منى أبوزيد: في تسليع الحروب..!

*”أخطر ما في تحويل قصص الحروب إلى محتوى يعرض على الشاشات أن أعظم آلام الإنسانية تصبح قابلة لتجاوز”.. الكاتبة..!*

في الأزمنة القديمة كانت الحرب حدثاً يُروى بعد أن ينتهي. يرويه العائد منها بصوتٍ منخفض، وذاكرة ملتاعة. أما اليوم فالحروب تُبث على الهواء مباشرة. ولها موسيقى تصويرية، وشعارات قصيرة تصلح كعناوين لروايات مثيرة، وخبطات إعلامية جاهزة للاشتعال..!

لم تعد مجرد مأساة، بل أصبحت مادةً استهلاكية، تدخل بيوتنا عبر الهاتف، وتغادر مع تمريرة إصبع. كيف تتحول الحرب إلى منتج ثقافي؟. حين تصبح الصورة أهم من الإنسان، والشعار أعلى من الحقيقة. حين تُختزل الدماء في خلفية نشرة، ويُختصر الخراب في خريطة ملونة..!

الإعلام لا يكذب بالضرورة، لكنه ينتقي الزاوية الأكثر إثارة. والسياسة لا تكتب الأغاني، لكنها تعرف جيداً كيف تستثمر في إيقاعاتها. لأغاني الحماسية ليست بريئة دائماً. هي تصنع مزاجاً عاماً، ترفع الأدرينالين الجمعي، وتمنحنا الشعور بأننا جزء من ملحمة كبرى. الشعارات أيضاً تفعل الشيء ذاته؛ تختزل التعقيد في جملة، وتختصر التاريخ في هتاف. ومع كل إعادة نشر، تتضخم الفكرة وتبهت التفاصيل. التفاصيل التي لا تصلح للنشر “الخوف، الارتباك، الندم، والبيوت التي لم تعد لها أبواب”..!

لا شك أن هناك فرق بين البطولات الحقيقية وبطولات “اللايف”. البطولات الحقيقية لا تحتاج إلى كاميرا. هي لحظة قرار في عتمة، لحظة تضحية لا يشهدها أحد. هي جندي يحمي رفاقه دون أن يفكر في الصورة، وطبيب يعمل تحت القصف دون أن ينتظر تصفيقاً..!

أما بطولة” اللايف” فهي أداء محسوب، زاوية تصوير جيدة، كلمات كبيرة، وعدد مشاهدات يتزايد. الأولى تُنقذ حياة، والثانية تُنقذ حضوراً. في زمن البث المباشر، أصبح الألم قابلاً للقياس بعدد الإعجابات. وكلما اشتعل المشهد، ارتفعت نسب المشاهدة..!

وهكذا تتسلل فكرة خطيرة “أن الحرب يمكن أن تكون محتوى يُستهلك، يُحلَّل، يُعاد تدويره، ثم يُستبدل بخبرٍ أكثر سخونة. كأن الذاكرة قد صارت قصيرة بما يكفي لتتحمل كل هذا الرماد..!

لكن بعيداً عن الشاشات، في البيوت التي لا تصلها الكاميرات، تُكتب نسخة أخرى من التاريخ. الأمهات لا يرفعن شعارات، ولا يغنين بحماسة. هنّ يكتبن بأصابع مرتجفة على جبين الغائبين. كل أم تعرف أن البطولة ليست صورة ابنها بزيٍّ عسكري، بل عودته سالماً إلى المائدة. تعرف أن الحرب مهما تزيّنت، تبقى خسارة شخصية جداً..!

الأمهات يكتبن تاريخاً لا يُبث، تاريخاً من الانتظار، من الصبر، من الدعاء الطويل في منتصف الليل. لا أحد يصنع لهن موسيقى تصويرية، لا أحد يمنحهن وساماً على الهواء. ومع ذلك، هنّ الحارسات الحقيقيات للمعنى. لأنهن يعرفن أن وراء كل شعار جسداً، ووراء كل خريطة قلباً..!

الحرب حين تتحول إلى منتج ثقافي، تفقد شيئاً من فداحتها، تصبح قابلة للمشاهدة أكثر من اللازم، ومفهومة أقل مما ينبغي. نعتاد عليها كما نعتاد على مسلسل طويل، ننتظر حلقته التالية، ونتجادل حول أبطاله. وهنا تكمن الخطورة: أن نفقد القدرة على الارتجاف..!

نحن لسنا ضد الحكاية، ولا ضد توثيق الشجاعة، لكننا بحاجة إلى أن نتذكر أن الحرب ليست مسرحاً، وأن البطولة ليست مشهداً قابلاً للإعادة. وكيف وكم أن هناك فرق بين أن نحكي المأساة كي نفهمها، وبين أن نستهلكها كي نشعر بالإثارة..!

ربما آن الأوان لأن نصغي أكثر إلى ما لا يُبث “إلى الصمت خلف الأغاني، إلى الدموع خلف الشعارات، إلى الأمهات وهنّ يكتبن تاريخاً بلا كاميرات”. وعلينا أن لا ننسى أن استيعاب الحقائق العارية لا يحتاج إلى بثها على الهواء بقدر ما يحتاج إلى ضمائر حية تدرك أن قيمة الإنسان شجرة وعي، وأن العدالة أهم عناصر تمثيلها الضوئي!.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى