السودان وإثيوبيا.. دبلوماسية «البطاقات الحمراء»
ملح الأرض/ بقلم/ خالد ماسا

لم تعد أزمة الثقة بين الخرطوم وأديس أبابا، عاصمتي البلدين المتجاورين في القرن الإفريقي، أزمة حدود أو سد النهضة وحدهما، بل يبدو أن الأمور قد تطورت أكثر من ذلك، وأصبحت مرتبطة بتداعيات الحرب السودانية المستمرة لمدة أربعة أعوام، واشتعال الأوضاع في إقليم «تيغراي» الإثيوبي، وتزايد احتمالات انتقالها إلى صراع بالوكالة عبر الحدود، وتحوّل العلاقات السودانية الإثيوبية من خلافات سياسية وحدودية قابلة للاحتواء إلى أزمة تتداخل فيها الحرب السودانية مع حسابات الأمن الإقليمي وتوازنات القرن الإفريقي وصراع النفوذ الدولي، في ظل هشاشة آليات الردع والوساطة الإقليمية والدولية.
عجزت الدبلوماسية في البلدين عن حماية العلاقة بينهما والاحتفاظ بها في مكان بارد وبعيد عن يد ومتناول تقاطعات المصالح الدولية والإقليمية، لتتحول سياسة «البطاقات الحمراء» إلى مجرد استعراض متبادل، ويصبح استخدام الطائرات المسيّرة جزءاً من معادلة الحرب؛ فإن إغلاق القنصليات لا يغلق الأجواء أمامها ولا يمنع وصولها إلى أهدافها، ليتجه البلدان إلى مواجهة دبلوماسية عنوانها طرد الدبلوماسيين، بينما تجري المواجهة الحقيقية على الأرض وفي الأجواء، وتتحكم في مساراتها حسابات إقليمية ودولية تتجاوز إرادة البلدين.
(*) مرحلة القطيعة ..
يمكننا القول بأن الدبلوماسية التي تتحول إلى عملية تبادل للعقوبات الرمزية قد تنتهي إلى إغلاق النوافذ التي كان يمكن أن تمنع انفجار الأزمة، وهذا بالضبط ما حدث في الحالة السودانية الإثيوبية حالياً، إذ قررت إثيوبيا إغلاق القنصلية السودانية في أصوصا، وإمهال ستة دبلوماسيين 48 ساعة لمغادرة أراضيها، ليجيء الرد السوداني بإغلاق القنصلية الإثيوبية في القضارف، وإمهال طاقمها المدة ذاتها للمغادرة. وهنالك دلالات واضحة في اختيار أصوصا والقضارف تحديداً، باعتبارهما نقطتي اتصال جغرافي وأمني على جانبي الحدود، وتمثل هذه الإجراءات ممارسة لحق المعاملة بالمثل، وبداية لعملية تفكيك قنوات الاتصال التي يحتاجها البلدان أكثر من أي وقت مضى في علاقاتهما الدبلوماسية.
عريضة الاتهام السوداني لإثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها منصة لإطلاق مسيّرات تابعة لمليشيا الدعم السريع، مدعومة بحزمة المعلومات التي تقول بأن المليشيا شنت 70 هجوماً، وأطلقت 187 طائرة مسيّرة انتحارية خلال الفترة من 15 فبراير إلى 27 أكتوبر 2026م المنصرم. كما تحدثت التقارير السودانية عن مقتل وإصابة نحو 484 مدنياً، واستهداف منشآت الكهرباء والمرافق المدنية والمستشفيات والمناطق السكنية، فضلاً عن خسائر في صفوف القوات المسلحة، الشيء الذي يعني انتقال عمليات المسيّرات إلى ما وراء الحدود السودانية، وأننا أصبحنا أمام اتساع جغرافي للحرب وتحول كبير في طبيعة التدخلات الإقليمية.
بطبيعة الحال، لم تسكت أديس أبابا على الاتهامات التي قدمتها الخرطوم، ودفعت باتهام الخرطوم بدعم عناصر مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي ومجموعات فانو المتمردة، وأن السودان يقوم بتوفير ملاذات آمنة ومساندة لوجستية لمجموعات مسلحة معارضة لها. وردت الخرطوم برفض هذه الاتهامات، وبالمقابل نفى الجانب الإثيوبي اتهامات الخرطوم بدعم قوات الدعم السريع أو السماح باستخدام أراضيها لشن هجمات على السودان. هذا المشهد ينقلنا إلى فهم خطورة أن يتحول البلدان إلى طرفين في معادلة دعم الجماعات المسلحة عبر الحدود.
الاستخدام الأخير من الحكومة السودانية، والذي جاء على أكتاف المادة (2)، الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة، التي تحظر استخدام القوة ضد سلامة أراضي الدول واستقلالها السياسي، حوّل الأمر من مجرد اتهامات إلى شكوى رسمية ورغبة سودانية في اتباع المسار القانوني الذي يفضي إلى التحقيق والمساءلة. والحكومة السودانية تعلم بأن هذا الطريق طويل ومعقد، وتعترضه مطبات ذات علاقة بطريقة التصويت داخل مجلس الأمن، وإن كان التعويل الدبلوماسي الآن على إمكانية طلب الإحاطة والتحقيق في الاتهامات التي وجهها السودان في شكواه، وتوثيق الوقائع التي شملها التقرير، وإصدار مواقف سياسية على الأقل.
يمكننا القول بانتقال العلاقة بين البلدين، بسبب الحرب، إلى مربعات أخرى، وأصبحت جزءاً من معادلة إعادة ترتيب النفوذ في القرن الإفريقي، بحيث لم تعد حدود السودان وحدوده الشرقية مجرد خطوط جغرافية، بل مساحات للتنافس الاستراتيجي باستخدام ملفات متداخلة تشمل ملف الفشقة والنزاع الحدودي بين البلدين، بوصفه جرحاً مفتوحاً في العلاقات الثنائية، إضافة إلى الموقف الإريتري وعلاقته بالتوترات الإثيوبية، ومخاوف أديس أبابا من تشكّل محور إقليمي يضم مصر والسودان وإريتريا، وتداخل الحرب السودانية مع الصراعات الإثيوبية الداخلية، خصوصاً تيغراي وفانو.
هذا الانتقال في العلاقات بين البلدين دفع كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا لمحاولة الإمساك بملف التفاوض والوساطة بين الخرطوم وأديس أبابا، دون أن نتمكن من التعرف على الأهداف من هذه الوساطة، إذ يوجد اختلاف كبير بين فكرة العودة بالعلاقات إلى طبيعتها والتفكير الدبلوماسي المدفوع بمخاوف تحول التوتر بين البلدين إلى مواجهات عسكرية مباشرة.
أمريكا وبريطانيا، اللتان فشلتا في احتواء الأزمة في أساسها بين الفصائل السودانية داخلياً، لا نعتقد بأنهما قادرتان على الوصول بهذا الملف إلى بر الأمان، في ظل التعقيد الكبير الذي يحيط بأزمة الحرب السودانية وتدويلها. وفي الوقت الحالي لا تملك الدولتان أدوات ضغط حقيقية على الخرطوم وأديس أبابا لتخفيض التوتر، خاصة وأن سقف الوساطة وأهدافها أصبح من الضروري رفعها لتصل إلى أبعد من نجاح الوساطة في إعادة فتح القنصليات في أصوصا والقضارف فقط، بل بوقف أي دعم عسكري أو لوجستي عابر للحدود، والتحقق من الاتهامات، وإنشاء آلية مراقبة تمنع تكرار الهجمات.
صحيح أن الحرب المشتعلة حالياً في السودان هي أحد أهم المستجدات المؤثرة جداً على علاقة البلدين، إلا أنه من غير المنطقي أن نفصل هذا عن الجذور التاريخية للخلاف بين البلدين، فلقد ظلت الفشقة أرض النزاع التي تختبر قدرة الخرطوم وأديس أبابا على إدارة خلافاتهما، إضافة إلى ملف المياه وسد النهضة، الذي نقل العلاقات من التنافس الحدودي إلى التنافس الاستراتيجي، وغياب الثقة المتبادلة وتراكم الاتهامات، في ظل انشغال الدبلوماسية السودانية بإفرازات الحرب وتأثيراتها، وانشغال الدبلوماسية الإثيوبية بتمرد تيغراي ومخاوفها كدولة حبيسة تريد أن تصل إلى أعلى سقف من الانتصار الدبلوماسي بإيجاد متنفس بحري بترتيبات ودعم إقليمي ودولي. وكل هذا أضعف تركيز دبلوماسية البلدين في معالجة الشرخ الدبلوماسي بينهما، والمؤكد هو أن إثيوبيا تتعامل الآن مع السودان بوصفه دولة منشغلة بحربها الداخلية، وأنه أصبح ساحة ضمن حسابات إثيوبية أوسع.
(*) فاتورة التصعيد …
المواطن في القضارف والنيل الأزرق وشرق السودان بالضرورة ليس معنياً بتبادل بيانات وزارتي الخارجية في البلدين، وأي تصعيد عسكري أو أمني على الحدود يهدد بشكل مباشر التجارة، ويؤثر على حركة السكان، ويهدد أمنهم الغذائي، وإن إغلاق القنصليات يضر أيضاً بالمصالح الاقتصادية والاجتماعية والتواصل الحدودي بشكل عام، وتلك فاتورة يجب الإجابة على سؤال: من سيحاسب عليها؟ في ظرف اقتصادي دقيق يعيشه السودانيون؛ لأن أخطر ما في الأزمة ليس تبادل الدبلوماسيين بطاقات الطرد، وإنما أن يتحول تبادل الاتهامات إلى واقع عسكري يدفع ثمنه المواطنون.
رفع بطاقات الطرد الدبلوماسي الحمراء بين البلدين ما هو إلا اعتراف صريح بنفاد الصبر والقدرة الدبلوماسية، واتساع رقعة الحرب السودانية في مقابل ضيق خيارات الحل الدبلوماسي، وأن الواقع يقول بأن دبلوماسية الخرطوم وأديس أبابا أصبحتا تلاحقان آثار ونتائج الأزمات الداخلية بدلاً عن السعي لمنع اتساعها. فالقطيعة الدبلوماسية المعلنة الآن تصنع بيئة مناسبة جداً لتقيّح الجروح القديمة في منطقة الفشقة، بسبب إغلاق المنافذ التي تتيح التواصل بين البلدين، هذا في ظل ضعف مؤسساتي يعيشه الإقليم، عاجز ومكتفٍ فقط ببيانات الشجب والإدانة والدعوة لنزع فتيل المواجهات، دون أي عمل وأثر حقيقي على الأرض.
السودان الآن، وبالأحوال التي صنعتها الحرب أمنياً واقتصادياً، لا يحتاج إلى المزيد من البطاقات الحمراء بقدر ما أنه يحتاج إلى استعادة قدرته على حماية حدوده وأجوائه ومصالح شعبه. فطرد الدبلوماسيين قد يغلق قنصلية، واستدعاء السفير قد يرفع مستوى الاحتجاج، والشكوى إلى مجلس الأمن قد تسجل موقفاً قانونياً وسياسياً، لكن أياً من هذه الإجراءات لا يوقف مسيّرة في طريقها إلى محطة كهرباء أو مستشفى. وبينما تتبادل الخرطوم وأديس أبابا البطاقات الحمراء، يبقى السؤال الأكبر: من يستطيع أن يمنع تحول القرن الإفريقي إلى ساحة مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين على حساب شعوبه؟
يجب أن يمتلك السودان استراتيجية دبلوماسية متكاملة لإدارة علاقاته مع إثيوبيا، وأن ينتقل من مجرد رد فعل إلى رؤية تتشكل بها معادلات أمنية وإقليمية تضمن عدم الإضرار بالمصالح السودانية.



