عندما تتحدث الخارجية الإثيوبية عن 1959 لتهرب من أصوصا 2026

بقلم/ د. عبد العزيز الزبير باشا

تابعنا باهتمام التصريح المنسوب للسيد زيرهون أبيبي، مدير الشؤون الأفريقية في الخارجية الإثيوبية، على منصة الشرق – السودان، والذي قال فيه إن اتفاقية 1959 كانت تنازلاً من قائد الانقلاب إبراهيم عبود عن الحقوق المائية، وإن الجيش السوداني يتبع خطاه اليوم، وإن من يدافع عن السودان يعمل بوقاً لمصر.

هذا التصريح لا يستحق الرد لولا أنه يكشف منهجية تفكير أديس أبابا في إدارة الأزمات: عندما تتهم باستخدام مطار مدني كقاعدة حربية، تهرب إلى التاريخ. وعندما تتهم باستهداف 14 محطة كهرباء مدنية في تسعة ولايات سودانية، تهرب إلى اتهام الآخرين بالتبعية.

ولذلك، نرد ليس دفاعاً عن أشخاص، بل دفاعاً عن حقائق التاريخ والقانون والمصالح التكاملية لشعوب حوض النيل.

*أولاً: 1959 لم تكن تنازلاً.. كانت أول اتفاق تكاملي في حوض النيل*

من المؤسف أن يجهل مدير الشؤون الأفريقية في خارجية دولة من دول الحوض أبسط حقائق قانون النيل.

قبل 1959، كانت تحكم النيل اتفاقية 1929 الاستعمارية التي منحت مصر حق الفيتو على أي مشروع في الحوض، وخصصت للسودان 4 مليارات متر مكعب فقط، ولم تعترف بإثيوبيا أصلاً كصاحب حق لأنها لم تكن تملك مشروعاً واحداً.

جاءت اتفاقية 1959 بين الرئيسين إبراهيم عبود وجمال عبدالناصر لتصحح هذا الخلل الاستعماري. بموجبها:

1. ارتفعت حصة السودان من 4 مليار إلى 18.5 مليار متر مكعب، أي بزيادة 360%، مقابل 55.5 مليار لمصر.
2. اعترفت مصر لأول مرة بحق السودان في إقامة مشروعات الروصيرص وخزان سنار وتعلية سنار.
3. اتفق الطرفان على بناء السد العالي كمشروع تكاملي يحقق منفعة مشتركة، مع التزام مصري بتعويض أهالي حلفا وتنميتها.
4. نصت المادة الخامسة على العمل المشترك لزيادة إيراد النهر لمصلحة الطرفين.

فأين التنازل هنا؟ التنازل الحقيقي هو أن تملك 86% من مياه النيل – كما تدعي إثيوبيا – ولا تملك اتفاقاً واحداً ملزماً مع جيرانك، وتصر على فرض الأمر الواقع ببناء سد دون اتفاق ملزم، ثم تتهم الآخرين بأنهم يتنازلون عندما يتفقون.

إن نموذج 1959 هو النموذج الذي يجب أن يحتذى به اليوم: اتفاق ملزم، تقاسم منافع، لا ضرر ولا ضرار، تعويضات تنموية. وهو النموذج نفسه الذي يطالب به السودان ومصر معاً في ملف سد النهضة. فهل المطالبة باتفاق ملزم قبل الملء والتشغيل أصبحت في قاموس أديس أبابا تبعية؟

*ثانياً: من يدافع عن السودان يدافع عن منظومة أمن إقليمي وجودية*

القول بأن الدفاع عن السودان هو عمل كبوق لمصر، هو إسقاط دبلوماسي يكشف عجز الحجة.

السودان ومصر دولتان تربطهما اتفاقية دفاع مشترك موقعة في 15 يوليو 1976، مدتها 25 سنة وتتجدد تلقائياً، وتتضمن 8 بنود، جوهرها أن أي اعتداء على إحداهما هو اعتداء على الأخرى. هذه الاتفاقية مرت بثلاث محطات: توقيعها 1976، إعلان سوداني منفرد بإلغائها 1989، ثم إعادة تفعيلها باتفاقية تعاون عسكري في مارس 2021 أثمرت مناورات نسور النيل 1 و 2 في مروي.

وبتاريخ 02 نوفمبر 2026، أي بعد 24 ساعة فقط من شكوى السودان الرسمية ضد إثيوبيا في مجلس الأمن الدولي ومجلس السلم والأمن الأفريقي بتهمة استخدام أراضيها منصة لإطلاق مسيرات استهدفت بنية مدنية، جددت القاهرة في ختام الجولة الثالثة لآلية 2+2 – التي تضم وزيري الخارجية والري وانطلقت في 24 فبراير 2025 – التأكيد على جاهزيتها للتحرك وفق اتفاق الدفاع المشترك.

والرئاسة المصرية أكدت في 18 ديسمبر 2025 أن الأمن القومي المصري مرتبط مباشرة بالأمن القومي السوداني، وأن الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه وعدم العبث بمقدراته وعدم السماح بانفصال أي جزء أو قيام كيانات موازية، هي خطوط حمراء، وأن مصر على استعداد لاتخاذ كل التدابير التي يجيزها القانون الدولي.

هذا ليس تبعية. هذا تحالف وجودي يفرضه الواقع:

– اقتصادياً: ضرب 14 محطة كهرباء في القضارف والخرطوم والجزيرة والبحر الأحمر وسنار والنيل الأبيض وجنوب كردفان ونهر النيل والشمالية، يعني ضرب منظومة الربط الكهربائي المستقبلي السوداني المصري، وضرب قدرة السودان على أن يكون سلة غذاء للإقليم، وهو ما يهدد الأمن الغذائي المصري السوداني المشترك.

– أمنياً: مطار أصوصا يبعد 40 كلم فقط عن الحدود السودانية. تحويل مطار مدني إلى قاعدة مسيرات تهدد اليوم القضارف، وغداً يمكن أن تهدد الملاحة في البحر الأحمر التي يمر عبرها 12% من التجارة العالمية، والتي تعتبرها القاهرة والخرطوم شريان حياة واحد.

– قانونياً: توفير معسكر منجي في بني شنقول لتدريب مرتزقة وتوفير تسهيلات لوجستية لمليشيا الدعم السريع يخالف المادة 2/4 من ميثاق الأمم المتحدة والقرار 1373 الخاص بمكافحة الإرهاب.

*ثالثاً: سؤالنا الأخير لأديس أبابا.. لماذا أغلقتم قنصلية الشاهد؟*

إذا كانت روايتكم صحيحة وأنكم لا تسمحون باستخدام أراضيكم، فلماذا أغلقتم القنصلية العامة للسودان في أصوصا – نفس المدينة التي يقع فيها المطار المتهم – بعد 48 ساعة فقط من شكوى السودان لمجلس الأمن، بمهلة 48 ساعة وإعلان أشخاص غير مرغوب فيهم، بنفس الأسلوب الذي أغلقتم به سفارتكم في أسمرا؟

إغلاق قنصلية الشاهد في مدينة الجريمة المزعومة ليس إجراءً دبلوماسياً، بل هو دليل سوء نية سنقدمه كملحق ثانٍ لشكوى السودان في مجلس الأمن تحت عنوان: “إثيوبيا تغلق عين الشاهد بعد اتهامها”.

*الخلاصة:*

السودان ومصر ليسا خصمين في ملف المياه. السودان ومصر شريكان في نموذج 1959 التكاملي الذي يحمي النيل بالاتفاق. وإثيوبيا التي تتهم الآخرين بالتنازل والتبعية، مطالبة اليوم بأن تجيب على سؤال واحد واضح: هل مطار أصوصا مطار مدني أم قاعدة عسكرية لإطلاق المسيرات؟ وهل معسكر منجي موجود أم لا؟

الرد السوداني لن يكون ببيان مضاد. الرد سيكون بملف قانوني متكامل في مجلس الأمن يضم صور أقمار صناعية وإحداثيات دقيقة وبقايا مسيرات، وحسم عسكري داخلي يطهر الفاشر وبابنوسة ونيالا وهجليج وبليلة، فيقطع الحبل السري للمليشيا، فتسقط تلقائياً قيمة القاعدة الخارجية في أصوصا وبحر دار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى