الضغوط التضخمية.
مبادئ سياسات 2027
وفي ما يتعلق بسياسات العام 2027، اقترح عبدالله أن تستند إلى ثلاثة مبادئ رئيسية، أولها تحقيق التنسيق الملزم بين السياسات النقدية والمالية والتجارية والإنتاجية، ضمن إطار اقتصادي موحد يضمن تكامل الجهود بدلاً من عمل المؤسسات بصورة منفصلة.
ويتمثل المبدأ الثاني، بحسب الخبير المصرفي، في وضع مؤشرات واضحة وقابلة للقياس لزيادة الإنتاج والصادرات وتدفقات النقد الأجنبي، مع مراجعتها دورياً ومساءلة الجهات المعنية عن مدى تحقيق المستهدفات.
أما المبدأ الثالث، فيتعلق بتعزيز التواصل مع المواطنين، من خلال توضيح ما يمكن للبنك المركزي إنجازه ضمن صلاحياته، وما يتطلب تدخل مؤسسات أخرى، بما يسهم في بناء توقعات واقعية وتعزيز الثقة في السياسات الاقتصادية.
إعادة الإعمار
وفي ختام حديثه، قال عبدالله إن سياسات 2026 أحسنت الربط بين العمل المصرفي وإعادة الإعمار واحتياجات المواطنين المتأثرين بالحرب، لكنه شدد على أن السياسة النقدية، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع بمفردها تحقيق الاستقرار الاقتصادي.
وأكد أن قوة العملة الوطنية ترتبط بقدرة الاقتصاد على الإنتاج والتصدير وتوفير النقد الأجنبي، فيما تتفاقم الضغوط عليها عندما يتزايد الاستهلاك دون نمو موازٍ في الإنتاج.
ودعا إلى التعامل مع الإصلاح الاقتصادي باعتباره مسؤولية جماعية تشمل الوزارات وبنك السودان المركزي والمصارف والقطاع الخاص والمواطنين، مؤكداً أن تكامل هذه الجهود هو الطريق نحو تعزيز قيمة الجنيه، والحد من ارتفاع الأسعار، وتحويل البنك المركزي إلى شريك فاعل في إعادة بناء الاقتصاد الوطني، بدلاً من تحميله مسؤولية تتجاوز أدواته وصلاحياته.




