علم الدين عمر يكتب: الإقتصاد.. روشتة الإنقاذ ومعركة الإنتاج!

حاجب الدهشة
ردود فعل متباينة ..ومفرحة لي علي أي حال وردتني تعقيباً علي المقال السابق الذي كتبته حول ضرورة التوافق علي الحد الأدني..الذي يسمح لها بالإلتفاف حول أي شبهة برنامج وطني محدود لحين الخروج من هذه الدوامة التي أُسقطت فيها الدولة السودانية..بالكامل..وربما أفسح المساحة خلال الإسبوع القادم لبعضها..خاصة تلك التي وردت في شكل مداخلات قصيرة من مختصين في الإقتصاد والدبلوماسية والتخطيط الإستراتيجي..لكن في المطلق ربما أتفقنا جميعاً علي أنه ليست معركة الميدان الآن هي الأخطر على الدولة..الأخطر أن تنتصر في الميدان وتخسر التماسك الشعبي والثقة الوطنية.. وتترك اقتصادها رهينة للسماسرة وشبكات المصالح ..
كنت قد حاولت إمضاء روشتة التعامل القوي والجاد من قبل الدولة مع طبيعة المعركة ومرحلتها الحالية في مواجهة جبهات متعددة ومتسلسلة ومفتوحة..قد تبدو الحاجة أكثر إلحاحاً إلى هذه الروشتة بعد أن أصبحت معركة الإقتصاد وتثبيط همة الشعب وضرب روحه المعنوية وتفتيت الجبهة الداخلية.. ومحاولة ضرب النسيج المجتمعي وتوسيع الشقة بين مكوناته بالتخوين والتشكيك..جبهات لا تقل خطورة عن جبهات القتال المباشر..
إذ ليس من قبيل المبالغة أن نقول إن الإقتصاد أصبح أحد ميادين الحرب الأكثر حساسية.. وجدية في ظل تآكل القدرة الشرائية.. وتوسع الفجوة بين دخول المواطنين وأسعار احتياجاتهم.. وتراكم الأعباء المعيشية.. الخسارة لا تتوقف عند حدود السوق..بل تمتد إلى الثقة في الدولة.. والروح المعنوية للشعب.. والقدرة على الصمود..
ودونكم التقارير الحكومية والإعلامية.. والمؤشرات المتصاعدة لملفات الإستثناءات والأموال المتحركة على هوامش الدولة واقتصادها وجباياتها..هذه ليست مجرد إختلالات إدارية..هذه ثغرات تتسرب منها الموارد..وتتمدد عبرها شبكات المصالح..وتتحول فيها صلاحيات الدولة إلى أبواب واسعة لمكاسب ضيقة..
لا شك أن الدولة بحاجة ملحة إلى إمضاء سياسات وضوابط قصيرة المدى..مباشرة وقوية.. لا تحتمل التأجيل ولا المجاملة..
وإن تطلب الأمر الاقتداء بما قام به ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في أول عهده في ملف «القطط السمان».. حين جمع عدداً من الأمراء والمسؤولين ورجال الأعمال في حملة مكافحة الفساد عام 2017.. المقصود ليس استنساخ التجربة بكل تفاصيلها بالطبع..المقصود إستلهام إرادة الدولة في تفكيك شبكات المصالح المتقاطعة مع مصلحتها العليا.. واسترداد المال العام..وإخضاع الجميع للقانون..
نحن مطالبون اليوم بإجراءات واضحة ومبررة لحركة الواردات والصادرات.. وليس تقييدها ليستفيد منها البعض.. نحتاج إلى مراجعة الاستثناءات الجمركية والضريبية..وإعلان معاييرها..وربطها بالإنتاج الحقيقي وليس بدوائر الأسماء والنفوذ والعلاقات.. الاستثناء الذي لا ينعكس على خفض الأسعار أو زيادة الإنتاج أو توفير فرص العمل.. يتحول إلى امتياز خاص يدفع ثمنه المواطن..
نحتاج إلى تدخل الدولة لتركيز الأسعار.. وليس المضاربة فيها أو منافسة القطاع الخاص.. تدخل يضبط الأسواق.. ويكسر الاحتكار.. ويوفر السلع الأساسية.. ويعيد التوازن بين المنتج والمستهلك دون أن يتحول إلى عبء جديد على النشاط الإقتصادي..
لابد من تحسس مجالس للخبراء والمخططين.. لكتابة مسودة وطنية واضحة كخارطة طريق..مثل التي قدمها الرئيس الروسي للرئيس البرهان.. تضع الإقتصاد السوداني أمام خياراته الحقيقية.. وتحدد أولوياته في ظل الحرب وإعادة الإعمار..
خارطة طريق تبدأ من الإعفاءات الجمركية وتشجيع الإستثمار وإنعاش السوق..وتعزيز الميزات التفضيلية.. وتمتد إلى الخدمات ومدخلات الإنتاج والمعدات والآلات الزراعية.. إعفاءات محسوبة.. تستهدف ما يخدم الإنتاج ويخفض كلفته.. ويخلق قيمة مضافة داخل السودان..
لعل القرار الذي أصدره رئيس الوزراء في 26 أكتوبر بإعفاء مدخلات الإنتاج الصناعي من الرسوم الجمركية والضريبية.. بما فيها القيمة المضافة.. يمثل خطوة في الاتجاه الصحيح.. لكنها تظل ناقصة وقاصرة ومحدودة الأثر إن لم يعلن عن آليات تنفيذها.. وضمان وصول أثرها للمنتج والمستهلك..ومنع تحولها إلى منفعة إضافية للوسطاء..
كما نحتاج إلى الإفادة من التمويلات البنكية مباشرة لدعم الإنتاج.. وتسهيل الرهونات العقارية.. وتوسيع فرص التمويل الزراعي والصناعي.. وتوجيه المصارف نحو مشروعات حقيقية قابلة للنمو..بدلاً من تدوير الأموال في المضاربات والأنشطة الطفيلية.. لابد من تفجير طاقات العمل إلى الدرجة القصوى.. وإعادة الإعتبار للمنتج والمزارع والصانع والمستثمر الجاد..
هذه هي الروشتة دولة تحسم الفساد.. وتضبط الإستثناءات.. وتحرر الإنتاج..وتعيد توجيه التمويل.. وتفتح الطريق أمام العمل.. وتحمي البلاد من إستنزاف مواردها.. ومن إفساد اقتصادها.. ومن إضعاف شعبها..
إن معركة الإقتصاد لم تعد ملفاً جانبياً.. هي الآن معركة الصمود ذاتها.. والسودان الذي يريد أن ينتصر.. مطالب بأن يجعل من قرارات الدولة وإجراءاتها ورؤيتها وقوامتها فرصة إنتاج وقيمة مضافة للموارد والثروات والطاقات.. نحو استعادة الدولة..
القاعدة الذهبية أن الإقتصاد الذي لا يخدم صمود الشعب.. لن يخدم انتصار الدولة علي أي حال..



